العنوان ولدي الحبيب.. متى تعود؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 2022
نشر في الصفحة 60
السبت 06-أكتوبر-2012
هذا أب رحيم، ذو قلب رقيق وإحساس مرهف.. زارني بين المغرب والعشاء، بعد عشرة ولقاءات بالمسجد في الصلوات، نظرت في وجه الرجل فقرأت فيه آلاما وأحزانا، وقد بدت على وجه الرجل تجاعيد، تعكس معاناة بدنية ونفسية.. فبادرت أنا بسؤال الرجل: ماذا بك؟ فتنهد تنهيدة تخالطها آلام الحسرة والحزن ثم قال: «أقول إيه ولا إيه »!
ذرفت الدموع من عيني الرجل فحاولت التخفيف عنه، وبعد أن هدأ الرجل قص علي حكايته، فقال: عندي ابن كان مثالا ونموذجا في الخلق الحسن كنت كلما ذهبت إلى المدرسة للتواصل مع معلميه في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة وبداية المرحلة الثانوية، كان المعلمون يثنون على خلقه وتفوقه ثناء جميلا عظيما، ويبدون سعادتهم قائلين: نحن سعداء لأننا رأينا من ربي فلانا ويذكرون اسم الابن، ونحن نعتز ونفخر بأننا درسنا لابنك.
لم أصدق نفسي عندما اتصل بي اختصاصي الاجتماعي بالمدرسة الثانوية التي يدرس فيها ابني، ليسألني عنه: أين هو ؟ لماذا لم يأت اليوم إلى المدرسة؟ كاد عقلي أن يطير مني من شدة دهشتي، واستأذنت من رئيسي في العمل وخرجت مسرعا أبحث عن ولدي، فإذا به مع بعض رفاق السوء، في مطعم يأكلون في أثناء اليوم الدراسي، وقد تركوا مدارسهم فراقبت الموقف من بعيد ، إذا بهم يخرجون بعد ذلك إلى الأسواق والشوارع، يتعرضون للبنات بالمعاكسات والمضايقات، ويدخنون السجائر، ثم انتهى بهم المطاف إلى الجلوس على مقهى يدخنون «الشيشة أو النرجيلة»، ثم عاد إلى البيت.
عدت إلى عملي مرة ثانية بعد أن رأيت ما لم أكن أتمناه، ثم عدت إلى بيتي وفي الطريق كنت أحاول أن أستجمع حلمي وحكمتي كي لا أنفعل على ابني ودعوت الله أن ينزل علي سكينته، وأن يفرغ علي صبرا، وبعد أن تناولنا طعام الغداء ناديت ابني وأغلقنا الغرفة علينا وسألته بهدوء: أين كنت اليوم؟ فكانت الصاعقة المذهلة، حيث كذب علي ابني وقال: كنت بالمدرسة.. فبادرته طوال اليوم كنت بالمدرسة لم تخرج؟ فأجابني وقد اضطرب وتلجلج: نعم طوال اليوم وأنا بالمدرسة، فأسررت ذلك في نفسي، وأنهيت الحوار دون أن أواجهه، في محاولة مني لحفظ ماء وجهه، لب إحراجه.
تطور الأمر بعد ذلك، إلى أن علمت وتأكدت أن ابني صار يدخن بشراهة، بل علمت أنه يشرب الحشيش، فحاولت أن أتأكد من ذلك بسؤال بعض زملائه الذين يعرفون الكثير عنه وخاصة المحترمين منهم، فكانت الطامة المفجعة، حيث أكد لي بعض زملائه أنه بالفعل يتعاطى الحشيش، وربما يتعاطى أنواعًا أخرى من المخدرات... فبادرت بمهاتفة أحد أصدقائي من الأطباء المتخصصين في التحاليل الطبية، وأخبرته بأنني أرغب في أن أحلل لابني لأعرف إن كان يتعاطى المخدرات أم لا؟ وإن كان يتعاطى فأي الأنواع من المخدرات يتعاطاها؟
بالفعل أجريت تحليلات طبية لابني، وتأكدت من أنه يتعاطى الحشيش.. ثم تطور الأمر بعد ذلك، حيث حدثت تغيرات سلبية أكبر على تصرفات وأقوال ابني، فقد أعلن عصيانه لي ولأمه، وكان يطلب مالا كثيرا، ويلح في طلب الخروج وإذا لم نلب له طلبه خرج دون إذن منا بعد أن يرمينا بوابل من الشتائم والسباب وكانت شتائمه خارجة عن اللياقة تخلو من أدنى درجات الحياء!!
تطور الأمر بعد ذلك، فأسرف في المعاصي والذنوب، كان يسرق المال مني ومن والدته، وكنت أضع بعض النقود في شنطة، وأغلق أرقامها برقم سري واكتشفت أكثر من مرة أنه يتفنن في فتحها وأخذ المال الكثير منها دون رحمة بل تجاوز كل الحدود، فكان يستولي على مصروف إخوته، سواء باقتراض منهم، أم بالاستيلاء عنوة، ثم انقطع عن الصلاة وتدنى مستواه الدراسي، وكثر خروجه من البيت، وكان يطيل السهر، وربما يؤذن للفجر وهو خارج البيت، وأدمن الكذب وصار شديد الانفعال، فما إن أنقده إلا وينفعل ويعلو صراخه، ويكسر ما أمامه من أغراض، وربما شق ثيابه أو لطم وجهه !! فكنت أتمزق حسرة عليه، وأبكي حزنا عليه وخاصة عندما أقارن بين حاله الآن وحاله في السنوات السابقة.
ذهبت بولدي إلى كثير من الأطباء النفسيين، وقالوا: إنه يعاني اضطرابا سلوكيا، وعانيت كثيرًا كي ينتظم في العلاج، فقليلًا ما كنت أوفق في ذلك وأخفقت في مرات عديدة في مساعدته على الاستمرار في العلا كنت أسري عن نفسي بإقناع ذاتي أنها فترة مراهقة، وستمر وتنقضي بحلوها ومرها، ولكن ابني التي يكون فيها مستيقظًا في البيت، يخلو فيها مع نفسه، ويعتزلنا، ويغلق غرفته فمتى يعود ولدي الحبيب؟
ولصاحب المشكلة أقول:
إن كلماتك تعكس عاطفة أبوية يفيض حبًا لولدك وحنانا عليه، وهي كلمات تنطق بالأسى والحزن، كلمات لا أخفي أنها اعتصرت قلبي ألما وحزنا، فأنا أب وأعلم تماما عاطفة الأبوة، وأدرك الجرح الغائر الذي يصيب الأب عندما يتطاول عليه ولده، بعد أن رباه وشقى ليسعد ولده ولكنك بحق والد حنون، أعجبني حلمك وهدوؤك مع ولدك، فهو جزء رئيس في العلاج.
أرجو منك أن تتذكر دائمًا أن ولدك مريض، والمريض ضعيف يحتاج إلى المساعدة، كما ينبغي أن تدرك أن ولدك يعيش فترة المراهقة، وهي من أخطر مراحل الحياة، وقد شخص الأطباء حالة ولدك بأنه سلوك مضطرب.. والسن التي يعيشها ولدك طيش عارض، تسبب فيه رفاق السوء، وقد أدت بعض الانحرافات التي سببها هؤلاء إلى انفصال ولدك عنك وعن الأسرة، فهو – في أثناء انحرافه –لا يشعر بانتمائه إلى أسرته، إنه يشتمك ويشتم أمه واخوته ، والذي يدفعه إلى ذلك شعوره بالانفصال عنكم، حيث لا يشعر بأنه فرد ينتمي إلى هذه الأسرة، وهي انفصال شعوري وليس انفصالاً حقيقيات إن شتمه لكم هو صورة من التمرد عليكم يدفعه إلى ذلك شعوره النفسي بأنه منفصل عنكم، لأن في عقيدته أن أصحابه ومن ثم فهو حريص على أن يأخذ بيده.. إن الابن المنحرف عندما يشتم والدته أو والده، إنما يقصد أن يظهر أنه قادر على أن يفعل ما يريد، وأن أحداً من الأسرة لن يستطيع أن يصده عن ذلك.. إنه بعبارة أخرى، يريد أن يقول: لا يستطيع أحد في هذه الأسرة أن يردعني، حتى إن كان أكبر رأس»، ومن ثم فإن الأب يخطئ عندما يقسو على ابنه ظنا منه أن ذلك علاج لابنه، فبعض الآباء يضربون الابن المنحرف، وبعضهم يقابل انحرافه بسيل من الشتائم والصراخ، ومنهم من يبالغ في القسوة والخطأ، فيطرد ابنه من البيت وهؤلاء لا يدركون أنه يزيد الطين بلة ويزيد المشكلة تعقيدًا.
- إن تحليلي لحالة ولدك أنه يعاني - هداه الله – من رد فعل عنيف تأثرًا برفاق السوء، ولديه نزعة تحد تدفعه لإثبات ذاته بصورة هوجاء مضطربة، ومن ثم فسلوكه المضطرب أدى إلى عدم استقرار قيمة بر الوالدين وإكرامهما في نفسه ومن ثم أنصح في علاج حالة ولدك بما يلي:
1- التضرع إلى الله بالدعاء، وأكثر من الدعاء لولدك، وأنت تشعر بالحاجة إليه سبحانه ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62]
ولقد نصح رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الآباء بذلك في قوله: "ثلاث دعوات لا شك فيهن، دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده" (أخرجه الإمام أحمد في المسند).
2- حافظ على قوة شخصيتك، واحتفظ بهيبتك، دون قسوة ولا هوان ولا ضعف، وأظهر له حبك.
3- احرص على استيعاب ولدك، وهذا يستلزم أن تجلس معه عندما يكون هادئًا، ومن المفيد هنا تبادل الأدوار، بمعنى أن تأتي الأم وتجلس معه، وتحاول أن تثير عاطفته، كأن تذكر له أن الوالد يتعب من أجل راحتنا، وهو يحبك، ويدعو لك في صلاته، ويحزن لحزنك، ويتألم لألمك فكيف تشتم والدك ؟ اذهب إليه واعتذر وقبل يده.. ويمكن لأحد إخوته أيضا أن يحاوره في هذا الشأن، ويبين له وجوب بر الوالدين، فقد يتوفى الوالد أو الوالدة في أي لحظة، فماذا تقول لربك إن ماتا وهما غاضبان عليك؟ مثل هذا الحوار يحرك عواطف ولدك وحبه لك الدفين الذي يحاول ولدك أن يظهر غيره.
4- السعي برفق إلى تخليصه من الصحبة السيئة، وإحلال صحبة الخير وإشراكه في الأنشطة الإيجابية التي تضم رفاق الخير.
5- تقوية صلته بالله عز وجل وإيقاظ الإيمان المخدر لديه، إلى أن ترده إلى الله ردا جميلا، والصبر عليه في ذلك حتى يعود إلى رشده وطاعة ربه.
6- عرضه على أهل الخير والصلاح من الحكماء وخاصة الدعاة المحبوبين المؤثرين، وإخبارهم بحاله في غيابه حتى لا تجرح مشاعره.
7- لا تجعل الصدمة تؤثر علي تعاملك معه، فلا يكن ردك عليه عنيفا ولا تضربه، واحذر أن تطرده من البيت وحافظ دائما على هدوئك واتزانك.
8- لا تشعره بأنك منزعج خشية الحرج من الناس، ولكن أشعره بأنك تحبه وتخاف عليه.
9- أظهر له بشكل غير مباشر، كحكاية القصة مثلًا أن عاقبة الانحراف الهلاك في الدنيا والآخرة، وأن السعادة الحقيقية هي في طاعة الله واجتناب معاصيه.
10- استر على ولدك ولا تفضحه أمام الآخرين، حتى إن كان الآخرون هم إخوته بالبيت، لأن ذلك يولد لديه كراهيتك لأنك أظهرته في مظهر سيء أمام الآخرين.
11- أشغل أوقات ولدك بالأنشطة الرياضية والفنية والاجتماعية المفيدة فهذه الأنشطة تقيه شر الوقوع في الانحراف.
12- شجعه دائمًا على أية بادرة طيبة إن صغرت، وذكره بمواقف نجاحاته السابقة، ولا تستحضر ماضيه المؤلم أبدًا.
13- احذر هجرانه أو مخاصمته أو إهماله، وابدأ معه بالعلاج تدريجيًا.
14- لا تقارن بين سلوكياته السلبية وسلوكيات إخوانه وأخواته الإيجابية واحرصوا جميعا على حسن استقباله والبشاشة وطلاقة الوجه عندما تلقونه وأشعروه دائما بحبكم له..