العنوان يلتسين.. هل دقت ساعة الرحيل؟
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1996
مشاهدات 73
نشر في العدد 1213
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 20-أغسطس-1996
إذا كانت العادات القديمة في الكرملين لا تندثر بسهولة، فإن من أقدم تلك العادات وأكثرها رسوخًا التكتم عن صحة حاكم البلاد، فباستثناء بعض الطلعات الجامدة على شاشات التليفزيون، يظل الرئيس الروسي بوريس يلتسين مختفيًا عدة أسابيع، ويحاول الرئيس الروسي في كل مرة من المرات النادرة التي يظهر فيها على شاشات التليفزيون التظاهر بأنه يتمتع بصحة جيدة، ولكن هذا الخداع لم يعد مجديًا؛ حيث إن الكل بدأ يشك في قدرة هذا الرجل على الاضطلاع بمهامه الرئاسية طوال السنوات الأربع القادمة.
ولم يكن فوز يلتسين في الانتخابات الروسية أمرًا مضمونًا، بل فوجئ العالم مؤخرًا بالقنبلة التي فجرتها مجلة «التايم» الأمريكية في عددها الصادر في ١٥/ ٧/ ١٩٩٦م والتي مفادها أن الرئيس يلتسين عندما ضاق ذرعًا بتفوق منافسه الشيوعي جينادي زيوجانوف عليه في مجمل الاستطلاعات التي أجريت في نهاية السنة الماضية «أي قبل الانتخابات بأربعة شهور» لجأ إلى طلب خدمات فريق مكون من مستشارين أمريكيين متخصصين في مجال الحملات الانتخابية لإنقاذه من هزيمة واردة، نظرًا لاستياء الشعب الروسي منه نتيجة الفظائع التي ارتكبتها القوات الروسية في الشيشان وزيادة تصرفاته الديكتاتورية، فضلًا عن الويلات التي جلبها برنامجه الاقتصادي على الشعب الروسي وما ترتب عليه من الفساد والمعاناة اليومية.
وقد بدأت فكرة الإنقاذ مساء يوم ١٧ ديسمبر «كانون الأول» ١٩٩٥م عندما كان شخص يدعى فيليكس براينين في زيارة لموسكو حيث شاهد ما آل إليه البرلمان منذ فوز الشيوعيين على غالبية المقاعد، وغدت كل المؤشرات تنذر بعودة الشيوعيين الوشيكة إلى السلطة، وكانت مخاوف براينين في محلها خاصة وأنه مولود في روسيا البيضاء، وقد هاجر إلى الولايات المتحدة في عام ١٩٧٩م وفي جعبته ٢٠٠ دولار أمريكي، حيث عمل صباغًا في سان فرانسيسكو في سنواته الأولى هناك، ويملك اليوم ثروة طائلة، كما يرأس شركة استشارية تقدم خدماتها للأمريكيين المهتمين بالاستثمار في روسيا.
وكانت السلطات الروسية حريصة على أن تبقى الاتصالات بينها وبين براينين في طي الكتمان لأنه لو اكتشفها الشيوعيون آنذاك لكان ذلك كفيلًا بخسارة يلتسين في الانتخابات. وما أن توصل براينين إلى إبرام اتفاق مع السلطات الروسية إلا وقام بجلب فريق مكون من نخبة من مستشارين أمريكيين ساهموا في تخطيط حملة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بنجاح، وقد كانت الإدارة الأمريكية على علم بالاتصالات الجارية بين السلطات الروسية وفريق «الإنقاذ» الأمريكي الذي فوجئ فور وصوله إلى موسكو بتدني شعبية يلتسين، حيث لم تتجاوز نسبة المؤيدين لإعادة انتخابه ٦٠٪ من إجمالي من شملتهم الاستطلاعات الأولية.
سرية العملية:
وحرصًا على سرية العملية، لم تكن حلقة الوصل بين الفريق الأمريكي والرئيس يلتسين شخصًا آخر غير ابنة هذا الأخير وهي «تاتيانا دياتشينكو» البالغة من العمر ٣٦ عامًا، وقد عمل هذا الفريق ليل نهار من أجل تغيير صورة الرئيس في أعين الناخبين، وقد نجح فيه فعلًا، ولو أن عامل الوقت لم يكن لصالحه، وأسفرت نتائج تلك الانتخابات عن فوز يلتسين على منافسه جينادي زيوجانوف بفارق ١٣ نقطة.
