العنوان «أزمة الإرادة والوجدان المسلم»
الكاتب صدقي محمد البيك
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2006
مشاهدات 71
نشر في العدد 1695
نشر في الصفحة 54
السبت 01-أبريل-2006
البعد الغائب في مشروع إصلاح الأمة
مرت الأمة الإسلامية في مرحلة من الركود والخمول والتخلف، في وقت تسارعت فيه خطوات التقدم عند الأمم الأخرى، واستدعى هذا من المصلحين أن يدعوا أمتهم إلى اليقظة والنهوض، ولكن حالت دون نجاح هذا المشروع الإصلاحي أسباب عديدة، وجاء مفكرون وسيجيء آخرون يتلمسون أسباب الإخفاق، ويضعون علاجًا للأمة ويرسمون لها الخطط حتى تصل إلى ما يصبون إليه.
ومن هؤلاء الدكتور عبد الحميد أحمد أبو سليمان في كتابه «أزمة الإرادة والوجدان المسلم» يبحث فيه عن «البعد الغائب في مشروع إصلاح الأمة» منطلقًا من «رؤية إسلامية معاصرة».
وقد لمس الدكتور عبد الحميد جراح الأمة وكشف عن غياب الجانب التربوي للطفل المسلم، ووضع لها العلاج والحل في بناء الطفولة وتكوين الأسرة المسلمة.
وهو يسترشد في خطواته المنهج الإسلامي في غاياته الكلية الروحية والأخلاقية، هذا المنهج المتسم بالشمولية وأخذ الأولويات بعين الاعتبار؛ وجعل غايته من كتابه «أن توضع قضية الطفولة ودور الفكر التربوي بشأنها على مائدة الدراسة والنظر».
تشخيص الداء
وفي الفصل الثاني من كتابه يشخص الدكتور عبد الحميد أعراض الداء الذي أصاب الأمة، ويحدد أوجه القصور التي أسهمت في تعويق جهود الإصلاح عن تحقيق أهدافها، ويكشف ستة تشوهات وانحرافات أصابت فكر الأمة وثقافتها.
أولها تشويه الرؤية الكلية:
فالرؤية القرآنية للكون تتصف في الأصل بالشمول والوضوح والإيجابية والتلقائية الفطرية، وتتناول ثلاث قضايا أساسية هي الغيب والحياة والمآل. هذه الرؤية أصيبت، على أيدي مفكرين منعزلين يركزون على حالات فردية في المجتمع، أصيبت بتشوهات أسهمت في ذبول روح الإسلام وقوة دفعه، وتمثل ذلك بكتب الفقه والكلام التي جعلت «الشغل الشاغل للعاكف في المسجد محصوراً في العبادات بأدق تفاصيلها. وجعلت شؤون الحياة والعمل والاستحلاف شؤونًا فردية بعيدًا عن شؤون الحياة العامة أو السياسية». ثانيها التشوه المنهجي:
فقد تحول الفكر الإسلامي إلى فكر نظري غارق في التأملات النظرية بعيداً عن الحياة الاجتماعية ممارسة وتطبيقًا.
والثالث تشوه المفاهيم:
فمفهوم العبادة تحول من تعبير العباد لله إلى الاستعباد (للعبيد) متمثلًا في القهر النفسي والإذلال والحجر على التفكير والبحث والتخلي عن التزام مبادئ العدل والمساواة ومبدأ الاستخلاف في الأرض.
والرابع تشوه الخطاب:
الذي تحول من خطاب فكر واقتناع.. إلى خطاب إرهاب وقهر، مستغلًا أحاديث آحاد موجهة أصلاً إلى الجاحدين والكفار وموجهًا إياها إلى عامة الأمة، ليضم هذا الإرهاب إلى إرهاب الصفوة الحاكمة.
والتشوه الخامس:
تشوه العقلية بسيطرة الشعوذة والخرافة عليها، باستغلال بعض نصوص قرآنية عن الجن ومسهم للبشر، ووضع هذه النصوص في غير موضعها.
والتشوه الأخير هو تشوه الرابطة بين أفراد الأمة وتحولها من رابطة تقوم على الإيمان وحب الله والرسول إلى دعوة عرقية عصبية قومية مزقت الأمة.
هذه التشوهات أثرت على بناء الأمة النفسي وأدت إلى استمرار التخلف وعجز المصلحين عن الإصلاح. الطفل قاعدة الانطلاق
وفي الفصلين التاليين ركز الدكتور عبد الحميد على البعد الغائب في مشروع الإصلاح، وهو أن الطفل هو قاعدة الانطلاق، وأن الحل الأساسي يقوم على بناء الطفولة بناء سليمًا صحيحًا في محضنه المناسب. فقد اعتمدت حركات الإصلاح السابقة وخلال قرون على إصلاحات فكرية أو سياسية أو إدارية تتناول السطح والأغصان وتهمل إصلاح الجذور والأعماق والبذور (أي الطفولة)، التي تشكل الأسس لكل أمة، فجل المصلحين الإسلاميين في القرنين التاسع عشر والعشرين لم يضعوا أيديهم على أسس الداء ولم يلتفتوا إلى قضية الطفل المسلم، وهو الجندي المجهول، بصفتها وسيلة أساسية لإحداث الإصلاح والتغيير المطلوب. وكانت تربية الطفل مركزة على أبناء الخاصة لتأهيلهم بالنصائح لملء المراكز الموقوفة عليهم، وعلى أبناء العامة بتعليمهم شيئاً من القرآن والحساب والقراءة وحفظ المتون، بعيدًا عن التركيز على تنمية الوعي والقدرات الإبداعية والفهم العميق والاستنباط الدقيق... ويضرب مثلاً ونموذجًا على الحاجة إلى هذا الاهتمام ما حل ببني إسرائيل عندما عصوا أمر الله فقضى عليهم بالتيه أربعين سنة، لينشأ في هذه الفترة جيل لم يتلوث بالفسق والعصيان الذي شمل كل أبناء الأمة، جيل تخلص من تشوهات العقل والوجدان، فكان جيلًا جديرًا بأن تكون الفئة القليلة منه قادرة على إلحاق الهزيمة بفئة كثيرة من الجبارين!! ولذلك يرى الدكتور أن الحل الأساسي لمأساة أمتنا يكمن في بناء الطفولة، فيحدد أبرز التحديات وهو تحدي القدرة العلمية التكنولوجية التي أخضعت قدراتها الهائلة شعوب العالم الإسلامي وقهرتها... وامتلاك هذه القدرة لا يكون باستيراد المعدات، بل يتم ثقافياً وتربوياً بتطوير العقلية العلمية وتنمية الإبداع.... ولكي تتمكن الأمة من مواجهة هذا التحدي لا بد لها من التصدي للإشكال الثقافي والإشكال
التربوي: أما الإشكال الثقافي فيجعل بإدراك أن الإسلام دين العقل والعلم ويرفض الخرافة وادعاء علم الغيب، ولو أدى ذلك إلى نقد النصوص (في الأحاديث) سندًا ومتنًا، ويذكر نماذج على ذلك. والإشكال التربوي يحل بوضع نهج قويم يهتم بتكوين الطفل واحترام تساؤلاته وعدم إلزامه بالحفظ والتقليد، وباستلهام الخطاب النبوي للطفل المبني على الرفق به والحب له واحترامه وتشجعيه، وبجعل منهجه عليه السلام منطلقاً لنا وقدوة في التربية، وبأخذ مراحل نمو الطفل بعين الاعتبار فمرحلة ما قبل السابعة تستجيب للمناغمة والتعويد وتتسم بالحاجة إلى تكوين أبسط الخبرات وتكرارها... والمهم فيها أن يألف الطفل مربيه حتى يتحقق عنده حس الأمن... ثم تأتي مرحلة التمييز حوالي السابعة من العمر، وهي تستلزم الحب والمودة وتستدعي الاستمرار في المتابعة بصبر، والاستمرار في تعويد الطفل العادات الصحيحة... ومع بلوغه العاشرة تبدأ مرحلة النضج الجسدي والنفسي فيعود على تحمل تكاليف المسؤوليات والتطلع للسبق والتميز والإبداع... أما مرحلة المراهقة فيتعرض فيها الطفل لتغيرات جسدية ونفسية وعاطفية... قد تدفعه إلى الانطواء أو إلى العصيان الانفلات....
الأسرة المسلمة منبع الوجدان
الأسرة هي التي تستطيع أن تقوم بدور تكوين الجيل الكامل دون انعزال في بيئة مغلقة
وفي الفصل الخامس يتحدث الدكتور عبد الحميد عن المحضن الذي يُنشأ فيه الطفل، ولتكون هذه التنشئة إسلامية صحيحة ينبغي أن يكون المحضن قبل ذلك سليمًا، والطفل البشري أحوج صغار المخلوقات الحية إلى من يرعاه جسدياً لأطول مدة، وهو الوحيد من هذه الصغار الذي تلزمه التربية الروحية ويعتمد فيها كلياً على غيره.
والأسرة هي المحضن الذي يكن له كل حب وحرص على رعايته في الجانبين. ومن هنا كان اهتمام الإسلام بتكوين الأسرة على أسس سليمة تحفظ لها الصلاح والدوام. فوضع لها قواعد البناء على الرضى والود والتكامل والنظام وتحديد حقوق وواجبات كل طرف فيها، فللزوج الأب دور ومكانة وعليه مسؤوليات، وللزوجة الأم دور ومنزلة وحقوق وواجبات، وللأبناء كذلك حقوق وواجبات، وبين الجميع علاقات روحية عاطفية تسمو على المادة وتقوم على المحبة والاحترام.
ويتوقف الدكتور عبد الحميد عند عمل المرأة خارج الأسرة فيرى أن إخراج المرأة للعمل بنفس شروط وترتيبات عمل الرجل، على شاكلة تعامل الغرب مع المرأة، يؤدي إلى تفكك الأسرة، وتخلي المرأة الأم عن دروها الأساسي في الأسرة وهو رعاية الطفل وتربيته التربية الصحيحة، و المرأة ليست مثيلًا للرجل، فلكل منهما طبيعته وخصوصياته، وهما متكاملان وليسا متماثلين.... ولذلك لابد من تنظيم عمل المرأة بحيث لا يلغي عملُها في الخارج دورها الأساسي في الأسرة أو يلقي هذا الدور على غيرها من النساء. وغني عن القول أن تكون (الأم) مؤهلة عقيدة وتربية لتربية أطفالها التربية القويمة.
«سيناء» العصر الحديث
ويرى الدكتور عبد الحميد أن الأسرة هي التي تستطيع أن تقوم بدور تكوين الجيل الكامل الجديد ( كجيل سيناء في عهد موسى عليه السلام) من غير انعزال وانحصار في بيئة مغلقة، بعد أن صرنا نعيش في عالم زالت منه الحواجز وسيطرت عليه أجهزة الاتصال الفضائي والإلكتروني، ففي الأسرة تتمثل (سيناء) تلك. ولابد من أن يكون إلى جانب الأسرة أنظمة ومؤسسات تتبع وتدعم عمل الأسرة وتكمله، فالأنظمة وقياداتها وأجهزة الإعلام المختلفة والمدارس ومناهجها والجامعات، ما كان منها رسميًا أو خاصًا. يجب أن تؤدي دورها في إعداد الآباء والأمهات إعدادًا قويمًا، وإتمام ما بدأت به الأسرة من تنشئة صالحة للأطفال ، ولا يغفل الحديث عن دور المعلم الهام والرديف لدور الأم في التربية، ولثقافة هذا المعلم ووسائله وصلاحه وإخلاصه دور كبير في تنمية وجدان الطفل ومداركه.
خطة العمل
وأخيرًا يصل الدكتور عبد الحميد إلى وضع خطوات في هذه الخطة ذات الجبهات المتوازية والمتكاملة، فيجعل الخطوة الأولى توعية المثقفين والمفكرين بطبيعة المشكلة وأبعادها وبأهمية تربية الطفل نفسياً ووجدانيًا ومعرفيًا. والخطوة الثانية تشجيع الفكر الإسلامي العلمي الناقد لاسترداد الرؤية الإسلامية الشمولية، ثم التنقية الثقافية التي تقضي على فكر العنصرية والخرافة، وإصلاح التربية للطفل بتهيئة المحضن الواعي السليم والمدرسة والجامعة اللتين تلتزمان بالنهج الإسلامي والفهم الواعي.
كما يحسن إنشاء مؤسسات متخصصة في دراسات الطفولة وتنميتها ورعايتها. وقد آن لأمتنا أن تدرك أهمية هذه الأمور لتتمكن من السير على الطريق المستقيم الموصل إلى النهضة واستعادة دور الأمة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل