; وإن تعجب فعجب فعلهم | مجلة المجتمع

العنوان وإن تعجب فعجب فعلهم

الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم

تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004

مشاهدات 63

نشر في العدد 1601

نشر في الصفحة 44

الجمعة 21-مايو-2004

 كان العالم، قبل هذه الموجة الشرسة من الأعمال الإجرامية - ولا أقول الإرهابية فإن المصطلح أصبح مبتذلًا- يرزح تحت نير إرهاب وإجرام، موقدي الحروب وتجارها.. رأينا تحطيم اليابان بقنبلتي هيروشيما وناجازاكي وسحق ألمانيا، تحت وابل من القنابل بالقصف الجوي، لتحويلها إلى دولة زراعية كما كان مقترحًا على الرئيس الأمريكي روزفلت قبل موته، والعجيب أن كلتا المجزرتين تمت على تحقيق أغلب المؤرخين دقة بعد الهزيمة الحقيقية للبلدين، بل بعد استسلامهما الفعلي.

ورأينا تمزيق دولة الخلافة إلى دويلات تحت دعوى الثورة العربية وإجهاز مصطفى كمال على دولة الخلافة الإسلامية واستبداله الحرف اللاتيني بالحرف العربي مما جعل الأمة التركية لقيطة الثقافة والعلم، فكل تراثها أصبح ألغازًا، لا تملك الأجيال قراءته، ولا تستطيع مع هذا التراث الإسلامي والعلمي الهائل، عدلًا ولا صرفًا.

 إن فتح السدود في هولندا يعتبر جريمة حرب، لأن الذي فعله هم الألمان المهزومون، بينما فتحها في كوريا الشمالية، لا يعد جريمة حرب لأنه من فعل الأمريكان المنتصرين.

ولا يوجد لدينا إحصاء العدد الذين قتلوا بأيدي المنتصرين الأقوياء لأن أحدًا لا يهتم بذلك. 

لو توقف إرهاب الأقوياء، وحرم تمويل الإرهاب، ليس بالمال فحسب، بل يمنع الإرهاب الدولي، وأخيذ الحق من القوي وأصبح العدل والإنصاف للضعيف، وكانت كلمات الصديق؛ أبي بكر -رضي الله عنه- نبراسًا: «إن الضعيف فيكم قوي عندي، حتى أخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه»، لو حدث ذلك لتوقف الإرهاب ووئد في مهده.

هل هذا كلام مسرف في التفاؤل، ساذج في التصور أم هو كلام واقعي وحقائق تصمد للتمحيص والاختبار؟ لكن التنفيذ يحتاج إلى رجال والرجال قليل؛ فهم كالإبل مئة لا تجد فيهم راحلة، كما قال الصادق المصدوق ﷺ.

 نقدم لإثبات ما نقول دليلين: أحدهما ملموس يمكن أن يتحقق منه أي أحد، والآخر من كلمات كاتب عالمي معروف لا يختلف أحد على درايته واطلاعه على بواطن الأمور.

اضطررت, في رحلة عمل، إلى زيارة سفارتين، في حي واحد، في بلد واحد، للحصول على التأشيرات اللازمة، فرأيت عجبًا، ولنقص القصة:

 سفارة أغلقت الطرقات من حولها تمامًا, وأحيطت أطراف الطرقات بكتل خرسانية مسلحة ومتلاصقة وقطعت الطرق، وسدت بمانعات حديدية ترفع فلا يمكن اقتحامها, وتهبط فتتمكن السيارات المصرح لها بعبورها وقد أحاطت بهذا الموقع الحصين سيارات مصفحة عليها جنود شاهروا مدافعهم على اتجاه المداخل والمخارج في مشهد عسكري يثير الفزع والرعب لمن تسول له نفسه النظر إليهم فقد تخطى اليد، وتضغط على الزناد، فتنطلق قذيفة محمومة إلى أحد المساكين القادمين للحصول على تأشيرة متمزقه إربًا وما أرادوا شرًا، أو أرادوا نفيرًا.

وبعدما تعبر النطاق العسكري، وما تكاد تتنفس الصعداء لنجاتك، تفاجئك عيون مستفزة تنطق بالشر لتفحصك في تفتيش ذاتي يشعرك بأنك من أعتى المجرمين المشبوهين!! كل ذلك وأنت لم تطأ بعد أرض السفارة، فإذا أذن لك بالدخول سلبوا منك هاتفك الجوال، وقصافة أظافرك، وسلسلة مفاتيحك لأن حليتها حادة وتعتبر هذه الأشياء من المحظورات والممنوعات.

فإذا دلفت إلى داخل السفارة، تعاد الكرة مرة أخرى فقد تكون هناك ثغرة أمنية، وبعد هذه التجربة المريرة حصلنا بحمد الله على التأشيرة الموعودة!

وتوجهت في اليوم التالي إلى السفارة الثانية وقد أعد المرء نفسه لخوض غمار التجربة المريرة نفسها، ولكن عجبًا ما رأيت قرأت لافتة السفارة، ووجدت السيارات وقد وقفت بجوار سور السفارة مباشرة لم أستمع الموقف، ولكني تجرأت وتركت السيارة بعد أن تلفت يمينًا ويسارًا، حتى لا تسحب قوى الأمن السيارة المخالفة للقواعد المرعية. والأصول المتبعة، خاصة في هذه الأيام المرهوبة. تقدمت نحو باب السفارة فلم أجد أحدًا في غرفة الاستقبال والحارس فدار في نفسي أن السفارة قد انتقلت من هذا المكان غلبني الفضول فنظرت على الباب فقرأت عبارة اضغط على الزر ومن ثم ادفع الباب فعلت: فإذا الباب يفتح دخلت متلفتًا حولي فلم أر أحدًا، فتقدمت ورأيت بيتًا على يساري، ولا حرس هذا أمر مريب لا مراء.

تقدمت وأنا أجر قدمي توقعًا لهجوم مسلح فقد تجاوزت جميع الخطوط الحمر، بمقاييس هذه الأيام ومرة أخرى، وجدت على باب البيت عبارة اضغط على الزر ومن ثم ادفع الباب فعلت فإذا الباب يفتح وإذا بي داخل السفارة ورأيت الموظفين يبتسمون إلي ويسألونني عن رغباتي!

 وحصلنا بحمد الله على التأشيرة

ودار في ذهني: لماذا هنا هكذا «في السفارة السويدية» وهناك ما قصصت عليكم أولًا «في السفارة الأمريكية». 

الجواب واضح ولا جدال. 

أما الكاتب المشهور فهو نعوم تشومسكي والكتاب هو القوة والإرهاب «Power and Terror»

يقول: كل فرد قلق بشأن وقف الإرهاب, حسنًا هناك ثمة طريقة سهلة جدًا توقفوا عن دعم الإرهاب، فذلك وحده كفيل بتقليص كمية الإرهاب في العالم وتلاشيه: نحن لا نستطيع مخاطبة إرهاب الضعفاء ضد الأقوياء دون مواجهة الإرهاب الشديد إلى حد لا يوصف، الذي يمارسه الأقوياء ضد الضعفاء.

ألم أقل إن الحل ميسور؟

الرابط المختصر :