العنوان وماذا بعد سلسلة الانفجارات في باريس؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 785
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
- وضع أمني معقد تجابهه أجهزة الأمن الفرنسي.
- لا يستبعد أن تتكرر الأعمال الإرهابية في باريس.
- من مصلحة إسرائيل تخريب العلاقات العربية الفرنسية وتشويه سمعة العرب
اتخذت الحكومة الفرنسية التي يرأسها جاك شيراك إجراءات وتدابير عاجلة لوقف موجة الإرهاب التي تعرضت لها باريس أخيرًا فجلبت من داخل البلاد أفواجًا عديدة من رجال الأمن لمساعدة زملائهم في العاصمة على حراسة المنشآت والمرافق والمؤسسات التي يمكن أن تكون هدفًا الهجمات إرهابية جديدة لاسيما بعد أن ظهرت تهديدات بضرب قصر الإليزيه نفسه والذي تحول إلى قلعة حصينة احتراسًا وتوقيًا لأية هجمة وكادت حكومة شيراك تعلن حالة الطوارئ بعد أن بدَا واضحًا أن أجهزة الأمن الفرنسية تجد صعوبات في الوصول إلى الإرهابيين فأنزلت الجيش في دوريات المراقبة الحدود والمنافذ الفرنسية وخصوصًا حدود فرنسا مع بلجيكا ولكسمبورغ وألمانيا وفي نفس الوقت فرض على القادمين إلى فرنسا من كل الدول ما عدا دول السوق الأوروبية وسويسرا الحصول على تأشيرة دخول مسبقة وتعدَّى الأمر هذا الحد عندما امتنعت فرنسا عن تقديم أي تأشيرة لأي لبناني ولو كان نائب رئيس مجلس النواب اللبناني حيث تعتقد السلطات الفرنسية أن هذا البلاء إنما أتى من لبنان، ورغم أن هجمات القنابل الإرهابية قد توقفت -على الأقل إلى حد الآن- ورغم أن البوليس الفرنسي أعلن أنه داهم واعتقل خمسة من المشبوهين المعروفين باستعدادهم لمد يد المساعدة للإرهابيين وهؤلاء الخمسة من حاملي الجنسية الفرنسية الذين لم يكشف عن هويتهم وبالرغم كذلك من إعلان البوليس عن عثوره على أسلحة ومتفجرات كانت مخبأة في إحدى غابات باريس ويُعتقد أنها سربت إلى فرنسا من السويد، على الرغم من كل هذا فإن العديد من الملاحظين يرون أنه يمكن للإرهابيين أن يضربوا من جديد ولا يستبعد أن تتكرر هذه الأعمال الإجرامية بل وأن تتفاقم مادام البوليس الفرنسي لم يضع يده على شبكة الإرهابيين الذين يقومون بها ولم يقم الدليل على الجهات التي تقف وراءهم وتدعمهم ولم يحددوا الغاية التي يرمون إليها، واذا كانت أصابع الاتهام مازالت موجهة إلى الفصائل الثورية اللبنانية التي يقبع زعيمها جورج إبراهيم عبدالله في أحد سجون فرنسا بعد أن حكم عليه في مدينة ليون بأربع سنوات سجنًا وإذا كان أشقاء جورج عبدالله لا يزالون مطلوبين للعدالة الفرنسية رغم إنكارهم في استغراب من قريتهم القبيات في جنوب لبنان القيام بأي عمل إرهابي في باريس، فإن الرئيس ميتران نفسه قال وهو عائد إلى بلاده بعد زيارته لإندونيسيا إنه لا يعتقد أن هنالك موجهًا واحدًا لهذه العمليات وأن هنالك عددًا من المخططين والإرهابيين يحملون العصا، ومن السهل أن نفهم لماذا تتجه الآراء اتجاهات مختلفة بخصوص مقترفي هذه الجرائم الإرهابية فيذهب البعض إلى القول إن وراءها أكثر من شبكة وأكثر من جهة وأكثر من طرف لاسيما أن النشاط الإرهابي عرف تنسيقًا وتعاونًا وتكاملًا فيما بين منظماته شرقيها وغربيها وقد سبق للعديد من المنظمات الإرهابية أن عملت على الأراضي الفرنسية وباستعراض سريع لأهم هذه المنظمات يمكن فهم مدى تعقيد الوضع الأمني الذي تتعامل معه أجهزة الأمن الفرنسي وتأتي في رأس القائمة منظمة «العمل المباشر» التي لا تزال قيادتها حرة طليقة ومن الأعمال التي قامت بها اغتيال الجنرال الفرنسي «أو دوران» وكان مسؤولًا في وزارة الدفاع عن العقود التجارية ولهذه المنظمة علاقات وثيقة بمنظمات أوروبية أخرى وبالأخص منظمة طلائع الجيش الأحمر في ألمانيا الاتحادية ومنظمة الألوية الحمراء في إيطاليا وتأتي بعد هذه المنظمات المشهورة منظمات أخرى تابعة لحركات سياسية انفصالية كالمنظمة التي تعمل «لتحرير» جزيرة كورسيكا وانفصالها عن فرنسا ولهذه المنظمة أعمال إرهابية عشوائية مثل التي حدثت أخيرًا في باريس، وهناك منظمة أخرى تدعو إلى انفصال بلاد الباسك عن كل من فرنسا وإسبانيا، الجانب العامل منها في إسبانيا يعرف باسم منظمة «إيتا» العسكرية، والجانب العامل منها في فرنسا يعرف باسم «أبيادا تاراك» وقد توقعت عدة مصادر أن تشن منظمة «إیتا» هجمات إرهابية في فرنسا بعد أن سلمت السلطات الفرنسية أربعة عشر لاجئا من منظمة الباسك جاءوا هاربين من إسبانيا إلى فرنسا وطالبت الحكومة الإسبانية بتسليمهم لها باعتبارهم من الإرهابيين.
بعد هذه التنظيمات الأوروبية تأتي تنظيمات أخرى شرق أوسطية في معظمها ولكنها نادرًا ما وجهت ضرباتها إلى فرنسا بالذات وإنما كانت تصفي حساباتها مع أعدائها الموجودين على التراب الفرنسي، والذي نريد أن نضيفه إلى كل هذا أن هنالك عدة أطراف يمكن أن تتراءى لهم مصلحة في مثل تلك الأعمال الإرهابية الميدانية التي كانت باريس مسرحًا لها وأول هذه الأطراف جهاز المخابرات الإسرائيلي «الموساد» الذي كان ولا يزال حريصًا على تخريب العلاقات العربية الفرنسية وتأليب الرأي العام الفرنسي والأوروبي عامة على الدول العربية وقد ساء الإسرائيليين أن يسمعوا رأي فرنسا المستقل في قضية الشرق الأوسط على لسان جاك شيراك في قلب تل أبيب عندما أعلن وجوب إعطاء الفلسطينيين حقوقهم فمن السهل على «الموساد» أن يستأجر عملاء حتى من الشباب العربي المغرر بهم للقيام بمثل تلك الأعمال اللاإنسانية من أجل إذكاء مشاعر العنصرية في فرنسا ومن أجل تشويه سمعة العربي عمومًا، وها نحن بدأنا نسمع عن حملة عنصرية هوجاء ضد اللبنانيين وكل العرب المقيمين في فرنسا حيث تحاول بعض وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة كـ«فرانس سوار»، و«ليبراسيون» أن تلصق تهمة الإرهاب بالعربي كما يحاول رئيس حزب «الجبهة الوطنية» «ماري لوبان» أن يقنع الرأي العام الفرنسي بمعادلة ساذجة هي «العربي يساوي إرهابيا» وبالتالي تراه ينادي بطرد العرب من فرنسا أو على الأقل الحد من دخولهم إلى التراب الفرنسي ومساعدة المقيمين منهم على العودة إلى بلدانهم.
ومن هنا كان قلق الجالية العربية في فرنسا على أمنها ومستقبلها ومصيرها وسط موجة الإرهاب وموجة العنصرية، ولعل ما كتبته مجلة المستقبل العربي الصادرة في باريس في عددها الأخير من «أن مليونيّ عربي رهائن في فرنسا» أصدق تعبير على هذه الحالة.
لقد كان الإسرائيليون في معظم الأحيان غير راضين عن المواقف المستقلة التي تقفها فرنسا تجاه قضية الشرق الأوسط والتي رسم معالمها الرئيس الأسبق الجنرال شارل ديغول وآخر هذه المواقف مطالبة فرنسا في هيئة الأمم المتحدة منذ أيام بضرورة سحب قوات إسرائيل من جنوب لبنان، وقد حاولت إسرائيل في الماضي القريب إخراج قوات الأمم المتحدة التي يشكل الجنود الفرنسيون عصبها الرئيسي من جنوب لبنان، ولعله من الطبيعي أيضًا ألَّا تنظر إسرائيل بعد أميركا بعين الرضا إلى الموقف الذي وقفته فرنسا من الغارة الأميركية على طرابلس، الغريب حيث رفض ميتران أن تعبر الطائرات الأميركية المغيرة أجواء فرنسا كما رفض خطة لضرب القذافي من تشاد على الرغم مما هو معروف من احتكاك بين الليبيين والفرنسيين في ذلك البلد المنكوب بحربِهِ الأهلية، ومن المؤكد أن «إسرائیل» امتعضت من زيارة ميتران لسوريا تلك الزيارة التي اعترفت ضمنًا بما لسوريا من أوراق وما لها من أدوار يمكن أن تلعبها في حل قضية لبنان، ومن المعروف أيضًا أن إسرائيل عارضت حصول العراق على مفاعل نووي فرنسي أبت إلا أن تحطمه قبل أن يبدأ تشغيله، ونحن عندما نؤكد أن إسرائيل هي المستفيدة الوحيدة من الأعمال الإرهابية في فرنسا لا ننكر أنه قد تتراءى لجهات أخرى مصلحة في مثل تلك الأعمال فقضية لبنان المتداخلة بقضية الشرق الأوسط ومحاولة فرنسا أن تلعب دورًا في هذه القضية يجعل لها بالضرورة أصدقاء وأعداء ونفس الشيء يقال بالنسبة لموقف فرنسا من الحرب العراقية الإيرانية أضف إلى ذلك الساحة الإفريقية التي تحاول فرنسا أن تبقي على نفوذها في أجزاء منها بالخصوص مستعمراتها القديمة وما في هذه الساحة من مشاكل وصراعات نتيجة تضارب المصالح لا بد أن تخلق لفرنسا هي الأخرى أعداء يترصدونها.
ومهما تكن دوافع تلك الأعمال الإرهابية فإننا كعرب وكمسلمين كنا وما زلنا ضحية الإرهاب، لا يمكن إلا أن ندين تلك الأعمال الهمجية والأسلوب غير الشريف في التعامل مع القضايا السياسية والذي يتنافى مع شهامتنا العربية الأصيلة ومع مبادئنا الإسلامية التي تدعو إلى التسامح والسلام والمحبة، وإذا كنا نقدر لفرنسا بعض مواقفها المشرفة إزاء قضيتنا العادلة، فإننا نقول لفرنسا: لابد من إيقاف الحملة الظالمة ضد العرب وإنه من الواجب على دولة عظمى مثل فرنسا ألا ترد على الإرهاب بالإرهاب، وإنه لا يجب أن تترك العلاقات العربية الفرنسية التي نريد لها مزيدًا من النموّ والتطور لعبة في أيدي حفنة من الخارجين على القانون حتى لو كانوا عربًا، ومن جهة ثانية على سياسيينا ودبلوماسيينا في باريس وفي كل عاصمة أوروبية أن يتحركوا ويوضحوا الأمور للرأي العام الفرنسي والأوروبي من أجل الدفاع عن حقوق العرب والوقوف إزاء أي هضم لتلك الحقوق واضعين أمام الجميع وبكل موضوعية كل المعطيات بما فيها مصالح فرنسا الكبيرة والواسعة في العالم العربي، ونحن واثقون بأن حكومة «التعايش» بين اليمين واليسار في فرنسا لن تنساق وراء العواطف وستتعامل مع الإرهاب المعزول بموضوعية وواقعية لا تمس العلاقات العربية الفرنسية وتراعي حقوق العرب المقيمين في فرنسا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل