; يوم الفرقان يوم التقى الجمعان | مجلة المجتمع

العنوان يوم الفرقان يوم التقى الجمعان

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1625

نشر في الصفحة 55

السبت 30-أكتوبر-2004

لكل أمة أيام نصر وعز وفخار، تعلو فيها رايتها، وتسود فيها كلمتها، وتسعد بها قادتها، وأمتنا لها من أيام النصر والعز والسؤدد، العدد الذي لا يحصى والفخار الذي لا يبارى، وأول ذاك العز وهذا الفخار كان في غزوة بدر التي ابتدأت بتدبير من الله سبحانه وتوجيهه ومدده، فكانت بحق فرقانًا بين الحق الأبلج، والباطل الأهوج فرقانًا بين الجاهلية المتوحشة والحق الوليد، فرقانًا بين العبادة الزائفة والتوحيد الأصيل، فرقانًا بين الأهواء الجامحة، والقيم والعدالة الرائدة فرقانًا بين عهد الصبر والمصابرة والتحمل وكف الأيدي، وبين التصدي للباطل ومناجزته، وردعه بنفس أسلوبه ورد الظلم وانتزاع الحق ومطاردة الطواغيت التي تنتزع الألوهية وتعبد الناس لأهوائهم.

وكان لابد للإسلام في وسط هؤلاء الطواغيت من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع لأنه لم يكن يستطيع أن يقف ليضرب ويعذب ويطارد ويجمع الباطل له الجيوش إلى الأبد، لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه متمثلًا في شعائر تعبدية وفي أخلاق سلوكية، لا يسمح له بتكوين مجتمع ولا بإقامة كيان يتربى فيه الناس ويترعرع في جنباته الشباب لم يكن له بد من أن يدافع عن نفسه، ويفرض احترام الناس للحق، ويزيل من طريقه العوائق والسدود الظالمة. 

ولم يكن يستطيع أن يظل يحادث قلوبًا غلفًا لا تعرف إلا لغة القوة والسطوة والاستعباد بعد أن صمت أذانها وغلفت قلوبها ونصبت محارق التعذيب والإبادة في كل بيت وطريق، وقد أذن الله بالدفاع عن النفس بقوله:  ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ( الحج: 39 - 40)، أراد الله للمظلومين أن ينتصروا وهو القادر، وأن يفوزوا وهو القوي ، وأن يسددوا وهو العزيز وولي ذلك والأمر إليه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ (القصص: 5)، وفي غزوة بدر كان اللقاء الفارق والميعاد الحاسم الذي قضى الله به أن يسود أهل طاعته ويندحر أهل معصيته، ويقضى فيه أمر رشد رغم قلة المؤمنين، وندرة سلاحهم، وضعف استعدادهم، وكثرة عدوهم، ووفرة سلاحه وقوة استعداده، وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو، وهي المعركة الأولى لتكون فرقانًا بين تصورين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة ولتظهر فيها قوة العقيدة وسطوة الإيمان ولبيان أن العامل الحاسم بعد الاستطاعة في الاستعداد هو إرادة الله ونصره.

 وليظهر للناس أن كثرة جند الباطل وعظم عتاده ليس هو وحده سبب النصر والغلبة وأن ذلك ليس حديثًا نظريًا، ولا خيالًا وقتيًا، وإنما هو واقع متحقق وأمر ظاهر للعيان.

 روى أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-  قال: حدثني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قال: «لما كان يوم بدر نظر النبي-صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ﷺ القبلة، ثم مد يده وجعل يهتف بربه اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» فمازال يهتف بربه مادًا يديه مستقبلًا القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبوبكر - رضي الله عنه - فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ﴾ (الأنفال: 9)، فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر سبعون.

وخرج النبي ﷺ من عريشه بعد هذا الدعاء وهو يقول ﴿سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ (القمر: 45).

 وجاءت البشريات الواحدة تلو الأخرى، وجاء جبريل وعلى ثناياه النقع، ونزلت الملائكة لتعمل عملها ولتكون غطاء وبشرى لنصر الله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (الأنفال: 10), وكان الأمن والنعاس وعدم الخوف والثبات للمؤمنين من جند الله في المعركة قال تعالى: ﴿إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ﴾ (الأنفال: 11).

وكان ذلك قبل المعركة تقوية للمسلمين بالاستراحة ومزيلًا للرعب والخوف وتهيئة میدان المعركة أمام المؤمنين لنفس الغرض قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ﴾  (الأنفال: 11).

وتوالت البشريات التي أذنت بالنصر المبين وقد كان وانتصر الإيمان والمؤمنون، وارتفع الحق وجنده، وظهر أن قوة الإيمان التي تولد العزيمة وتقود إلى صدق اليقين ومضاء الإرادة هي العامل الحاسم بعد إرادة الله في النصر، ولن يكون النصر أبدًا بكثرة العدد، ولا بوفرة السلاح، ولا بأكداس الأموال فقط، وصدق الله: ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾  (التوبة: 25 - 26).

واليوم ونحن نملك أقوى عنصر وهو الإيمان والصلة بالله سبحانه، هل نستطيع أن يكون لنا فرقانًا في هذا الشهر الكريم، وهذه الأيام المباركة، وأن نعزم عزمة صادقة ليعلم الله منا ذلك فيوجهنا إلى أساليب النصر فيوحد بين صفوفنا ويرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه ويزيل منا رهبة عدونا ويثبت قلوبنا ويجعلنا أهلًا لنصره؟ إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.

الرابط المختصر :