العنوان يطرق جميع الأبواب للاستمرار في الرئاسة لمدة ثالثة
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر السبت 26-أغسطس-2006
مشاهدات 66
نشر في العدد 1716
نشر في الصفحة 38
السبت 26-أغسطس-2006
هل تنقذ قضايا الشرق الأوسط شيراك في انتخابات الرئاسة المقبلة؟!
رب ضارة نافعة هذا ما يمكن أن ينطبق على وضع الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي وجد متنفسًا في الوضع المتوتر في منطقة الشرق الأوسط لاسترجاع جانب من ثقة الرأي العام الفرنسي التي تآكلت في الأشهر الأخيرة بسبب أزمات سياسية واجتماعية متلاحقة، وقد يكون هذا التحول مدخلًا لمفاجآت سياسية في الأشهر القادمة، حيث ستشهد فرنسا انتخابات رئاسية حاسمة في عام ٢٠٠٧م.
أحداث لبنان.. متنفس دور فرنسا المتراجع في المنطقة
أزمات قانون «عقد الوظيفة الأولى» وقضية «بنك كلارستريم» تهدد مستقبل شيراك بعد صعود شعبية «سيغولان روايال»
قضايا الشرق الأوسط، ووجد الرئيس الفرنسي في تطورات الوضع في منطقة الشرق الأوسط مدخلًا لفرض معادلة سياسية داخلية جديدة، تجلت خلال تصريحاته التي أدلى بها بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني في الرابع عشر من يوليو، الذي يكتسب أهمية خاصة في نظر المراقبين؛ لأنه بمثابة التقييم السنوي من طرف الرئاسة لعمل الحكومة، وكان حديث شيراك هذه السنة مهمًا جدًا لأنه يتوج دورتين رئاسيتين. وعلق بعض المراقبين على كون هذه المرة الأخيرة التي يتحدث فيها شيراك في احتفالات العيد الوطني. لكن الرئيس الفرنسي ترك الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات برفضه الحديث عن تقييمه للدورة الأخيرة، وقال: «ليس الآن مجال تقييم وإنما مجال عمل» وأكد على أنه سيعطي قراره الأخير بترشحه أو عدم ترشحه لدورة جديدة في بداية العام القادم.
وحاول شيراك استغلال تطورات التصعيد العسكري في لبنان وفلسطين، حيث انتقد العدوان الصهيوني ضد المدنيين اللبنانيين، ولحسابات سياسية تتعلق بالوجود اليهودي في فرنسا عاد وانتقد عمليات حزب الله وحماس.
وللتأكيد على قدرته على استباق الأحداث، فقد أشار شيراك إلى حديثه مع الأمين العام للأمم المتحدة لكي يرسل وفدًا للتفاوض مع كل الأطراف في المنطقة، وأشار إلى اجتماع قمة الثمانية التي تمت بعد يومين من العيد الوطني الفرنسي. وفي هذه القمة، حاول شيراك أن يبرز بين الشخصيات السياسية الحاضرة بصورة الرجل الدبلوماسي الأكثر حنكة وتجربة (وهو أكبرهم سنًا من مواليد ۱۹۳2م) وسارع بإرسال رئيس حكومته إلى لبنان المساندة الحكومة والشعب اللبناني في محنتهم. كما تم الإسراع بإجلاء الرعايا الفرنسيين من لبنان.
ولم يقتصر التأكيد على الدور الدبلوماسي الفرنسي في قضايا منطقة الشرق الأوسط، بل إنه تطرق إلى الوضع الإفريقي وأزمة دارفور في السودان وإبراز الدور الفرنسي «الإنساني»، لمحاولة حل الأزمة عن طريق تقديم ۲۰۰ مليون يورو، مع الإشارة مرة أخرى إلى المخاطر المتصاعدة في القارة الإفريقية وبروز بؤر جديدة للتوتر مثل الصومال وجمهورية إفريقيا الوسطى والتأكيد على ضرورة تنمية القارة للتقليص من الهجرة
المشهد الداخلي
ويشتد التنافس هذه المرة ليس بين اليمين واليسار فحسب كما هو العادة، بل اللافت للانتباه تنافس قوي بين أقطاب اليمين وعلى رأسهم الوزير الأول دومينيك ديفيلبان، ووزير الداخلية الحالي نيكولا ساركوزي، الذي يتولى في الوقت نفسه رئاسة حزب الأغلبية الحاكم «الاتحاد من أجل الحركة الشعبية».
الإشكال الحاصل أن الوزير الأول هو الرجل المقرب للرئيس الفرنسي، وقد سعى الأخير جاهداً لتلميع صورة رئيس حكومته والدفاع عنه ومساندته في كل الأزمات التي مر بها، في الوقت الذي توقع فيه المراقبون أن يضطر الرئيس الفرنسي في أوج الأزمات التي عرفتها البلاد في الأشهر الأخيرة إلى تغيير الوزير الأول حتى لا تستثمر المعارضة اليسارية الوضع المتأزم لكسب شعبية كبيرة تضع في الميزان فوز اليمين في الانتخابات الرئاسية القادمة.
فشل الرهان
وأخطر هذه الأزمات مشروع قانون «عقد الوظيفة الأولى»، الذي انتهى بسحبه بعد موجة الاحتجاج الكبرى التي عقبت الإعلان عنه من طرف الوزير الأول ديفيلبان في 16/2/2006م، ويقضي هذا العقد بتوظيف الشباب الذين يقل عمرهم عن ٢٦ سنة، لكن مع إعطاء الإمكانية لرب العمل أن يوقف العقد في السنتين الأوليين دون أن يكون مجبرًا على تقديم مبرر لطرد العامل، وتركت هذه الأزمة بصماتها على العلاقة بين الحكومة والرأي العام، خصوصاً الشباب الذين خرجوا للمرة الثانية إلى الشوارع في بضعة أشهر.
الأزمة الأخرى التي شغلت الرأي العام تتعلق بقضية (كلارستريم)، وهي قضية معقدة وشائكة تختلط فيها الحسابات السياسية والمصالح المالية، ومحاولة تصفية سياسية لخصم سياسي محرج وهو وزير الداخلية الحالي ساركوزي ذو الحظوظ الكبيرة بالفوز بمنصب الرئاسة.
وينظر القضاء في هذه القضية «الفضيحة»، مع تخوف من تداعيات سياسية في حال ثبوت سعي جهات معنية بالاستحقاق الانتخابي إلى تلفيق تهمة حيازة حسابات بنكية سرية في الخارج إلى كل من ساركوزي ورموز سياسيين آخرين.
أمام هذا الوضع، كانت شعبية الرئيس الفرنسي تتناقص بحكم مساندته لرئيس حكومته، بل إن بعض أصوات المعارضة طالبت باستقالة شيراك وإجراء انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، وتزامن ذلك مع صعود نجم شخصية سياسية اشتراكية وهي «سيغولان روايال»، وزيرة سابقة و «زوجة» رئيس الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند، التي تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم شعبيتها .
ويبدو أن الأزمات المتلاحقة وتراجع شعبية رئيس حكومته جعلته يتأكد من صعوبة تحقيق الرهان المرغوب فأصبح الخيار المنطقي لديه هو أن يقبل بالأمر الواقع - أي تقدم وزير الداخلية الحالي ورئيس الحزب الحاكم ساركوزي - ليكون المرشح الوحيد عن اليمين الديغولي، خاصة أنه يمتلك أداة قوية للضغط والتحكم في مجريات الأمور الا وهي رئاسة حزب الأغلبية الحاكم.
كسب ود ساركوزي
في هذا الإطار انتقد شيراك الحكومة (واللوم هنا يعود إلى الوزير الأول بالدرجة الأولى) لعدم حزمها في الإجابة على مطالب اللجوء السياسي بما يفتح الأبواب أمام العشرات بل المئات للاستقرار في البلد بعائلاتهم. وفي المقابل أثنى على وزير الداخلية ساركوزي في معالجته لملف العائلات المقيمة بطريقة غير قانونية ولها أطفال في المدارس الفرنسية بالنظر فيها حالة بحالة، وعبر في الوقت نفسه عن احترامه لساركوزي بما يشير إلى احتمال الإعداد لسيناريو في المستقبل يتولى فيه الأخير رئاسة الحكومة في ظل دورة ثالثة للرئيس شيراك يتمم فيها الإنجازات التي تحققت في عهدته من جذب الاستثمارات والقوى العسكرية.
استغلال قضايا الشرق الأوسط
والمؤشرات كلها تدل على أن الرئيس الفرنسي لا يترك فرصة إلا ويوظفها من أجل فرض معادلة سياسية داخلية جديدة تجعله مقبولًا لدى الرأي العام، بما يفتح الطريق أمامه للترشح لدورة رئاسية ثالثة - وهو أمر غير مستبعد في ظل التطورات الجارية - ومثلما أحسن توظيف الدخول من البوابة الدبلوماسية، فقد أحسن توظيف النجاح الذي حققه الفريق الرياضي الفرنسي في الدورة الأخيرة لكأس العالم وتمكنه من الترشح للمباراة النهائية، وتفنيد مقولة أن العمر المتقدم للاعبي هذا الفريق يعيق تحقيق مثل هذا التفوق. وهي الصورة نفسها التي يريد أن يرسمها في الأذهان من خلال استقباله للفريق الفرنسي في قصر الإليزيه وقوله للاعبين بحضور زيدان: «فرنسا تحبكم ونحن فخورون بكم». فكل هذه الإشارات مهمة للمستقبل السياسي لشيراك: إذ تعطيه دفعًا جديدًا وتكسبه تعاطف الرأي العام الفرنسي... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يستطيع شيراك أن يفرض معادلة جديدة في الساحة الداخلية إذا كانت هناك شريحة من الرأي العام - خاصة من الشباب ترى أنه ينتمي إلى جيل سياسي قديم يسير الأمور بعقلية تقليدية - في حين تشهد أوروبا تجددًا. في الطاقم السياسي؟ وكيف يستطيع أن يحد من تطلعات وزير الداخلية الحالي وطموحاته نحو بلوغ سدة الرئاسة؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل75