العنوان ويبقى الكتاب.. خير أنيس
الكاتب مها بنت عبدالسلام الحموية
تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1611
نشر في الصفحة 52
السبت 31-يوليو-2004
معيار نفع الحضارة والثقافة وأدواتها الحديثة هو تعاليم الدين الحنيف وقيمه النبيلة
كان اختراع الأبجدية أحد أروع الهدايا التي قدمتها الأرض العربية للبشرية، تجاوز فعلها المكان واستمر بمرور الزمان. وشكل بداية لتاريخ جديد يمثل انعتاقًا حقيقيًا للإنسان وتوثيقًا بديعًا للحضارة، وكان النتاج الذي تبلور مع الأيام، الكتاب، الذي رافق الإنسان خلال رحلة عطرة مستمرة منذ أزمنة غابرة،ولا يزال هذا اللسان الحي غير الناطق لا يبخل علينا بالمعارف السابقة والحاضرة، ويفتح دفتيه ليبوح بكل أسراره علها تنفع الإنسان. وهي بالفعل فاعلة، ويقدم صفحاته عساها تفوح بالثقافة، وهي بالفعل عبقة بذلك.
لقد تعرض الكتاب وما يتعلق به من إرث ثقافي إنساني مطبوع لتحديات عبر تاريخه رغم كل روائعه، ولكنه بقي كالطود الشامخ رغم كل شيء لأنه يمثل أحد الأركان الأساسية للتطور العلمي والتقدم الحضاري.
لقد أثار البث الهوائي عبر الأثير وما رافقه من إذاعات مسموعة مخاوف البعض على الكتاب، ولكن لم تمض إلا فترة بسيطة حتى تبين أن لكلٍ ميزاته وخصائصه وفوائده، وهدأ هدير الموج واستقر الوضع بأن أخذ البث دوره، واحتفظ الكتاب بنصيبه الواسع من ثقافة البشر.
وبعد المذياع جاء البث المرئي المتمثل بالرائي أو ما يدعوه البعض بـالتلفاز أو التلفزيون. وكان الخطر داهمًا في بدايته على حد تصور البعض، حيث شد ذلك الذي دخل كل البيوت أنظار الناس إليه، وتحملقت باتجاه شاشته أعين الكبار قبل الصغار. ولكن لم تلبث الغيوم الملبدة في كبد السماء أن انقشعت عن سماء زرقاء صافية بقى فيها الكتاب سيدًا في مملكته.
ومن ثم جاءتنا الأقمار الصناعية بالفضائيات من كل حدب وصوب، وتمازجت الثقافات أو تنافرت، وسيأتي بالتأكيد وقت يثبت فيه النافع فقط سواء جاء بالكتاب أو بالفضائيات، ويذهب الغث الرديء هباءً منثورًا مهما كان أصله ومصدره.
والآن نعيش زمن شبكة المعلومات العنكبوتية، (الإنترنت)، ونراها تدخل كل زوايا حياتنا حتى من دون استئذان، ونشاهد سلبياتها وإيجابياتها، وبالتأكيد فإنها تلعب دورها الثقافي والإعلامي في حياة البشر، ولا مجال للشك في أن يخالج أذهاننا كعشاق للكتاب شعور بالخوف عليه والخوف على أبنائنا الذين يستعملون الإنترنت أكثر منت، من ألا يسعدوا بنعمة الكتاب، ولكنها الحقيقة والتطور، وعلينا التعامل معها متسلحين بثقتنا بأن التاريخ لا يبقي إلا المعادن الأصيلة، ولا مكان فيه إلا للنفع والعطاء، وبأن الثقافة الحقة المعطاءة لعموم البشر هي التي تستحق صفحات الحياة والتاريخ، ومعيارنا لنفع الحضارة والثقافة هو الدين الحنيف الذي منّ الله به علينا، وقيمه النبيلة التي أشرقت من ربوعنا، وعاداته الحميدة التي تنعم بها أنفسنا، ومعيارنا الفيصل هذا لن يسمح في المحصلة إلا للجانب المشرق من هذه الشبكة (الإنترنت) بالبقاء في كنفنا وفي أحضان المراهقين من أبنائنا، وسيوصد الأبواب في وجه الجانب المظلم المقيت، وبذلك يكون الإنترنت عونًا للكتاب الذي نشتهي وليس عدوًا له.
إن الإنترنت كما التلفاز والمذياع والكتاب، لكلِّ منافعه وأضراره، ويتوقف ذلك على الإنسان المنتج لتلك المادة وعلى الشخص المستخدم لها. والمعركة حامية الوطيس على الدوام، والإنترنت بوجهه النافع سيساندنا ويخدمنا، بل ربما يأخذنا بقفزات واسعة نحو آفاق مشرقة من المستقبل، ويبقى الكتاب مصدرًا للبحث والمعرفة والمتعة وراحة النفس والارتقاء بثقافة الإنسان وذوقه العلمي والفني والأدبي.. إنه أنيس في الوحشة، ويستحق أن يبقى حبه في عقولنا وأن نغرسه زرعًا مثمرًا في أذهان أجيال الغد.
إن أمية العصر هي أمية الإنترنت، وعلينا تعلم وتعليم أبنائنا الحاسوب والإنترنت بكل حماس. ولكن يجب أن تكون القاعدة والركيزة هي الإنسان وتحصينه ذاتيًا بالمناعة المناسبة حتى لا يأخذه هذا الجهاز ذات اليمين وذات الشمال وهو يترنح لا حول له ولا قوة، وربما تكون نعمة الكلمة المطبوعة سواء في كتاب أو مجلة عونًا لنا في بحر التقنية المعاصرة. وصدق من قال "خير جليس في الزمان كتاب".
إن تقنيات الحضارة كثيرة، وتطورها مطرد بشكل هندسي، ويجب ألا تشغلنا عن واجب عظيم تجاه أجيال الحاضر والمستقبل الذين تتفتح أعينهم للنور على وقع هذه التطورات المذهلة. فالثقافة لا تتأتي من مصدر واحد سواء كان الإنترنت أم غيره. إن كل هذه الوسائل إنما هي نعم سخرها الله تعالى لنا لتكمل بعضها البعض. ولا بد من وجودنا مع أبنائنا لحظة بلحظة لنُبقيهم على الطريق السوي - بإذن الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل