; 10 سنوات على توحيد اليمن (2 من 4) | مجلة المجتمع

العنوان 10 سنوات على توحيد اليمن (2 من 4)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 68

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 06-يونيو-2000

* كانت موافقة الجنوب على الوحدة هروبًا إلى الأمام فقد انهارت الدولة الماركسية بفعل الصراع على السلطة.. ونهاية عصر حضانة الأطفال الشيوعيين

بعد عشر سنوات على قيام دولة الوحدة اليمنية، لاتزال خفايا الأحداث التي سبقت أو واكبت اتفاق «صنعاء وعدن» الخاص بالمضي في مشروع الوحدة -لاتزال محل خلاف بين فرقاء السياسة اليمنية الذين يظل كل طرف منهم يقدم رؤيته الخاصة للأسباب التي دفعت كل طرف للاندفاع نحو القبول المفاجئ بإعلان الوحدة الاندماجية.

ظلت قضية الوحدة إحدى القضايا الرئيسة في أدبيات القوى السياسية اليمنية، وبسببها اشتبك شطر اليمن في حربين أهليتين عامي (۱۹۷۲م و۱۹۷۹م) لكن مع بداية عقد الثمانينيات تراجعت الدعوات إلى تحقيق الوحدة بالقوة العسكرية.. ولا سيما بعد إقصاء المتطرفين الماركسيين في «عدن» عن السلطة، وهزيمة التمرد الشيوعي المسلح في الشمال في مواجهة مقاومة شعبية قادها الإسلاميون.. كما شهدت بداية الثمانينيات حدوث تقارب نفسي بين الرئيس علي عبد الله صالح وبين زعيم الحزب الاشتراكي- حينها- علي ناصر محمد.. فقد اتفق الطرفان على التخلي عن تصعيد المواجهة السياسية والإعلامية.. والبدء في تحقيق خطوات واقعية تنمي الاتجاه نحو توفير شروط قوية لتحقيق الوحدة.

 وفي يناير ١٩٨٦م خسر «علي ناصر محمد» معركته مع خصومه في الحزب الاشتراكي، واضطر مع عشرات الآلاف من كوادر الحزب السياسية والعسكرية والمدنية إلى النزوح إلى الشمال مخلفًا وراء دولة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة.. وتجربة لم تعد تنتظر إلا رصاصة الرحمة بعد أحد أعنف وأشرس الحروب الأهلية التي عرفتها المنطقة.

قوة النظام:

وكان أهم تداعيات أحداث يناير ١٩٨٦م أن النظام السياسي في صنعاء ظهر بصورة قوية: سياسيًا واقتصاديا في مقابل النظام في عدن الذي أفلست تجربته الاقتصادية وخياراته الفكرية في الوقت الذي كانت رياح التغيير تتجمع فوق سماء المعسكر الاشتراكي منذرة بعواصف عاتية لا تبقي ولا تذر، وهو المصير الذي الت إليه الأوضاع في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية في عامي۱۹۸۹م وما تلاها.

وحينما كان النظام الشيوعي في عدن أبرز المرشحين للسقوط بعد وصوله إلى طريق مسدود وبعد أن رفع جورباتشوف آخر قيادات الاتحاد السوفييتي يده من خلف ظهر الأنظمة الاشتراكية معلنًا أنه على كل نظام أن يعتمد على نفسه في البقاء أو بعبارته المشهورة «انتهى عصر حضانة الأطفال».

 بدأت صنعاء مع بداية ۱۹۸۸م هجومًا وحدويًا ضاغطًا يتمحور حول فكرة واحدة مفادها أن «الوحدة» هي الحل الأوحد للمشكلات التي يعاني منها اليمنيون.. وأنها السبيل الوحيد لمنع نشوب حرب جديدة بين شطري اليمن وحينها كانت «صنعاء» تستند إلى حالة استقرار نادرة وانفراج سياسي معقول أزال الاحتقان التاريخي بين السلطة والمعارضة إلى حد كبير.. بالإضافة إلى علاقات دولية متميزة ومبشرات اقتصادية ناتجة عن ظهور النفط، وهو حلم فرضته حقائق انتماء اليمن إلى منطقة الخليج الغنية بالنفط وبجانب كل ذلك كانت هناك إحدى نتائج الحرب الأهلية في عدن عام ١٩٨٦م: وهي عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين الذين صاروا يمثلون كتلة قلقة بين الشطرين.. وورقة ضاغطة لا يمكن تجاهلها... وبؤرة قابلة للانفجار في أي لحظة.

 نجح الهجوم السياسي والإعلامي في طرح قضية الوحدة للنقاش.. ويعترف الاشتراكيون في كتيب أصدره أحد رموزهم أن الحزب واجه هجوم صنعاء بتشكيل لجنة من عدد من القياديين لدراسة الوضع العام واستخلاص رؤية جديدة يتبناها الاشتراكيون تجاه قضية الوحدة، والمهم في هذه الرؤية أنها اعتمدت في مواجهة الدعوة إلى الوحدة الفورية نهجًا يدعو إلى توسيع قاعدة المصالح بين النظامين حتى تكون أساسًا لفرض خيار الوحدة وبحجة ضمان تحقيقها واستمرارها.

وحقائق الواقع وموازين القوى حينها لم ترض «صنعاء» بمبررات الحزب الاشتراكي في اعتماد سياسة التدرج فقد كان واضحًا أن النظام الاشتراكي يبحث عن أطول فترة ممكنة للنقاهة من كارثة ۱۹۸٦م، والتأقلم مع نهاية سياسة حضانة الأطفال الروسية.. ولا شك أنه مما ساعد صنعاء على اعتماد سياسة الهجوم الوحدوي تلك النفسية التي طبعت الشارع باتجاه أن الوحدة هي الحل الممكن للمشكلات وهي النهاية الطبيعية لمسلسل الحروب والتمردات والانشقاقات.

حلقة جديدة:

وبعد عام ونصف العام من يناير ١٩٨٦م كان شطر اليمن على موعد مع حلقة جديدة من التوترات العسكرية في الحدود الشطرية عند منطقة «شبوة» التي ظهرت فيها اكتشافات بترولية تمتد بين حدود الشطرين وسرعان ما تطور التوتر إلى اشتباكات عسكرية محدودة هددت بانفجار دموي لكن قيادات الشطرين سرعان ما اجتمعت في مايو ۱۹۸۸م لنزع فتيل الانفجار.

انتهزت صنعاء حادثة شبوة وانتهت الاجتماعات المخصصة لنزع فتيل الانفجار العسكري إلى اتفاق على قيام مشروع مشترك لاستثمار النفط.. ثم توالت الاتفاقات الوحدوية بصورة متسارعة حيث توصل الشطران إلى اتفاق- بعد تاريخيًا بكل المقاييس- بالسماح بتنقل للمواطنين بين الشطرين بالبطاقة الشخصية ابتداء من يوليو ۱۹۸۸م وهذه الاتفاقية كسرت أخطر حاجز أمام تحقيق الوحدة، فاليمن ظلت برغم وجود الاستعمار البريطاني مفتوحة أمام أبنائها ينتقلون بين مناطقها دون عوائق.. وفقط في بداية السبعينيات بدأ النظام الشيوعي في عدن يضع العوائق تدريجيًا أمام خروج المواطنين وانتقالهم للحد من عملية الهروب الكبيرة والنزوح المستمر إلى الشمال ودول الخليج العربي.

تلك الخطوة المهمة في تاريخ مسيرة الوحدة اليمنية لا تزال محل تنازع بين الطرفين حول صاحب اقتراح فتح الحدود.. فالاشتراكيون يؤكدون أن المكتب السياسي للحزب هو صاحب هذا المقترح الذي كان يتفق مع السياسة الوحدوية الجديدة التي تعتمد على خلق واقع وحدوي على الأرض وتحويل الوحدة من شعار إلى قضايا ملموسة في الحياة اليومية.. لكن الطرف الآخر في صنعاء أعلن على لسان الرئيس علي صالح أن تلك الخطوة جاءت ضمن اتجاه الهجوم الوحدوي السياسي والإعلامي.. وأن الهدف منها كان إتاحة الفرصة أمام المواطنين في الجنوب ليروا بأعينهم مقدار التغييرات التي طرأت على الشمال الذي ظل الإعلام الاشتراكي بصوره بأنه رجعي ومتخلف، فجاءت حرية التنقل لتسمح للشعب بعقد مقارنة بين الأوضاع المتخلفة اقتصاديا ومدنيًا في الجنوب المحروم والذي يعاني الشعب فيه الحصول على أبسط ضرورات المعيشة.

الوحدة المتدفقة:

وكان واضحًا بعد فتح الحدود أن أحدًا لم يكن في مقدوره إيقاف عجلة السير نحو اتفاقات وحدوية جذرية فقد أثارت عملية فتح الحدود مشاعر اليمنيين المختزنة نحو الوحدة، وتهاوت عوامل الإحباط التي سببتها سنوات طويلة من الإعلانات عن قرب قيام الوحدة، وفي تلك الأجواء استمرت صنعاء في هجومها السياسي والإعلامي الذي تركز على ضرورة الانتقال الفوري إلى صيغة أكثر جدية من الأشكال الهزلية التي عرفها اليمنيون طوال ١٥ عامًا وبالتحديد كانت صنعاء تطرح فكرة وحدة فيدرالية يتم فيها توحيد القوات المسلحة والشخصية الدولية لشطري اليمن.. وفي المقابل يزعم الاشتراكيون أنهم ظلوا متمسكين بنهجهم الجديد في ضرورة التزام الواقعية والتدرج في تطوير الأشكال الوحدوية مثل «المجلس اليمني الأعلى» ثم الانتقال بالعمل الوحدوي بخطوات متدرجة نحو أشكال أرقى حتى تتحقق الوحدة الاندماجية.. وباختصار: يعترف الاشتراكيون بأنهم في مواجهة طرح صنعاء المقترح توحيد اليمنين في دولة فيدرالية بادروا- هم- بطرح فكرة التوحد في دولة كونفدرالية لأنهم كانوا يرون أن الفيدرالية كانت تهدف إلى تجريد الجنوب من أداته العسكرية الخاصة به وعزله عن حلفائه في العالم وحرمانه من شخصيته الدولية التي تحميه من الإطاحة به عسكريًا.

في ظل تلك الأجواء الملبدة بمقترحات الهجوم والدفاع.. وفي ظل المتغيرات الدولية التي كانت تعصف بالمعسكر الاشتراكي.. قام الرئيس علي عبد الله صالح بزيارة لمدينة «عدن» للمشاركة في الاحتفال بذكرى جلاء الاستعمار البريطاني عن الجنوب اليمني في ٢٠ نوفمبر ۱۹۹۰م، في وقت كانت المشاعر الشعبية قد بدأت تتجمع كالغيوم في اتجاه إحداث ضغط شعبي نحو الوحدة.

وفي عدن أعاد الرئيس صالح طرح فكرة الفيدرالية بينما تمسك الاشتراكيون بفكرة الكونفدرالية.. الأمر الذي أوصل اللقاء إلى طريق مسدود جعل وفد صنعاء يبدأ في حزم حقائبه استعدادا للعودة.

ولا أحد يعرف بالتحديد ما الذي حدث حتى تحلحلت العقدة أمام الاتفاق على حل ثالث لم يكن أحد يحلم به لكن روايات الطرفين تتحدث عن قيام زعيمي الشطرين بافتتاح مشروع تنموي، وخلال وجودهما في السيارة تبادلًا الحديث عن خطورة تجاهل الحماس الشعبي وانفضاض قمتهما دون الوصول إلى اتفاق يلبي التوقعات الشعبية.

وبعد عودتهما إلى مقر الإقامة كان هناك اتفاق على اعتماد حل ثالث يقضي بإحالة مشروع دولة الوحدة إلى المجلسين التشريعيين للشطرين ثم الاستفتاء الشعبي عليه وإعلان قيام وحدة اندماجية كاملة خلال عام واحد.

كان الاتفاق مقصورًا على «صالح والبيض» اللذين انفردا في منزل أمين عام الحزب الاشتراكي فيما ذهب سائر أعضاء الوفدين لتخزين «القات» في مقر الرئاسة دون أن يعلموا شيئًا عن الاتفاق: لكن الزعيمين أبلغا وزيري شؤون الوحدة في الشطرين سرًا أن يعد كل منهما مسودة الاتفاق ويعرضه دون إبلاغ أحد؟ وبالفعل وفي مساء ذلك اليوم فوجئ أعضاء الوفدين بالاتفاق الذي تم التوصل إليه والذي تم التوقيع عليه وسط دهشة الجميع.

وبالطبع تختلف رواية كل طرف حول الكيفية والدوافع التي أوصلت «صالح البيض» إلى ذلك الاتفاق، فالاشتراكيون لا يذكرون شيئًا عن عملية التحول الجذري في موقف البيض المختلف مع موقف حزيه المتمسك بالكونفدرالية لكن البيض قال بعد ذلك بأعوام إنه اتخذ قرار الوحدة الاندماجية لأنه وحده من زعماء الحزب الاشتراكي- كانز يعرف أن «حضرموت» تسبح فوق بحيرة من النفط مما يعني أن شيوع هذا الأمر سوف يجعل من الصعب تحقيق وحدة في المستقبل.

لكن مسؤولًا في الحزب الاشتراكي ووزير شؤون الوحدة في عدن -آنذاك- أقر في حوار صحفي أن خلافات كانت تعتمل حول المناصب الرئيسة في الدولة والحزب في عدن جعلت البيض يندفع نحو حل الوحدة الاندماجية كنوع من النكاية بعدد من قادة الحزب الذين رفضوا الموافقة على أن يجمع البيض بين رئاسة الدولة والأمانة العامة للحزب الاشتراكي كما كان معهودًا، وفي المقابل رفض البيض تثبيت نائبه سالم صالح الأمين العام المساعد في منصبه وتعديل دستور الحزب من أجل إقرار ذلك المنصب رسميًا.

وعلى الطرف الآخر يرى خصوم الحزب الاشتراكي أن قرار البيض بالموافقة على الوحدة الاندماجية كان موقفًا ذكيًا لإنقاذ نظامه من مصير الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية التي تهاوت تحت ضغط الجماهير الغاضبة.. ولاسيما أن نظام عدن كان قد وصل إلى مستوى خطير من الانهيار الاقتصادي بعد حجب المعونة السوفييتية بالإضافة إلى تداعيات أحداث يناير ١٩٨٦م الدموية التي شرخت المجتمع والدولة وظلت آثارها تعمل حتى بعد قيام الوحدة، وربما في -رأي البعض- حتى الآن.

حركة الجماهير:

لم يقف أحد كثيرًا عند محاولة تفسير ما حدث في عدن في ۳۰ نوفمبر ۱۹۸۹م لكن الأحداث تسارعت بعد ذلك بصورة دراماتيكية وأزيلت البراميل التي كانت تستخدم كحواجز بين الشطرين واندفعت الجماهير تنتقل بين الحدود السابقة واختلطت حركتها ففرضت المضي قدمًا في مشروع الوحدة الاندماجية بعد أن صار من الصعب النكوص عنها.

ولم يعد سرًا أنه كانت هناك تخوفات من ابتلاع «الشمال» الغني والكبير للجنوب الفقير القليل السكان.. لكن أهم اتفاق سري تم كان تطمين قيادة الحزب الاشتراكي على مستقبلها ومكانتها السياسية بعد الوحدة، وتم الاتفاق على أن يكون أمين عام الحزب الاشتراكي نائبًا للرئيس بصلاحيات وسلطات رئيس جمهورية وهو أمر بالفعل كما تم الاتفاق على تقاسم السلطة رسميًا وتبوأت القيادات الاشتراكية أهم المناصب في الدولة الجديدة باستثناء منصب رئيس الجمهورية.. ثم فرضت عوامل داخلية وخارجية تقديم موعد إعلان قيام الدولة الجديدة واختصار مدة العام إلى ستة أشهر فقط، حيث تم الاتفاق سرًا بين «صالح والبيض» على إعلانها في ٢٢ مايو ۱۹۹۰م، وكان من السخريات أن يعلن البيض بنفسه قرار الانفصال الفاشل بعد ذلك بأربع سنوات وفي يوم ٢١ مايو ١٩٩٤م. لكن تلك قصة أخرى بدأت بأزمة سياسية سبقتها انتخابات متعددة الأحزاب تلتها حرب وانفصال توحدت بعده اليمن.

الحلقة المقبلة من المسؤول عن تفجير حرب صيف ١٩٩٤م؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

322

الثلاثاء 24-مارس-1970

البترول العربي وقضَايا المصير

نشر في العدد 7

120

الثلاثاء 28-أبريل-1970

مجلس الأمة - عدد 7