العنوان (1425 هـ)
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1591
نشر في الصفحة 42
السبت 06-مارس-2004
لم يشكل هذا الرقم أي إشكالية للكثيرين منا، ولم يقف كثيرون عنده مجرد وقفة تفكير أو حساب، هذا الرقم اليتيم المضيع الذي يمثل حساب تقويم حياة، وتاريخ أمة تنزف قهرًا وهي تبدو -وأقول تبدو- وكأنها في نزعها الأخير.
عجبت أن يُحتفل في بعض دول العالم الغربي ببداية العام الصيني الجديد، وأن تنقل قنوات الإعلام الغربية أنباء احتفال اليهود بعامهم العبري، وكذلك جميع أمم الأرض إلا عامنا الهجري الذي يحيي ذكرى حادثة الهجرة التي يسجل التاريخ - تاريخ خصومنا - أنها الأكثر أهمية في تاريخ البشرية.
تاريخنا الذي من منا، بعد أن أصبحنا اليوم عبئاً عليه، متطفلين على موائد الآخرين نحتفل بأعوامهم، نقلد اختراعاتهم، ندخل قرونهم التي تبدأ وتنتهي بغزو أرضنا وانتهاك عرضنا ودك حصوننا.
هل نحن أمة ميتة أصبحنا عالة على عالم يمور بالحياة والحركة ونحن جاثمون على كنوز الأرض نستمد منها آخر سبب للتشبث بالوجود بين أمم الأرض اليوم؟
إجراء مقارنة سريعة وشاملة بين حجم الاهتمام العربي الإعلامي بالعام الميلادي والعام الهجري تنبئنا عن درجة الوهن الحضاري التي نعيشها، وعن الهوة الساحقة التي سقط فيها معظم الذين نصبوا أنفسهم ناطقين باسم هذه الأمة وهم يحاولون ارتداء عباءات الآخرين متخلين عن هوية أمتهم وبصماتها وربما لونها وجنسها أحيانًا أفكر في «مايكل جاكسون» الذي لم يكن راضيًا عن نفسه ولا شكله ولا لونه فبقي يغير ويبدل في كيانه الإنساني ماديًا ومعنويًا حتى صار أعجوبة ومثلة بين الناس.
١٤٢٥ عامًا تعني في عمر الحضارات اليوم.. شبابًا وحضورًا وأملًا وامتدادًا، ولكن للأسف الشديد فإن الأمة الأكثر شبابًا في تاريخ الحضارات اليوم هي الأمة التي بدا وكأن التعب قد سرى في أوصالها ونفوس أبنائها إلى درجة تخليهم حتى عن الوقوف مرة كل عام احترامًا لذكرى بدء تسجيل تاريخهم، تاريخهم المجيد الذي ما عاد له من صدى في حياتهم المليئة بالأصوات والضجيج والفوضى إلى درجة تحرم الصدى من مسيره الطبيعي يتردد في أجواء صافية نظيفة.
الوهن الحضاري أصاب الأمة سياسيًا واجتماعيًا وإنسانيًا، ولكنه وعلى الرغم من ذلك لم يستطع النيل من روحها ولا عقيدتها ولا رغبتها في الوقوف على قدميها من جديد، كما أنه لم يؤثر على قدرتها العجيبة على الاستفادة من آليات التجديد الذاتي الذي تتمتع به دون بقية أمم الأرض الشيء الذي يشهد له التاريخ والذي تذكره الجغرافيا، وتخشاه كثيرًا جموع المتربصين بثرواتنا التي قد تنقلب بين عشية وضحاها إلى أسلحة عمار إنساني شامل للإنسانية إن استطاعت هذه الأمة أن تأتي من الموت مرة أخرى كما اعتادت أن تفعل دومًا لتعيد كتابة التاريخ باللون الأخضر، ولتحمل رسالتها الخالدة للإنسانية التائهة المعذبة التي تغرق اليوم في التوحش والتصحر وشهوة امتصاص الدماء.
في مستهل العام الهجري الجديد الضائع بين أعوام الآخرين التي نسبنا أنفسنا إليها وبكينا عند وداعها وانتحبنا على فراقها واحتفلنا مع المحتفلين بها في مستهل هذا العام نحن بحاجة حقيقية للوقوف وقفة تأمل هادئة فيما آلت إليه أحوال الأمة هل ننتمي إلى هذه الأمة؟ وهل مازلنا نريد الانتماء إليها؟ وما شروط ومقومات هذا الانتماء؟ وقبل ذلك وبعده فإننا في حاجة ماسة إلى تحديد هوية الأمة التي بلغت اليوم ١٤٢٥ عامًا وهي ماتزال في ريعان شبابها يشهد على ذلك احتلالها لصدر الأحداث الأهم والأخطر في حياة البشرية سلبًا أو إيجابًا. وتشهد على ذلك إحصائيات أعداد الشباب والمواليد فيها، وتشهد على ذلك الأعداد غير الطبيعية من المقبلين على الاستشراق والاستعراب والإسلام في مختلف أنحاء العالم وتشهد على ذلك مؤشرات أسواق العملات وأسعار البترول والغاز الطبيعي في العالم.
أمة شابة ولكنها لا تتمتع بالشباب فحسب بل تتمتع بحيوية هي موضع حسد التاريخ وحقد الجغرافيا وانتقام الأدب والفن والثقافة حية على الرغم من سيادة ثقافة الموت بين شبابها، حية على الرغم من انتشار اليأس والإحباط بين صفوف الناس المحرومة من أدنى درجات الخدمات الإنسانية في حياتهم، حية على الرغم من الاستبداد الذي ينتشر أفقيًا وعموديًا أي بالطول والعرض في جميع شرائح وجودها السياسي والاجتماعي والأسري، أمة حية قائمة تتحدى وتصارع الموت في كل مكان يصر الموت على الزحف فيه إليها.
حية على الرغم من السرطان الذي أصاب قلبها حية على الرغم من اجتماع الأكلة إلى قصعتها حية على الرغم من الوهن والهوان اللذين يلفانها.
اسألوا ريم الرياشي عن هذه الأمة اسألوا كتائب الأقصى. اسألوا حناجر فرق الاعتصام، اسألوا فتيات وشباب الجاليات العربية والإسلامية المولودين في الغربة وهـم يهتفون في عواصم العالم بالروح بالدم نفديك يا أقصى اسألوا المسجد الحرام يلم ويجمع العشاق من كل فج عميق أتوه يجددون ولاءهم اسألوا رمضان المصر عامًا بعد عام على إثبات نظريته الخاصة عن وجود هذه الأمة وشبابها وحياتها وحيويتها وقدرتها على البقاء والثبات والاستمرار.
اسألوا كل صوت حر نظيف طاهر ينشد للأمل على الرغم من اليأس اسألوا كل قلب مقاتل بالكلمات.
اسألوا «ياسين» الطفل المغربي الصغير بسنواته الست الذي ولد وعاش كل حياته في مدريد والذي ذهب يحاول الخروج من بيته ذات فجر وقد حمل حقيبته على ظهره بعد أن حشى فيها أشياءه الخاصة، فلما أن هبت أمه من نومه فزعة وسألته إلى أين أنت ذاهب يا ياسين قال إلى القدس أساعد أطفالها في رمي الحجارة!.
اسألوا عبد الرحمن السوري الذي عندما سألته المعلمة في مدرسته في جزر الكناري بسنواته الثماني عن بلده وعاصمتها أجابها: أنا من بلاد العرب وعاصمتها القدس!.
اسألوا محمدًا الليبي ذا الثماني عشرة سنة عن إصراره على ارتداء ملابسه الوطنية يوم العيد في مدريد ثباتًا على هويته وانتمائه. اسألوا كل مصري ولبناني وعراقي ويمني وصومالي عن هذه الأمة وتاريخها وعن حياتها وحيويتها لتجدوا لحمة وسدة زاخرة بالحياة والإرادة والأمل.
١٤٢٥ عامًا من الحياة ومن القدرة الهائلة على التجديد الذاتي وابتلاع الغرباء.
١٤٢٥عامًا من التاريخ بحلوه ومره براياته البيض وأيامه السود، تاريخ اسألوا عنه ابن كثير الدمشقي واقرؤوه مرارًا وتكرارًا حتى تعرفوا هوية هذه الأمة التي حشرها البعض ستين عامًا في متاهات الشعارات وادعاءات الثورات وركوب الموجات وقمع الشعوب وشنق الأحرار وسجن كل من سولت له نفسه قول كلمة يعتقدها حقًا أو همزة أو لمزة يخفف بها عن نفسه عناء القهر أو نكتة يحلي بها مرارة أيام الصبر.
1425 عامًا من الهجرة المستمرة نحو الغد نحو المستقبل نحو العطاء نحو التغيير هجرات هائلة أحدثت في حياة البشرية انقلابات إنسانية وحضارية بالغة التأثير على الرغم من وهننا الحضاري في بعض الأحيان وتعبنا وارتكاستنا وتنكبنا عن حمل الرسالة حيناً، واستسلامنا لمن تفرعن علينا أحيانًا.
١٤٢٥عامًا لا تعني الكثير في حياة الوجود ولكنها على غاية من الأهمية في تاريخ الوجود الحضاري الإنساني الذي تركت فيه هذه الأمة بصماتها واضحة على كل شيء. وذلك على الرغم من تعطش الإنسانية إلى هذه اليد التي لم تعرف منها إلا بصمتها الحضارية، تعطشها إلى التعرف عليها، إلى كشف الزيف عن التشويه اللاحق بها تعطشها إلى الخير ينصب منها ينبوع عطاء لا ينضب.
إنه عام هجري جديد يأتينا في زمن محنة وقهر واحتلال وسقوط سقطت بغداد، وتسقط الحواري والشوارع المؤدية إلى القدس، وسقطت الشعارات التي حكمتنا بالحديد والدم والنار ستين عاماً، سقط الثوار والرفاق وانكشفت الأقنعة عن كل الوجوه واكتشفنا ضياع أموال الأمة وضياع قرن من حياة الأمة وضياع الهدف الرئيس من وجود الأمة، ونحن نعيش اليوم أعلى مرتبة من مراتب انتشار صحوة الأمة على هامش انتفاضة أهل الرباط في فلسطين المقدسة، وصدقوني إن هذه الصحوة المتعطشة إلى قيادة وترشيد وتوجيه، وتلك الانتفاضة الموصولة بحبل من الله وحبل من قلوب المؤمنين. هذه الصحوة وهذه الانتفاضة هما أكبر علامة فارقة اليوم لهذه الأمة لوجودها وحيويتها، وقدرتها على الوقوف على قدميها مرة أخرى من جديد، لتثبت للتاريخ أنها أمة لا يمكن أن تموت هذا ما يقوله التاريخ وما يؤكده الإنسان وهذا ما يخيف الآخرين الذين لا نكرههم ولا نريد أن نكرههم، كل ما في الأمر أنهم أتونا غازين وذهبنا إليهم مهاجرين، دعموا قتلة أنبيائنا وأطفالنا في القدس فذهب منا إليهم من أرهبهم وهز كيانهم.
حوار أليم ونزاع لن تنهيه قوة الجيوش ولا استكبار القوة في الأرض، حوار بين ١٤٢٥ عامًا من حضارة قاهرة بالكلمة والحق وثبات الإنسان وقدرته المذهلة على التغلب على ثقافة حب الموت لأنه وحده الذي ينتمي إلى أمة طالما طلبت الموت لتوهب لها الحياة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل