العنوان ولكن أسرى المسلمين لا بواكي لهم
الكاتب د. نجيب الرفاعي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 515
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 03-فبراير-1981
• مسلمو الفلبين الذين تقطع آذانهم وأنوفهم وألسنتهم بسكاكين أمريكية لا بواكي لهم، ومسلمو قبرص الذين يدفنون في مقابر جماعية أحياء لا بواكي لهم، ولكن الرهائن الأمريكيين كانوا معززين مكرمين في إيران، وكل العالم كان يثني على الجزائر لوساطته في المشكلة!!
قال ابن هشام في سيرة الرسول يصف حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد دفنه لحمزة ابن عبد المطلب: ومر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظفر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له! فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل، أمرا نساءهم أن يتحزمن، ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولما سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكاءهن على حمزة، خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ارجعن يرحمكن الله، فقد اسبتن بأنفسكن- أي عزيتن وعاونتن وأكثر ما يقال في المعونة- قال ابن هشام: ونهى يومئذ عن الفرح وحدثني أبو عبيدة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سمع بكاءهن قال: رحم الله الأنصار: «فإن المواساة منهم ما عتمت -أي ما علمت- لقديمة مروهن فلينصرفن».
رحم الله الأنصار وجعلهم من أهل الجنة، كانوا والله نعم المسلمين الصالحين، تولد لديهم شعور بالمواساة بفضل تربية حبيبهم محمد -صلى الله عليه وسلم- فما رضوا أن يبكوا على شهدائهم ويتركوا البكاء على حبيب حبيبهم محمد -صلى الله عليه وسلم- واليوم ونحن نعيش زمن الغربة في الدين.. فلا أنصار ولا مهاجرين.. مسلمون، ولكن باللسان أو بجواز السفر إن صح التعبير، الموازين مقلوبة والجاهلية بكل تقنياتها ووسائلها الحديثة منتشرة في كل مدينة، بل في كل بيت وكل زاوية، وانطبق على هذه المجتمعات المتمسلمة إلا من رحمه الله- قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: غثاء كغثاء السيل، فهي مجموعة أرقام طويلة متراصة صامتة في كتب، وأوله الإحصاء، ولكن قلوبها وأرواحها متشتتة متنافرة متباغضة في عالم الواقع والأحياء هكذا لا رأي لها.. تسمع وتطيع ولا تأمر وتسيطر، تصبح وتمسي مقلدة الشرق والغرب، وما تنكره اليوم تتحمس له وتنافح عنه غدًا، ولو دخل أمريكي حجر ضب لدخلته هكذا بلا وعي وبلا إدراك، بل بكل فخر واعتزاز وحماس، لقد دخلنا حجر الضب.
نفسي.. نفسي هو شعار هذه المجتمعات.. نفسي أولًا وأخيرًا، أما الأخ والأم والأب والجار فهم آخر من يفكر فيه هذا المجتمع المتمسلم، هالني ما قرأت صباح اليوم على صفحات الجرائد المحلية وعلى صفحات وجوه هذا المجتمع المتمسلم، بعد الإفراج عن الأسرى الأمريكيين من إیران بعد احتجاز دام ٤٤٤ يومًا، أما زعماء هذا المجتمع المتمسلم فهو يهنئ ويبارك الولايات المتحدة، وكل منهم يدعي أنه كان له الفضل في فك قياد الأسر عن هؤلاء الأسرى، فالرئيس التونسي بورقيبة بعث برسالة إلى بن جديد أشاد فيها بدور الجزائر في مساعي الإفراج عن الرهائن.
والشاذلي القليبي «الأمين العام لجامعة الدول العربية» أشاد بجهود الجزائر لحل هذه الأزمة، وفي فيينا قال برونو كرايسكي إن السيد ياسر عرفات كان له دور مهم في الإفراج عن الرهائن. وأضاف أن الفضل في حل الأزمة يعود إلى عرفات والجزائر.. وبصورة مماثلة ترى أجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحافة في هذه البلاد المتمسلمة، تهنئ ريغان وتضع هؤلاء الأسرى في مصاف الأبطال، لا لشيء إلا أنهم من أمريكا الذين لو أرادوا دخول جحر ضب لدخلوه قبلهم، وعلى نفس الشاكلة تسمع كلام الناس في تجمعاتهم وقد علت الفرحة وجوههم وأبدانهم، بل كأنهم هم الأسرى وقد أفرج عنهم!!
ولكن حمزة لا بواكي له!! ولكن أسرى المسلمين في العالم أجمع في الفلبين وأفغانستان وقبرص، وفي تايلاند وفلسطين وسوريا وتونس والمغرب لا بواكي لهم!! أسرى أمريكا كانوا معززين مكرمين في إيران خلال فترة الأسر، ولكن كل العالم احتج على هذه الهمجية والقساوة والظلم والقهر لدى إيران، ومسلمي الفلبين تقطع آذانهم وأنوفهم وألسنتهم بسكاكين أمريكية، ويدفن المسلمون في قبرص في مقابر جماعية أحياءً نساءً وأطفالًا وشيوخًا هكذا بلا رحمة بناقلات أمريكية، وتبقر بطون النساء الحوامل وتقطع أوصال أطفالهم أمامهم بلا إنسانية بأسلحة أمريكية، ويضرب المسلمون في سجون ومعتقلات سوريا، وتنتهك أعراض نسائهم أمامهم، وتوضع أسلاك الكهرباء على عيونهم وأنوفهم وشفاههم وألسنتهم، ويغمرون في الماء البارد حتى يفارقوا أو يكادوا.. كل أولئك لا بواكي لهم، لا نوائح لهم، لا أنصار لهم، لا بواكي لهم إلا السماء فتبكي عليهم مطرًا، ولا نوائح لهم إلا الرعود ترعد وتزمجر، ولا أنصار لهم إلا قلة قليلة، بل وأقل من القليلة من المسلمين في شتى أنحاء العالم، تنتظر نصر الله حتى تأخذ حق هؤلاء المسلمين المظلومين، من أولئك الظلمة الفجرة، فعندئذ ترتفع راية الحق خفاقة عالية، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم».