; وماذا بعد رمضان؟ | مجلة المجتمع

العنوان وماذا بعد رمضان؟

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005

مشاهدات 62

نشر في العدد 1676

نشر في الصفحة 56

السبت 12-نوفمبر-2005

■ البرنامج العملي بعد رمضان يعتمد على البعد عن المحرمات ولزوم الطاعات.

■  المسلم يعد نفسه في شهر رمضان ليكون من المصلحين في المجتمع.

■ في رمضان يتعلم المسلم كيف يكون الإنفاق والشعور بالفقراء.

■ أهل التقوى دائمو التهذيب لأنفسهم ولمن حولهم وليسوا موسميين.

إن المؤمن يعتبر بالزمن وكرور الليالي والأيام، وهو دائم التزود من اليوم للغد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ ﴾ (الحشر: ۱۸ )، ورمضان سوق أقيم ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، وعلى العاقل أن يجعل من عبادات رمضان ونفحاته زادا يتزود منه لما بعد رمضان، فيعيش الجو الرمضاني طوال العام وتكون السنة كلها رمضان.

ومن هذا المنطلق فإن حديثنا ينصب على كيفية تفعيل الشحنة الإيمانية والتزود بها فيما بقي من العمر. والتعلم في البداية أن الإسلام ليس دين المناسبات والطقوس والمراسم الوقتية فينتهي بانتهائها وينسى بنسيانها، وإذا كان الله تعالى فتح لنا باب الطاعة لمضاعفة الأجر في رمضان فلا يعني ذلك أن ندع ما عداها وأن نتوقف عن العطاء بعد انتهائها.

والأصل أن تعبد الله تعالى بطاعته على أي وجه كان وعلى أي شكل كان وفي أي زمان كان وفي أي مكان كان، والله يضاعف الجزاء ويقبل العمل أولا، فهو سبحانه يفعل ما يشاء ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:1).

-      روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺسئل عن أفضل الأعمال فقال: «أدومها وإن قل».

والمسلم الذي تزود من الطاعة في رمضان عليه أن يبرهن على أن هذه الطاعة قد أثرت فيه وحولت حاله إلى حال أحسن وهو يشكر لربه هذه النعمة فيعاهد ربه جل وعلا على بذل المزيد من الطاعة، كيف لا وقد ذاق حلاوة الإيمان؟

العبادة مستمرة:

والبرنامج العملي للمسلم بعد رمضان لا يخلو من أمرين:

أولا: البعد عن المحرمات

ثانيا: لزوم سبيل الطاعات

وإليك تفصيل هذين الأمرين:

أولا: البعد عن المحرمات:

وهي كثيرة وشديدة التأثير على قلب العبد لقول الرسول ﷺ فيما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه»(رواه مسلم ج ۱ ص ۱۲۹)

-وليعلم العبد أن الطريق موحشة والزاد قليل والسفر طويل، والعقبة كؤود والناقد بصير. ولئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين والمرء الذي كابد الساعات جائعًا صابرًا محتسبًا لله تعالى واتقى ربه وخاف عذابه وترك لذة عاجلة خشية عذاب الآجلة ذلك هو المؤمن.. ولكن على هذا الذي سار في الطريق أن يكمل فيه المسير وما كان منه من مجاهدة ابتغاء مرضاة الله تعالى.

-وليحذر خطورة الاستدراج فإن يئس الشيطان من تكفير المسلم فإنه لم ييأس من إيقاعه في اللمم والمهلكات بخطوة تلو الأخرى. قال تعالى:﴿۞يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (النور:۲۱)، ويقول الرسول ﷺ في ذلك: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم..( رواه مسلم ج: ٤ ص: ٢١٦٦).

وعلينا ألا نغتر بأعمالنا ولم يختم لنا بعد. ولنخش سوء الخاتمة، وإن لم يكن بيننا وبين الجنة إلا ذراع، ولنخش العجب والرياء والسمعة أن تدخل على أعمالنا.

علينا أن نحذر كل أمر من شأنه أن يسخط ربنا علينا أو يؤثر بالسلب على أعمالنا فالمجاهدة المجاهدة يا عباد الله.

ومثل المؤمن كرجل يتعلق بخشبة في البحر ولا يعدو أن يقول: اللهم سلم سلم...

ثانيًا: لزوم سبيل الطاعات:

فمن ذاق عرف، ومن عرف اغترف ومن استشعر جلال الطاعة والمثول بين يدي مولاه ذاكرًا أو تاليًا للقرآن أو قائمًا بالليل أو صائمًا... إلخ فإنه يصعب عليه أن يعيش في مستوى إيماني أقل.

والمؤمن الذي يخرج من جو الطاعة كالسمكة التي خرجت من الماء. وعليه أن يجعل ما بعد رمضان امتدادًا لرمضان القادم وأن يهيئ لنفسه من وظائف الطاعات ما يديم عليه نعمة الأنس التي كان يحياها في رمضان.

وهذه بعض الوظائف على سبيل المثال:

سلاح الدعاء:

فيكون له ورد يومي من الدعاء، وإذا كانت دعوة الصائم عند فطره لا ترد فلا يزال الحبل ممدودًا في مواطن أخرى تستجاب فيها الدعوات كما هو معلوم. ولو استخدم المسلمون سلاح الدعاء بشروطه وضوابطه بصق لحول الله حالهم إلى أحسن حال، فلا تسأل غير مولاك.

تلاوة القرآن يوميًا:

والقرآن دستور الأمة وحبل الله المتين وبعض المسلمين يقرؤه في رمضان فحسب وعلينا ألا نهجره وليكن لكل منا ورد قرآني يومي لا ينفك عن أدائه والتعبد لله تعالى به وفضائل القرآن معروفة. ومشهورة.

التكافل الاجتماعي:

والتكافل الاجتماعي يعني الشعور بذوي الحاجات من المسلمين فإخراج صدقة الفطر في نهاية رمضان يدلنا على أن الصيام ليس عبادة شخصية، ولابد أن يعم أثرها المجتمع، فإذا تعلم المسلم كيف يكون الإنفاق والشعور بالفقراء والمساكين فإنه يجعل من ذلك الأمر منهج حياة، وهو بذلك يذكر الجسد الواحد الذي هو عضو منه فلا ينسى المستضعفين من المسلمين، وهناك الذين تربطهم به أخوة الدين.

قيام الليل:

وقيام الليل لا يحرم المسلم نفسه منه وهو في زخم الحياة ومشاغلها وليركع لله ركعتين في كل ليلة لينال بهما أجر قيام الليل ولو كانتا بقدر عشر آيات واستغرقتا زمن حلب شاة.

صيام التطوع: والمسلم يمارس العبادة بعشق وتلذذ فهو - بعدما ذاق حلاوة الصيام في رمضان - يحب أن يزداد من الخير فيصوم تطوعًا ليباعد الله تعالى بينه وبين النار بكل يوم صامه سبعين خريفًا، فيحرص على صيام الإثنين والخميس والأيام الثلاثة البيض من كل شهر قمري، ويكثر من الصيام في الأشهر الحرم وشعبان وهكذا.

وأخيرا تصحيح مفهوم:

بعض المسلمين يخرج من شهر رمضان بروح إيمانية مرتفعة ويريد أن يحافظ على المستوى الإيماني الذي وصل إليه بعد الصيام والقيام والتهجد والاعتكاف فيعزم على العزلة وترك مخالطة الناس بحجة أن الناس كثرت فيهم الشرور والبعد عنهم غنيمة كبرى حتى إن بعض الشباب هم بترك العمل وهم البعض بترك الدراسة لأنه يتوقع أن هذه البيئات سترده إلى درك العصيان من جديد، وهذا خطأ كبير لأن المسلم في شهر رمضان يعد نفسه ليكون عنصرًا صالحًا في المجتمع بل من المصلحين فيه، وينبغي أن يبرهن المسلم على أن طاعة رمضان قد صنعت منه مسلمًا يشار إليه بالبنان كالغيث أينما حل نفع. وليعلم أن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ثم من لهؤلاء في المجتمع يرشدهم ويأخذ بأيديهم إلى ربهم؟

إن المؤمن يتزود من الطاعات في رمضان الأجل العمل بها في المجتمع بعد رمضان وإلا فهي رهبانية نهانا عنها الإسلام.

والمسلم دائم التهذيب والتزكية لنفسه ولمن حوله وليس رجلًا موسميًا.

وكل إنسان أدرى بجوانب القصور من نفسه وعليه أن يتعهدها بالتحلية والتخلية لتتخلص من أدرانها ولتستكمل فضائلها فليس أحد أدرى بعيب العبد بعد ربه من نفسه.

وما ذكرنا يعتبر بعضًا من الخطوط العريضة التي تعين من أراد لنفسه السعادة والاستقامة، وهناك دقائق أخرى و دخائل يعرفها كل إنسان من نفسه، نسأل المولى عز وجل أن يعين كلًا منا على نفسه وأن يبصره يعيوبها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 73

111

الثلاثاء 17-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 73)

نشر في العدد 82

142

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم

نشر في العدد 247

101

الثلاثاء 29-أبريل-1975

ألا سَحقاً للمثبطين