; يا ليت قومي يعلمون (1680) | مجلة المجتمع

العنوان يا ليت قومي يعلمون (1680)

الكاتب محمد يوسف الجاهوش

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005

مشاهدات 79

نشر في العدد 1680

نشر في الصفحة 52

السبت 10-ديسمبر-2005

من الناس من حُرم رجاحة العقل، وقل حظهم من التفكير العميق والنظر الدقيق في معالجة الحوادث والأزمات، لذا نراهم يسارعون للتخلص مما يطرأ في حياتهم بأية وسيلة يتوهمون نفعها وفائدتها من غير روية ولا تأمل في عواقب ما عساه ينجم عما سيقدمون عليه، هذا إذا غلبنا حسن الظن في صدق نياتهم.

ولا شك أن مبعث ذلك إنما هو جهلهم بالسنن الإلهية التي تسير الكون وتحكم توازنه وعدم معرفتهم بتأثير نواميسها في الحياة والأحياء، فليس كل طارئ من الأحداث يدفع بأول طارئ من الأفكار والحلول، بل لا بد من الروية وإعمال العقل وحساب النتائج والأخطار التي قد تنجم عما يتوهمونه حلولًا للمعضلات.

ذلك أنه كثيرًا ما تفوق الأضرار الناجمة عن الحلول المبتسرة غير المدروسة أضعاف ما كان يراد دفعه وتلافي آثاره، فكم من جاهل غبي تبوأ من المناصب ما لم تؤهله له إمكاناته العقلية ولا العلمية، فطاش لبه وراح يصرف الأمور على وفق فكره الكليل وجهله المركب، وغره من نفسه أنه صاحب الكلمة النافذة والأمر المطاع!

وما أكثر من جمع بين الجهل والغباء من أبناء جلدتنا الذين ابتليت بهم الأمة فكانوا سبب الفواجع والمواجع وقادة التخلف على كل صعيد، لقد توالت بسببهم النكبات، وضاعت المقدسات، وتمزقت البلاد، وانحسرت القيم، وحلت العداوة والبغضاء بين أبناء الأمة الواحدة والعقيدة الواحدة مكان التسامح والإخاء.

ولا شك أنه ما كان لهؤلاء أن يتسللوا إلى المواقع الأمامية لولا غفلة المخلصين وتنحي الشرفاء عن التصدي لقضايا الأمة وهمومها. إن ابتعاد المخلصين والشرفاء -إلى جانب عوامل كثيرة داخلية وخارجية- هو الذي مكن لهؤلاء وأغراهم بالولوغ فيما ولغوا فيه من الشرور والآثام التي جلبت على الأمة هذه النكبات.

وما الحال التي تعاني منها أمتنا بجديدة -كل الجدة- بل هي داء قديم حرص المخلصون على تشخيصه وبيان شؤمه وحذروا من أخطاره وأضراره. ولعل فيما ورد من أبيات على لسان القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله- ما يفصح عما نقول إفصاحًا لا لبس فيه ولا غموض، قال رحمه الله:

متى يصل العطاش إلى ارتــــــواء                     إذا استقت البحار من الركايـــــــــــا

ومن يثني الأصاغر عن مــــــــــــــراد                     وقد جلس الأكابر في الزوايـــــــــــــــــــا

وإن ترفع الوضعاء يومـــــــــــــــــــــــــــــــــــــًا                    عــلى الرفعاء من عظمى البلايـــا

إذا استوت الأسافل والأعــــــــــالي                     فقد طالبت منادمة المنايـــــــــــــــــــــا

 وسيبقى الخطر محدقًا بالأمة ما لم تحدث رجة في العقول، ويقظة في الوجدان تعيد الأمة إلى دينها مصدر عزتها، وجامع شملها، وموحد كلمتها، وباني حضارتها، وأس وجودها منذ سعدت بها الدنيا واستنارت بسناها، وبغير هذا لن تستطيع الأمة الأخذ على الأيدي الآثمة، والأفكار المنحرفة، ولا القوى التي تساندها.

إن عقلاء الأمة مطالبون -وليس لهم خيار- أن يعملوا يدًا واحدة فيما اتفقوا عليه -وهو الأعم الأغلب- وينحوا جانبًا مواضع الخلاف، فلم يبق في القوس منزع بعدما تكسرت الأذرع وتقطعت الأوتار.

إنهم إن لم يبادروا لتلمس طريق الخلاص مترسمين خطى الرعيل الأول من أهل القرون الخيِّرة، فلسوف ينال العطب السفينة بكاملها ويشمل الغرق -تبعًا لذلك- كل من على ظهرها!

لقد حذر النبي ﷺ من مثل هذا التقاعس من أهل الوعي والبصيرة وبين لنا بجلاء ووضوح أن الموقف السلبي هنا معناه هلاك الواعين والغافلين معًا.
عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها والمداهن فيها مثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقها فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا» (رواه البخاري 6/85).

نعم، هذا هو الحل الأمثل الذي ينقذ الأمة من الفتن المحيطة بها.

الرابط المختصر :