وعندما صوت الشعب الروسي في ٣ يوليو الماضي لصالح يلتسين كان يراوده الأمل في أن يكون فوزه بمثابة بداية لاندثار الفوضى وعودة النظام عن روسيا، حيث دأب يلتسين طوال حملته الانتخابية على ترديد الوعود البراقة، بيد أن الأوضاع في روسيا حاليًا أبعد من أن تعود إلى النظام عن أي وقت مضى، فالاقتصاد يبدو متجهًا نحو الانهيار، وكذلك اندلعت الحرب مرة ثانية في الشيشان، بل أخذ البرلمان الروسي الذي يسيطر عليه الشيوعيون في فرد عضلاته، وبدلًا من أن يواجه يلتسين هذه المشاكل فضل اللجوء إلى مصحة تقع خارج موسكو تاركًا وراءه فريقًا لا يختلف أعضاؤه في تسرعهم نحو جمع الغنائم السياسية فيما بينهم من أجل الحصول على مناصب بدلًا من الاهتمام بإدارة شئون البلاد.
إن اختفاء يلتسين لمدد طويلة أخذ يتحول إلى مصدر قلق للشعب الروسي، وبالرغم من اشتهاره بسرعة تقلبات مزاجه، وكونه يعاني من آلام الظهر، وضعف القلب، وإفراطه في السكر، فإن مساعديه يصرون على التأكيد بأن صحته جيدة، ولم يصب بأي مرض، ولكن الجنرال ليبيد الذي عينه يلتسين مؤخرًا مستشارًا لشئون الأمن القومي أخذ يبتعد عن لعبة النفي، وذلك عندما صرح لجريدة «فاينانشال تايمز» مؤخرًا بأن يلتسين يعاني من إرهاق «معنوي وعاطفي ونفسي».
وهناك شعور في موسكو بأن روسيا دخلت فعلًا مرحلة ما بعد يلتسين -كما كان الوضع أيام أندروبوف وتشيرنينكو- عندما كانا رئيسين للاتحاد السوفيتي بالاسم فقط، وأن هذا الوضع يعمق بدوره مخاوف الكثيرين في العواصم الغربية وفي موسكو بأن تعم حالة الفوضى في الاتحاد الروسي في وقت قريب، وقد ذكر مصدر في وزارة الدفاع الروسية بأن رئيس الأركان الروسي ميخائيل كوليسنيكوف قد أصدر مؤخرًا أوامر تقضي بوضع خطة لاستخدام الجيش الروسي لقمع أية اضطرابات مدنية قد تندلع في المستقبل القريب، وأضاف المصدر من وزارة الدفاع الروسية بأن أهم ما يقلق كليسيكوف بصفة خاصة هو خطر انهيار الاقتصاد الروسي، وقد حذر الجنرال ليبيد في وقت سابق علنًا من خطورة الوضع، بل تنبأ بوقوع كارثة اقتصادية في روسيا في نهاية السنة، غير أن بعض المسئولين الحكوميين وصفوا تلك التحذيرات بأنها مجرد تنبؤات متشائمة.
نشوة الفرح:
كان عزاء الشيوعيين إثر الانتخابات الأخيرة هو أن يلتسين لن يعيش نشوة الفرح بالانتصار لفترة طويلة، وكانوا يؤكدون بأنه مع حلول الخريف القادم في روسيا سيكون الرئيس المنتخب قد فقد مصداقيته، وأن تدهور صحته سيؤدي إلى إجراء انتخابات جديدة، ومن ثم إزاحته عن السلطة نتيجة استياء الشعب العارم منه.
وفي غمرة حلم الشيوعيين بالسلطة، فإن هناك صراعًا محتدمًا بين الطامعين في خلافة يلتسين، خاصة ذلك الصراع القائم بين الجنرال ليبيد ورئيس الوزراء فكتور تشيرنومردين اللذين لا يخفيان مطامعهما في السلطة ويتبادلان الكراهية، وقد ألمح مساعدو ليبيد من وراء الكواليس بأن تشيرنوميردين سيكون هدفهم الأول في الحملة التي يزمعون شنها لمحاربة الفساد، غير أن كلا المتنافسين يكرهان معًا أناتولي كوبياس المعين حديثًا لدى منصب رئيس شئون الرئاسة، وهو نصير قوي للخصخصة ويتسم بالطموح والعناد، ولكن هذا الأخير يشترك مع منافسيه السابقين في كراهية الجنرال ألكسندر كورخاكوف بشدة، والذي بالرغم من أنه تم فصله من منصب رئيس شئون الأمن القومي في شهر يوليو الماضي، يظل واحدًا من الأشخاص القليلين المقربين ليلتسين، والذين يضع فيهم ثقته الكاملة، ولا يستطيع الاستغناء عنهم.
إن شيوع النزعة الانتقامية بين مساعدي يلتسين وتدهور الأوضاع الاقتصادية قد ساعدا على توجه الرئيس الروسي نحو السقوط، وقد ظل يعاني من هبوط معنوياته إلى الحضيض والحيرة أيضًا أمام مسئولية إدارة شئون البلاد الجسيمة، وينطبق عليه اليوم تلك الصفة التي كان منافسو جورباتشوف يسخرون بها من هذا الأخير، وهي أنه «مولع بنصف الخطوات وبنصف الإجراءات»، ويبدو أنه في هذه المرة لن يجدي يلتسين أي فريق أمريكي، فنجمه بدأ في الأفول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل