العنوان ينابيع لا تنصب:
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 03-سبتمبر-2005
مشاهدات 83
نشر في العدد 1667
نشر في الصفحة 57
السبت 03-سبتمبر-2005
هندسة التأثير:
إن صناعه التأثير وهندسة الحياة التي فيها عز الدنيا والآخرة، لا يمكن أن تكون إلا من خلال انطلاقها من كتاب الله تعالى وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فهما ينبوعا التأثير، وهما المصدران اللذان يجب على الأمة الأخذ بهما والعمل بكل ما ورد فيهما، قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام: 155).
فالقرآن دستور هذه الأمة وملاذها في كل شيء، وموجهها في كل مناحي الحياة، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9).
والله تعالى أنزل كتابه خاليًا من أي نقص، ومنزهًا عن كل عيب، وكاملًا في كل شيء، كيف لا يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (الكهف: 1).
ولقد تعهد الله تعالى بحفظ كتابه إلى يوم الدين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
لقد كان العرب قبل الإسلام يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، فجاء القرآن فأحدث ثورة في التفكير والتصوير، وثورة في الوجدان والشعور، وثورة في العمل والسلوك، ذلك لأنهم فتحوا له عقولهم وقلوبهم، فكانت أجهزة الاستقبال عندهم سليمة مهيأة لحسن التلقي، وكان الإرسال على أفضل ما يكون.
يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر: 23).
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل نافعًا: «من استعملت على أهل مكة؟ قال: ابن أبزى، فقال: ومن هو؟ قال: مولى من موالينا، فقال عمر: أحسنت، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (رواه مسلم).
إنه القرآن الذي لو أنزل على جبل من الجبال ففهم ما فيه من وعد ووعيد لأبصرته، على قوته وصلابته وضخامته، خاضعًا ذليلًا متشققًا من خشية الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21).
وصدق القائل إذ يقول:
سمعتك يا قرآن والليل واجم*** سريت تهز الكون سبحان من أسرى
لقد صنع القران العجائب في البشر، كيف لا وهو معجزة الله الخالدة، وتغلغلت كلماته وآياته في نفوس المؤمنين والكافرين وفي أفئدة الطائعين والعصاة، فأثرت أيما تأثير، وأحدثت تغييرًا فذًا في حياة الأفراد والأمم!
يقول الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ( الإسراء: 106 – 109).
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلًا يتهجد في الليل ويقرأ سورة الطور فلما بلغ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ (الطور: 7 – 8)، قال: «قسم ورب الكعبة حق»، ثم رجع الى منزله فمرد شهرًا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه.
وفي أغسطس عام 2002م ذكرت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أن جامعة نورث كارولينا الأمريكية قد ألزمت 3500 من طلابها المستجدين بقراءة كتاب من تأليف مايكل سيلز بعنوان «التقرب من القران»!
وأضافت الصحيفة أن هذا الطلب قد أثار عدة تساؤلات على مستوى الطلبة وأعضاء هيئة التدريس في الجامعة، بالإضافة إلى تناقض بين آراء أولياء أمور الطلبة وخوفهم من اعتناق أبنائهم الإسلام، خاصة عقب أحداث 11 سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة، وقد ردت الجامعة على الدعوى القضائية المرفوعة ضدها من قبل ثلاثة طلاب من ديانات مختلفة ومنظمة مسيحية متشددة، بأنه من واجبها تنمية أذهان الطلبة حول الإسلام، وأن الوقت مناسب لتصحيح النظرة العامة للإسلام والمسلمين، خاصة المقيمين في الولايات المتحدة، كإجراء للحد من التعصب الديني في الجامعة.
من ناحية أخرى، يرى بعض أعضاء هيئة التدريس البارزين في الجامعة ضرورة تعميم تلك التجربة بسائر الجامعات الأمريكية، حيث سيصب ذلك في مصلحة البلاد!!
وإني ليبكيني سماع كلامه
فكيف بعيني لو رأت شخصه بدا
تلا ذكر مولاه فمن حنينه
وشوق قلوب العارفين تجردا
وقال «وليم جيفورد بالكراف»: «متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيدًا عن محمد وكتابه».
وقال الحاكم الفرنسي في الجزائر في كلمة ألقاها بمناسبة مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر: «يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم».
وهذه فرنسا، من أجل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر قامت بتجربة عملية، وذلك بانتقاء عشر فتيات مسلمات جزائريات وأدخلتهن المدارس الفرنسية، وألبستهن الثياب الفرنسية، فأصبحن كالفرنسيات تمامًا.
وبعد أحد عشر عامًا من الجهود، هيأت لهن حفلة تخرج رائعة، دعي إليها الوزراء والمفكرون والصحفيون، ولما ابتدأت الحفلة، فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري، فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت: ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عامًا؟!!
فأجاب لاكوست، وزير المستعمرات الفرنسي: «وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟».
إن الأمة مدعوة إلى العودة إلى المنبع الأول للتأثير، والاعتزاز به، وصدق الله إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 57).
كما أنها مطالبة بالتمسك بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنها المنبع الثاني للتأثير بعد كتاب الله تعالى، كما ورد عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «و عظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغه وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظه مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تـأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (رواه أبو داود والترمذي).
(*) رئيس مركز التفكير الإبداعي والمشرف العام على موقع «إسلام تايم»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل