; 3 مفاجآت في السياسة السودانية.. لنـتناول إحداها: لقاء الترابي - المهدي .. لماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان 3 مفاجآت في السياسة السودانية.. لنـتناول إحداها: لقاء الترابي - المهدي .. لماذا؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1999

مشاهدات 56

نشر في العدد 1351

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 25-مايو-1999

المعارضة قرأت الخارطة السياسية جيدًا وأدركت أنها فقدت السند الدولي لقضيتها بينما كسبت الحكومة بعض المواقع السياسية.

الخرطوم : محمد طنون

مفاجآت في الحياة السياسية تحير ألباب المراقبين المهمومين بالشؤون السودانية وطلاسم لا يمكن فك ألغازها وكأن سحرًا أصاب البلاد ولا هاروت ولا ماروت يرقيها.

المفاجأة الأولى والأهم هي: لقاء الترابي والصادق المهدي في جنيف بعد تصريحات سالبة من الجانبين تؤكد الا لقاء ولا حوار بين الطرفين.

والمفاجاة الثانية، أو الأولى من حيث تاريخ الحدث - كانت سفر الفريق عمر البشير -رئيس الجمهورية - إلى الدوحة فجأة وتوقيعه اتفاقًا للصلح ولترميم العلاقات مع إريتريا.

والمفاجاة الثالثة: التصعيد الخطير للحرب في الجبهة الشرقية، حيث انطلقت المدافع تقصف الحدود الشرقية من داخل الأراضي الإرترية، والتصعيد المريب في الجنوب بالقرب من منابع البترول من فصيل موقع على اتفاقية السلام مع الحكومة، ويتبع لرئيس مجلس تنسيق الجنوب درياك مشار.

إنها مفاجآت تجعل الحكيم حيران.

الحدث الأول لقاء الترابي والصادق ربما كان سيد الموقف، فالشعب السوداني شعب يعشق السياسة، يفطر ويتغدى ويتعشى بها، وهي ظاهرة ليست إيجابية في كل حال، ولكن هذا هو الحال، وهذا اللقاء وجبة دسمة على مائدة السياسة السودانية، ولاسيما أن أجندة الاجتماع غير معلنة، وما دار في الاجتماع بعيدًا عن أعين الناس، ومن وراء البحار ظل سرًّا مكتومًا باتفاق الطرفين، وكل ما وصف به الاجتماع أنه لقاء أسري سياسي فكري، هكذا وصف د حسن الترابي اللقاء.

الجميع رحب باللقاء ما عدا اليسار السوداني المتمثل في الحزب الشيوعي الذي أصابه الرعب والقلق، وإن كان البعض يتوقع مثل هذا اللقاء الفجائي فهو ليس غريبًا على الصادق المهدي الذي يفاجئ الجميع بالأحداث غير المتوقعة، وأهمها وأشهرها لقاؤه مع الرئيس الأسبق جعفر نميري في صيف عام ١٩٧٧م ببورسودان بعد قطيعة دامت ثماني سنوات تخللتها مواجهات دامية بين الفريقين، فهلعُ اليسار الشيوعي مبرر ومفهوم لأن بناء التجمع سينهد بانهيار الركن الأساسي من حيث الثقل الشعبي والفكري، والبناء إذا ما انهدم من جانبه لا يأمن الناس أن ينهد باقيه.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو هل اللقاء المفاجأة شخصي وأسري حقيقة أم أن الرجلين يمثلان كياناتهما السياسية؟

بالنسبة للدكتور الترابي فلا مجال للحديث عن أنه يمثل شخصه وأسرته ليكون اللقاء أسريًّا بحتًا لكون السيدة وصال المهدي حرم د. الترابي وشقيقة السيد الصادق المهدي كانت حاضرة وشاهدة اللقاء، وربما كان لها دور كبير في ترتيب اللقاء، ولا شك في أن الدكتور يمثل الحركة.

التي يقودها، والكيان السياسي الجديد الذي هو أمينه العام، فهو مفوض لحوار أي طرف يقبل الحوار بالثوابت المضمنة في الدستور، والتي لا تراجع عنها، وأهمها، بل الثابت الوحيد الأهم فيها الشريعة الإسلامية، فأي تراجع عنه ولو جزءًا طفيفًا تفقد الإنقاذ مبرر وجودها، وتجعل دماء الشهداء من الشباب والشيب وكأنها أريقت هدرًا، فضلًا عن أن التراجع خيانة لله ورسوله.

د. الترابي نفسه دعا المهدي والميرغني في آخر تصريح له أن يسيروا مع الإنقاذ على طريق الشريعة، وتراث الآباء الذين جاهدوا من أجل رفع راية الإسلام.

إذن لا مجال للقول إن الترابي قطع البحار طائرًا وحط في جنيف لمجرد لقاء عائلي خاص فالعلاقات الأسرية والاجتماعية لم تنقطع أبدًا. وهي سمة خاصة بالسودانيين الذين لا تفسد خلافات السياسة العلاقات الخاصة والعامة بينهم، ونعيد إلى الأذهان هنا أن السيد الصادق المهدي خرج من السودان عصرًا في عملية تهتدون إلى أسمرا في عقد قِران كريمته بينما الترابي، والرئيس عمر البشير يحضران المناسبة في منزله ويتناولان المرطبات.

إذا أكدنا أن د. الترابي يمثل المؤتمر الوطني وتشاور مع المكتب القيادي قبل سفره وطرح ثوابت الإنقاذ على طاولة الحوار، فهل السيد الصادق المهدي يمثل التجمع والمعارضة، أم يمثل حزب الأمة «غير المتوالي» فقط، بعد أن وضح أنه لا يمثل كل الأنصار بعد الانشقاقات الخطيرة التي حدثت بينهم؟ هل حمل معه ميثاق أسمرا أم أن له رؤية خاصة بعيدًا عن التجمع والميثاق، أم حمل مذكرة ديسمبر للمعارضة؟

يبدو للمراقب المحايد أن السيد الصادق المهدي طار إلى جنيف ممثلًا لحزبه، يتضح ذلك من التصريحات التي أدلت بها قبائل اليسار في التجمع، حيث أنكروا علمهم باللقاء وأصلًا لم تكن علاقات حزب الأمة عامرة بالحزب الشيوعي السوداني وممثليه في التجمع، وواضح أن كلًا منها يتربص بالآخر، ولكن من المؤكد أن السيد المهدي قد أعلم السيد محمد عثمان الميرغني بنيته للذهاب إلى جنيف للقاء الترابي، فالسيد المهدي كان في طرابلس وجاء إلى القاهرة والتقى السيد الميرغني - زعيم طائفة الختمية والحزب الاتحادي - ولكن هل كان يحمل السيد المهدي ميثاق المعارضة ومذكرتها التي تنص على فصل الدين عن الدولة، وإقامة نظام علماني في السودان؟

تصريحات د عمر نور الدائم المقيم في أسمرا، وهو الأمين العام لحزب الأمة، وأحد

المقربين للسيد الصادق المهدي تلقي ضوءا على طبيعة اللقاء، فقد قال دنور الدائم إن اللقاء يمثل خطوة إيجابية في اتجاه الحل السلمي، وأن اللقاء جاء في وقت يستوجب جمع الصف وتوحيد الكلمة، وإنهاء حالة الصراع بين الحكومة والمعارضة، وأضاف: إن المطلب الخاص بالمؤتمر الدستوري لا يمكن أن يشكل عائقًا إذا تم التوصل إلى حلول في إطار آخر مقبول من الطرفين، وهذه التصريحات تعد تراجعًا عن الإصرار على عقد مؤتمر دستوري لمناقشة قضايا السودان.

السودان يحتاج إلى مثل هذا الحوار فالأخطار تحيط بالبلاد وأكثرها خطورة تلك التي تهدد السودان في وحدته، حيث تعمل جهات خارجية وداخلية على فصل جنوب السودان عن شماله وإقامة دولة جنوبية نصرانية بقيادة جون جارانج، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري في المقام الأول إذا سيطرت مثل هذه الدولة على البحيرات العظمى بالتنسيق مع أوغندا.

الحكومة تحبذ مثل هذا الحوار في عهد التوالي - والحريات الواسعة نسبيًّا بالمقارنة مع دول العالم الثالث - وإن لم يرض هذا طموح المعارضة المسلحة المتمركزة في أسمرا، والقاهرة، ولندن، الحكومة محتاجة إلى تهدئة الأوضاع حتى تحفظ للبلاد وحدتها في ظل سلام حقيقي متين ليدخل السودان عهد النفط الذي أصبح واقعًا بعد اكتشاف كميات تجارية، واقترب موعد التصدير للخارج في يونيو القادم، ولن ينعم السودان بخيرات باطن الأرض إلا إذا هدأت الأحوال الأمنية في الجنوب والشرق والغرب، وقد حدثت فعلًا اشتباكات خطيرة عند منابع البترول بولاية الوحدة، كما وقع هجوم في الشرق على طريق التصدير فكيف تتغير الخارطة الاقتصادية في خضم هذا الصراع العاتي؟

الحكومة لابد أنها قرأت هذه الأوضاع جيدًا واستحسنت التحرك نحو الحوار مدركة خطورة الموقف المستقبلي.

أما المعارضة فهي في وضع لا تحسد عليه من تمزيق وصراعات بين أجنحتها

المتناقضة التي لا تجمعها إلا كراهية الإنقاذ وتوجهها الإسلامي والعلاقة بين حزب الأمة والشيوعيين في أسوأ حالاتها بعد التراشق الإعلامي بين الفريقين فضلًا عن التفكك الحاصل.

ولا شك في أن المعارضة، وبالذات الصادق المهدي قد قرأ الخارطة السياسية جيدًا، فأدرك أن الحكومة كسبت بعض المواقع السياسية محليًّا ودوليًّا، في حين أن المعارضة تراجعت وفقدت السند الدولي لقضيتها، حيث فتر الحماس عند من كانوا ناشطين لإسقاط النظام.

كما أن تحسن العلاقات السودانية مع دول الجوار إثيوبيا، وإريتريا، ومصر يشكل خسارة للمعارضة التي كانت تستفيد من تدهور العلاقات مع هذه الدول، كما تحسنت علاقات النظام مع الدول العربية قاطبة، وحتى الدول الأوروبية بدأت تتفهم قضايا السودان أكثر وتتعامل معها بموضوعية، هذا كله رصيد في حساب الحكومة خصمًا من رصيد المعارضة، ولكل هذه الأسباب الظاهرة وأخرى خفية قبل السيد المهدي لقاء صهره د. حسن الترابي في جنيف.

مازال الوقت مبكرًا لمعرفة ما إذا كان لهذا اللقاء ثمرة حان قطفها أم لا، ولكن لاشك فإن كل وطني غيور على وطنه يتمنى أن يتحقق الوفاق والمصالحة ويعود أقطاب المعارضة ورموزها الوطنيون إلى البلاد، إما للمشاركة بقدر معلوم وإما للمعارضة الشريفة التي لا ترتبط بجهات أجنبية تمهد للتدخل الدولي الذي لا يرغب فيه المخلصون.

حكاية أخت اسمها مروة

في سالف العصر والأوان اعتدنا سماع قصص وحكايات بعضها حقائق وتاريخ يبثها الأجداد في روعنا ليغرسوا فينا قيمًا ومعاني، وبعضها خيال جانح، وأوهام تهدف إما إلى التنويم أو الرعب.. وكنا على أي حال نصدق هذا وذاك.

كنا نسمع عن عنترة وشجاعته، وعن حاتم وكرمه، وعن الحجاج وعنفه، وعن اليهود ومكرهم، وعن العثمانيين وفتوحاتهم، وعن الغرب وتقدمه، وعن الشرق وتخلفه.. وعن الشاطر حسن، وعن السندباد، وعن تاج محل وناس تركب الأفيال.

ثم جاء زمان قرأنا عن عنترة وأنشدنا قصائده ورأينا بيوت الكرام تفتح كما لو كان حاتم عاد من قبره، وشاهدنا أفلامًا تحكي رحلة ابن بطوطة والسندباد، وأسمعنا الراوي في الإذاعات عن أبو زيد الهلالي والزناتي خليفة.

وعلمنا الشيخ أن هارون الرشيد كان يقول للسحاب أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك، وسمعنا عن خيانة بدران لصديقه أدهم الشرقاوي.. ولكننا لم نسمع عن حكاية امرأة أو سيدة، أو بنت مثل حكاية الفاضلة مروة التركية.

ربما يختلف الساسة حول الحكم وأساليبه، ربما تصاغ المؤامرات حتى لا يصل أنصار التيار الإسلامي إلى الشعب، ربما يزج بهم في السجون بعد محاكمات عسكرية أو مدنية أو بدون محاكمات على الإطلاق.

ربما تتم قصقصة المناهج من أجل تجفيف المنابع، ربما يتم تأميم المساجد والخطباء، ربما يحارب الإسلام بدعوى محاربة الإرهاب، لكن أن تجتمع حكومة وأحزاب أن ترتفع الحناجر في البرلمانات: أخرجوا مروة.. أخرجوا مروة.. هذا والله حديث عجاب، لو حكي لنا ونحن أطفال ظننا أن ذلك كان قبل الإسلام، وربما قبل الأديان، أن تجمع الحكومة والرئيس والأحزاب والجيش على امرأة لكي تتنازل عن سترها، وأن تساوم على منصب في البرلمان بدون حجاب.. من يصدق لو قال أحدهم إن امرأة تحرش بها بعض عتاة الإجرام في أحد الشوارع وساومها، وقاومت لقلنا في صعيد واحد «مجرمين يجب أن يقدموا إلى المحاكمة»، ولكن ماذا نقول في بني عسكر وبني فساد؟

هل يعقل في زمان الحريات اللامحدودة أن تحرم امرأة من ارتداء ما تريد وما يريد الرب تعالى؟

ما الفرق بين الذي يحدث الآن وما حدث من قبل يوم أن كشف أحد اليهود عورة امرأة مسلمة وهي بالسوق بعد أن ربط مؤخرة ثوبها لأعلى في غفلة منها، ما الفرق بين هذا الذي يجري مع مروة، ومع المرأة التي صرخت وامعتصماه في بلاد الروم لأن أحدهم تعرض لها؟

كيف تسكت الأمة؟ لماذا لم تخرج فتوى دينية - لا سياسية - تدين ذلك وتجرمه؟ من الذي يكره فتاة على الغواية؟ 

من الذي يريد أن تشيع الفاحشة في نساء المؤمنين؟ ما الفرق بين ما تفعله تركيا مع مروة، وما تفعله صربيا والكنيسة الصربية مع المسلمات في البوسنة وكوسوفا؟

أولسنا نصرخ ليل نهار نساء المسلمين يغتصبن في كوسوفا والبوسنة: «أنقذوا عوراتنا من أيدي الكفار والمجرمين»؟

هل يعقل في زمان المواطنة والتسامح الوهمي أن تتحدى دولة امرأة، وبعد أن فشلت في أن تنزع عنها حجابها، نزعت عنها جنسيتها، وكأنها منحة أهديت لها، من هذا الرئيس أو ذاك، يمنحها متى شاء وينزعها متى أراد؟ لماذا لم تتحرك أوروبا ومفوضيتها العليا لحقوق الإنسان؟ أين أوروبا وأمريكا وامرأة تساوَم على شرفها، ولكن لماذا إذا عم الخطب وحلت المصيبة ننادي أمريكا وأوروبا، ربما لأن البقية الباقية من النخوة مازالت باقية في بعض قوانين أوروبا.

ألا تستحق مروة مؤتمرًا للنصرة؟

إن كانت لا تستحق أو يعتبر البعض ذلك تدخلًا في الشؤون الداخلية لتركيا، فقل على هذه الأمة السلام، ولكن أي سلام وامرأة تقاتل وحدها في الميدان، وأي حياة ونحن نتدثر بالصمت المميت ونصم آذاننا عن صرخات امرأة تقف في خندق الفضيلة وخلفها ألف ذئب، ومازلنا نصفق لشجاعتها .. كفانا فرجة وتصفيقًا.

الرابط المختصر :