العنوان وقفة مع قرار تأجيل حق الانتخاب للمتجنس
الكاتب راشد السالم
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1986
مشاهدات 41
نشر في العدد 772
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 24-يونيو-1986
أقر مجلس الأمة يوم الثلاثاء الماضي مشروعًا بتأجيل حق المتجنس في الانتخاب لمدة عشر سنوات أخرى؛ لتصبح مدة التأجيل ثلاثين عامًا.. وقد كان واضحًا أن الحكومة وقفت بقوة إلى جانب المشروع، الأمر الذي أسهم في نجاح المشروع بالإضافة إلى صفة الاستعجال التي أخذها، التي لم تمكن أعضاء المجلس من دراسته وتقليب نتائجه بهدوء وروية. ومع احترامنا لقرار المجلس ودوافع النواب مقدمي المشروع، إلا أننا نعتقد أن مثل هذا الموضوع ما كان ينبغي أن يناقش بمثل هذه السرعة ولا في مثل هذا الوقت؛ نظرًا لأهمية هذا الموضوع ليس على المدى القصير فحسب، بل على المدى البعيد، وليس على المتجنسين المحصورة أعدادهم، بل على مجمل العملية الديمقراطية.
- حجة واهية
والحجة الوحيدة التي استند إليها مؤيدو المشروع سواء من النواب أو الحكومة هو ظهور ثغرات في تطبيق قانون الجنسية، الأمر الذي أدى إلى منح الجنسية لمن لا يستحقون. ويستشهد أصحاب هذه الحجة ببعض الحالات المعروضة على المحاكم. وبما أن هذا الأمر يعتبر مُلحًا وخطيرًا، فإن أصحاب هذا المنطلق رأوا في التأجيل فرصة لدراسة ملفات المتجنسين على مهل. وسواء كان في نفس يعقوب حاجة أم لم يكن، فإن هذه الحجة تبدو واهية جدًّا. فليس من المعقول ولا من المستساغ أن يتم إصدار قانون من أجل إجراءات تنفيذية، أي أن القانون هو الأصل والإجراءات التنفيذية تابعة له، ويقصد منها تطبيقه وتنفيذه.
وفي مثل حالة قانون التجنس فإن الثغرة جاءت -باتفاق الجميع- من أجهزة الحكومة المختصة. وطالما الأمر كذلك، فقد كان بإمكان هذه الأجهزة دراسة الحالات الفردية المخالفة للقانون دون اللجوء إلى استصدار قانون بذلك. وهذا على أية حال من حق هذه الأجهزة، كما أنها سبق أن سحبت الجنسية في ٢٤ حالة ولم يعترض عليها أحد! بل أن هذه الأجهزة خالفت القانون والدستور في أكثر من حالة، منها على سبيل المثال ما ذكره النائب المرشد عن قيام الداخلية بنقل عدد من المتجنسين من المادة الثانية إلى المادة الأولى؛ أي الجنسية بالتأسيس! وليس غرضنا هنا توزيع اللوم وتوجيه الاتهامات، وإنما نقصد جلاء الموضوع؛ ليتم تناوله بصورة موضوعية تليق بآثاره ونتائجه.
وفضلًا عن ضعف حجة مؤيدي المشروع من الناحية القانونية، فإن القرار بحد ذاته كان خاطئًا لمجموعة من الأسباب: بعضها يتعلق بأن المشكلة في الواقع ليست خطيرة وليست آثارها مخيفة، بل العكس هو الصحيح؛ أي أن المشكلة تكمن في حرمان المتجنس من حق الانتخاب وليس في إعطائه إياه. وبعضها يتعلق بالمبادئ، والمنطق، والحق، والعدل.
- إحصائيات
ففيما يتعلق بحجم المشكلة تبين الإحصاءات أن مشكلة التجنس قد انتهت تقريبًا منذ أوائل السبعينيات؛ حيث لم تمنح الجنسية بالتجنس إلا لعشرات فقط في كل عام، وتقول الإحصائيات: بأن معظم من منحوا الجنسية هم من البادية وقاطني دول الجزيرة العربية، وأن عدد هؤلاء منذ خمسة وعشرين عامًا لم يزد عن ٣٠ ألفًا، وإذا وضعنا في الاعتبار عدم أحقية الأبناء البالغين في اكتساب جنسية أبيهم، فإن مجموع من يحق لهم الانتخاب يبلغ حوالي ٦٥٠٠ ناخب. ومثل هذا العدد عندما ينقسم على ٢٥ دائرة انتخابية لن يكون له تأثير في نتيجة الانتخابات، هذا إذا سلمّنا جدلًا بتخوفات الحكومة ومقدمي المشروع التي لم يكشفوا عن،ها وإنما ألمحوا إليها إلماحًا.
وإذا علمنا بأن مجموع الناخبين في الكويت هو حوالي 43 ألف ناخب فقط، فإن المنطق يقضي بزيادة هذه القاعدة بعدة طرق أحدها إعطاء هؤلاء الستة آلاف ونصف من المتجنسين حق الانتخاب؛ لأن توسيع القاعدة الشعبية كما هو معروف عالميًّا من أهم وسائل رقي وتطوير العمل النيابي والحياة الديمقراطية التي تعتبر من أهم مفاخر الحكومة والشعب في بلدنا. وأما عن الحالات التي تبيّن أنها مخالفة للقانون، وعرضت على المحاكم فلم تزد عن ٢٤ حالة، وهذا رقم معقول وطبيعي، وليس من العدل ولا من المنطق أن يعاقب المجموع بحرمانهم من حق كفله لهم الدستور يسبب قلة شاذة!
- الحق السياسي أولًا
ولعل أهم ما غاب عن بال مؤيدي المشروع حقيقة أن أهم ما يجعل الإنسان يشعر بالانتماء والولاء والتفاعل والعطاء هو تمتعه بالحق السياسي أولًا، ثم بالحقوق المادية الأخرى، فضلًا عن أن مقياس الولاء مقياس نسبي غير مطلق.
وعليه فإن حرمان الفرد من حقوقه السياسية وفي مقدمتها حق الانتخاب يتهدد مفهوم الولاء والانتماء والعطاء، ويؤدي على العكس تمامًا لتململ وعدم الاستقرار. وفي مجتمع كالكويت صغير في المساحة والسكان، في وسط أوضاع عربية ودولية متقلبة، ليس هناك أنجع وسيلة للحفاظ عليه آمنًا مستقرًا من تحقيق مفهوم الوحدة الوطنية وتكريسها من خلال مساواة أفراده في الحقوق السياسية والمادية سواء بسواء.
وإذا خرجنا من إطار القضية كما هي في حجمها الطبيعي، ما يؤكد خطأ حرمان المتجنسين من حقهم الانتخابي، فإن الحق والعدل والمنطق يقف أيضًا إلى جانب هذا الحق.
فمن الناحية الدستورية لم يسلب المتجنس إلا حقين هما الترشيح للمجلس النيابي وتولي الوزارة فقط. أما حق الانتخاب فقد أقره الدستور، وأحال ترتيبه للقانون الذي أجله لعشر سنوات كما هو معمول به في معظم دول العالم، ثم أجله العشرين عامًا عام ١٩٨٦ وأخيرًا الثلاثين عامًا. وربما يصادره للأبد إذا ظل هذا المنحى من التفكير فاعلًا.
ومن حيث الحق والعدل فإن المجتمعات لا تقوم، خاصة في الوقت الحاضر، إلا على توسيع القاعدة الشعبية والمساواة بين الأفراد في جميع الحقوق والواجبات. وإنها لسخرية من أنفسنا عندما تنتقد بشدة التمييز العنصري في دولة العدو الصهيوني وجنوب أفريقيا، وأمريكا، فيما نتخذ قرارات من شأنها تكريس التمييز قصدنا ذلك أَم لم نقصد!
الشريعة ضد الحرمان
على أن أهم ما يلفت نظرنا هو أن مجلس الأمة الذي صوت لصالح تعديل المادة الثانية من الدستور للحكم بالشريعة بالأغلبية، غاب عنه أن من أهم أساسيات هذه الشريعة الغراء هو مبدأ المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات. وأن العدل هو ديدن الشريعة ومرادها الذي وضعت من أجله. فالقرآن الكريم أوضح أن ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13) والرسول صلى الله عليه وسلم فصل في الأمر فقال: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» وإذا كانت الكويت دولة إسلامية كما ينُص الدستور، فإن الدولة الإسلامية منذ أنشأها الرسول صلى الله عليه وسلم لم تفرق أو تميز بين رعاياها بسبب العرق أو اللون، بل كان المسلم يتمتع بجميع حقوق وواجبات المسلمين بمجرد نطقه بالشهادتين، وكانت جنسية المسلم عقيدته من غير حدود جغرافية ولا عرقية.
وإذا كانت هناك أسباب تدعو في الوقت الحاضر للأخذ بنظام الجنسية الذي تطور في أوروبا بعد قيام الدول القومية، فيجب أن تؤخذ تلك الأسباب بقدرها ولضرورتها، لا أن تصبح هي الأصل وغيرها الاستثناء.
وإذا علمنا أن المتجنسين من المسلمين وممن درجوا على رمال هذا البلد الطيب، أو ولدوا وترعرعوا في كنفه أو خدموه خدمات جليلة وأمضوا زهرات شبابهم، بل حياتهم في تطويره، فإن حرمانهم من حق الانتخاب يصبح جريمة إنسانية لا تغتفر إلا بِرَد حقوقهم إليهم.
ولما كان في الأمر متسع، فإنه مأمول أن يراجع المجلس نفسه ويقلب الأمور في جلسة اليوم؛ ليمحو ما لبس عليه الشيطان في الجلسة الماضية، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل