العنوان وللحبيب محمد ﷺ أسماء (9)
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 56
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 52
السبت 02-يونيو-2007
النذير
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (الحجر: 89).
«أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «البخاري».
هكذا قال رسول الله ﷺ هذه الكلمات المشفقة بما فيها من نذارة وتحذير، وتخويف من سوء المصير، وهي بلا شك مع ما فيها من إنذار تحمل بين حروفها كل معاني الرحمة والشفقة والعطف وحب الخير للجميع، وتؤكد صدق قائلها عليه الصلاة والسلام بشهادة هؤلاء المدعوين، وتظهر خوفه على الناس وحرصه على هدايتهم ومع ذلك فقد قوبلت كل هذه المعاني العظيمة بجفاء شديد منهم، بل وبسخرية واستهزاء من أقرب الأقربين إليه عمه أبي لهب، الذي أعلن تمرده منذ اللحظة الأولي للرسالة المحمدية، وفيه نزل القرآن متوعدًا ومهددًا كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214) أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه، ثم نادى «يا صباحاه»، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ: يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني لؤي أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبًا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: 1)، والحديث رواه «أحمد».
أنا النذير
والنذير من الإنذار، والإنذار الإبلاغ ولا يكون إلا في التخويف.
وقال القرطبي: الإنذار الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارًا ولم يكن إنذارًا. ويقال: أنذر إذا خوف، والنذير: المحذر من الهلاك.
والنذير: المنذر.
ولذلك قال الرسول ﷺ منذرًا ومخوفًا ومحذرًا: «يا بني قصي يا بني هاشم يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت المغير والساعة الموعد» «الحافظ أبو يعلى».
وجعل ينادي ويقول: «إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو فذهب يربأ أهله رجاء أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف يا صباحاه» «مسلم».
النذارة الخاصة
وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يدعو قومه وعشيرته إلى الله عز وجل، فقال له: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214)، وهذه هي النذارة الخاصة وهي لا تنافي النذارة العامة، بل هي فرد من أجزائها، وقد امتثل رسول الله ﷺ لأمر ربه عز وجل، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214) قام رسول الله ﷺ فقال: «يا فاطمة ابنة محمد يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم» «مسلم».
درس عظيم لكل مسلم وداعية
لقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يبدأ دعوته بإنذار أهله وعشيرته الأقربين وفي ذلك درس عظيم للدعاة إلى الله عز وجل يدعوهم للانتباه ويبين بداية دائرة الدعوة التي لابد وأن تأخذ مسارها الصحيح، فيبدأ الإنسان بنفسه أولًا يهذبها ويربيها ويأخذها بالتزكية والعلم لتكون أهلًا لحمل تلك الأمانة العظيمة أمانة الدعوة إلى الله على علم وبصيرة، وهذا ما فعله رسول الله ﷺ له حين كان يخلو بنفسه للتفكر، ويتعبد الليالي ذوات العدد في غار حراء، ويتنزل عليه الوحي يأمره بالتزود لرحلة الدعوة الشاقة الطويلة، ويبين له الزاد الروحي وأهميته فيقول الله له: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: ١- ٥).
حتى إذا ما وصل سمو نفسه منتهاه جاءه الوحي من الله، أن شمر عن ساعد الجد، وقم ولب نداء ربك فلا مجال للنوم ولا وقت للدعة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ قُمۡ فَأَنذِرۡ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ﴾ (المدثر: ١- ٥) قم وابدأ باسم الله وفي سبيل الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهذا ما يجب على كل داعية أن يفعل.
فالداعية إلى الله يبدأ بنفسه وأهل بيته وذوي قرابته متأسيًا برسول الله ﷺ لأنه مسؤول عنهم ومطلوب منه أن يقيهم عذاب الله وغضبه، كما قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6).
النذارة العامة، ليكون للعالمين نذيرًا
وكما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بإنذار عشيرته وأهل بيته أمره بإنذار الناس جميعًا فرسالته عامة إلى يوم الدين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: 28)، وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1)، والمراد بـ«العالمين» هنا الإنس والجن، فهو نذير للعالمين، وغاية الإنذار هو ألا يترك أحدًا ممن يخالف مرضاة الله في عالم الوجود إلا وينذره بعواقبه الوخيمة حتى تقع رجفة وزلزال في قلبه وروعه.
أصناف الناس مع النذير المبين
ونبينا محمد ﷺ نذير مبين لأنه بيّن النذارة وأمره ظاهر لكل ذي لب وعقل، وقد جاء في الصحيحين أنه قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتي قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق». فالناس صنفان: صنف شرح الله صدره واستجاب للنذير وانتفع به فقرع قلبه وسمّعه نداؤه، وهؤلاء هم المؤمنون الذين يتبعون القرآن ويخشون ربهم بالغيب فيطيعونه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (يس: 11).
وصنف ختم الله على قلبه وسمعه، فما يفيد فيهم إنذار ولا يتأثرون به كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: 6)، فهم صم وإن كان لهم آذان، ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ (الأنبياء: 45)، فقد أعمى الله تعالى بصائرهم نسأل الله أن نكون ممن اتبع الذكر وانتفع بالإنذار.
ماذا أنذرنا رسول الله؟ ومم حذرنا؟
لقد أنذرنا وخوفنا وذكرنا وحذرنا من كل ما يضرنا ويشقينا، لذا فقد وجب علينا أن نعرف بعض ذلك لنكون على بينة من أمرنا فنستجيب له ونحفظ أنفسنا من مخالفته.
ومن أراد أن يتعرف على رسولنا الكريم ﷺ وعما أنذر، فليرجع إلى كتاب الله والسنة المطهرة، مصدر التشريع المعجز ومنبع الشريعة الخالدة، ومن ذلك أنه: حذرنا من العذاب وأنذرنا يوم الحسرة والندامة.
فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال فيؤمر به فيذبح، قال، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (مريم: 39)، وأشار بيده ثم قال: أهل الدنيا في غفلة الدنيا «رواه أحمد».
أنذرنا عذاب نار جهنم.. قال تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾ (الليل: 14)، وقال: «ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم» «البخاري»، وأخبرنا أن عذابها شديد فقال: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه» «البخاري»، ودعانا إلى اتقاء حرها فقال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان ثم ينظر فلا يرى شيئًا قدامه، ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة» «البخاري».
أنذرنا الشرك بالله، فقال: «لا تشرك بالله وإن قتلت وحرقت» «أحمد».
حذرنا الدنيا وفتنة النساء، فقال: «ألا إن الدنيا خضرة حلوة ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» «أحمد».
أنذرنا عاقبة القعود عن واجب الدعوة إلى الله عز وجل، فقال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» «الترمذي».
أنذرنا الموت وفجأته، وعذاب القبر وفتنته، فقال: «أكثروا ذكر هاذم اللذات» «النسائي». وقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها»، وقال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر» «مسلم».
أنذرنا الساعة واقترابها وظهور بعض أماراتها، فقال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى «مسلم». وقال: «ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها» «البخاري».
وقال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويفشو الزنا ويشرب الخمر ويذهب الرجال وتبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد» «مسلم».
حذرنا من عاقبة السؤال يوم الحساب فقال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» «الترمذي».
حذرنا من البدعة وما يترتب عليها من سوء المصير، فقال: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» «أحمد». وقال: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا» «مسلم».
حذرنا الفتن في آخر الزمان، فقال: «إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي» «أبو داود».
وقال عن الدجال: «إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: إنه أعور وإن الله ليس بأعور» «البخاري».
حذرنا من الفرقة والاختلاف، فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» «البخاري»، وقال: «من حمل علينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا» «مسلم». وقال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» «متفق عليه».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل