العنوان وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005
مشاهدات 55
نشر في العدد 1674
نشر في الصفحة 66
السبت 22-أكتوبر-2005
تقوم العبادة في الإسلام على الحب والتعاطف والتناغم الوجداني بين الله سبحانه وبين عباده، لا على الكره والمقت والصراع والإرهاب، كما هو الحال في عدد من الديانات حيث يتعبد الإنسان الخائف آلهته الغاضبة المتوعدة كيلًا تنزل به غضبها وسخطها . وقد انعكست هذه الصلات بوضوح في التراجيديا اليونانية التي تصور لنا أبعاد الصراع الرهيب بين الآلهة التي تملك الأسلحة جميعاً، وبين الإنسان الأعزل الذي لا يملك أي سلاح. وهذه الصورة نفسها انتقلت عبر العصور، محمولة في المعطيات الأدبية عامة والدرامية خاصة، والتي ظلت تحكمها هذه الثنائية الصراعية بين قوى الحضور والغياب، بين الإنسان والآلهة. ولم تكن عبادة الإنسان هناك . إذن . إلا على سبيل اتقاء ضربة يمكن أن تنزل به في يوم قريب أو بعيد. ونحن لا نتوقع من ممارسة تعبدية كهذه أن تعمق الروابط بين الإنسان وخالقه أو تشد من أواصر الحب والمودة بينهما.
في العبادة الإسلامية يبلغ التعاطف والود والمحبة درجاته القصوى، حتى إن الله سبحانه ليحدثنا على لسان نبيه بأحاديث قدسية ملؤها المحبة والود للإنسان المؤمن الذي يعرف كيف يمارس خلافته الحقة في الأرض.. ونظرة في مجاميع الأحاديث القدسية تبين لنا بوضوح هذا التعاطف الذي يصل . أحياناً . حد الصداقة الودودة الرحيمة بين الله والإنسان ... من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها. وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه»، إذا تقرب العبد إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة.. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك فيقول: هل رضيتم ؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ؟ فيقول: ألا أعطيتكم أفضل من ذلك؟ فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً.
والعبادة في الإسلام تقوم على الوضوح والتعقل والمنطق والتدبر في خلق السماوات والأرض والإنسان، وترفض . أشد الرفض - الدجل والخرافة والأساطير والشعوذة والطقوس الغامضة المعقدة، تلك التي تمارس في عبادات وشعائر عدد من الأديان. ولا ريب أن تحول تلك العبادات إلى اعتماد أساليب ملتوية كهذه، قائم في نهاية الأمر على ما تمارسه طبقات رجال الدين من تزييف للشعائر الدينية وتحريف لها، وإضافة الكثير الكثير من الألغاز والمعميات والطقوس الأسطورية إليها، لكي تبقى جماهير المؤمنين غير قادرة على الاستيعاب والفهم الكامل لمعتقداتها، كما تبقى خائفة وجلة الأمر الذي يجعلها دائمة الاعتماد على طبقة رجال دينها لتوضيح بعض الألغاز ومنحها المزيد من الأمن والاستقرار. وهذه (الطبقية) الدينية التي تدر على رجالها أكداسًا من الذهب والفضة هي التي قادت العبادات والشعائر غير الإسلامية إلى هذا المآل الذي يرفضه المنطق الديني أشد الرفض.
أما في الإسلام، حيث لا طبقية دينية ولا تنظيمات كهنوتية، وحيث النصوص القاطعة الواردة في القرآن والسنة في مجال تحديد العلاقات بين الله وعباده وتنظيم الشعائر الدينية.. فإن العبادة حافظت ،وستظل محافظة، على نقائها ووضوحها وانفتاحها وانسجامها المعجز مع معطيات العقل البشري. ليس هذا فحسب، بل إن العبادة نفسها ، صلاة أو حجاً أو صياماً .. إنما هي دعوة للعقل إلى مزيد من العمل والتأمل والبحث في إعجاز البناء الكوني الذي يقود المؤمنين دومًا إلى مزيد من الإحسان في أداء عباداتهم، أولئك الذين ويتفكرون في خلق السموات والأرض ثم يعقبون مسلمين ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل