العنوان بعض ما يجري حول السودان
الكاتب محمد صلاح الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1239
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 25-فبراير-1997
أفكار للتأمل
أقدم الصادق المهدي زعيم طائفة الأنصار ورئيس حزب الأمة السوداني منذ مغادرته للسودان إلى الخارج قبل أسابيع على خطوتين هامتين تمثلان شخصية الرجل وتجسدان نهجه السياسي، وهما خطوتان تستحقان في جميع الأحوال أن تكونا موضع تأمل عميق.
فقد أصدر الصادق نداء يدعو فيه القوات المسلحة السودانية إلى قلب الحكومة الحالية والاستيلاء على السلطة، في وقت يحاول أن يقدم نفسه للعالم كرئيس وزراء منتخب تمت إزاحته بالقوة الغاشمة، وأنه هو الذي يمثل الشرعية في السودان، وليست حكومة عمر البشير التي اغتصبت السلطة حسب دعواه.
وبغض النظر عن التناقض الجذري الذي تكشفه هذه الخطوة بين دعاوى المهدي الديمقراطية وإدراكه السياسي؛ حيث ينادي بانقلاب عسكري إذا كان ذلك في مصلحته متناسيًا دعاواه السابقة عن الجهاد المدني والإصلاح من الداخل، فإنه ليس من الحصافة السياسية أو حتى اللياقة دعوة القوات المسلحة في أي بلد إلى انتزاع السلطة وتغيير الحكم وإحياء مبدأ اشتغال الجيوش بالسياسة بعد كل التجارب المروعة التي عاشتها المنطقة العربية من جراء ذلك، كما لا توجد حكومة عربية واحدة حتى ولو كانت عسكرية يمكن أن تشعر بارتياح نحو هذه الدعوة أو أن تنظر بعين التقدير إلى أصحابها خاصة إذا كانوا يتلبسون بمسوح الديمقراطية كالصادق المهدي.
ويبدو واضحًا من جهة أخرى أن الصادق المهدي قد نسي تمامًا ما روج له وأكده مرارًا في الكثير من أحاديثه من أن الجبهة الإسلامية قد أبعدت عن القوات المسلحة السودانية كافة الضباط الذين ينتمون لاتجاهات أخرى، ولم يبق غير ضباط الجبهة، مما يجعل نداءه ضربًا من العبث السياسي أو الاستهلاك الإعلامي غير المسؤول الذي يؤذيه هو شخصيًّا أكثر مما يفيده.
لكن تلك الدعوة تبدو أهون بكثير من الخطوة الثانية التي أقدم عليها الصادق المهدي بتقديمه أسئلة مكتوبة إلى شيخ الجامع الأزهر في مصر يستفتيه في شرعية النظام الحاكم في الخرطوم ورأي الإسلام في سياسته.
قد يكون مثل هذا الاستفتاء جائزًا دينيًّا بشروط كثيرة، لكنه أمر بالغ الخطورة سياسيًّا من أكثر من وجه، فهو يفتح الباب على مصراعيه؛ لأن تتقدم فئات المعارضة من مختلف البلدان العربية بطلب فتاوى مماثلة، فيتلقى شيخ الأزهر طلبات فتاوى عن شرعية نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، ونظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، ونظام الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ونظام الرئيس حافظ الأسد، وربما نظام الرئيس حسني مبارك نفسه وغيرهم.
لكن الأخطر من ذلك أن الصادق المهدي بطلبه والأزهر بقبوله سيعيدان المنطقة من جديد إلى فتنة تكفير الحكام والحكومات، وهو ما حاكمت السلطات المصرية من أجله عددًا من الجماعات، وأصدرت بسببه الكثير من أحكام السجن والإعدام.
وإذا كان الصادق المهدي إنما يخدم بطلبه هذا أهدافه الحزبية الطائفية بأسلوب انتهازي قصير النظر عديم الحصافة واللياقة، فكيف يتقبل الأزهر منه مثل هذه الفتوى كما تحدثنا الأخبار، ويطلب كتابة الأسئلة ويحيلها شيخ الأزهر إلى لجنة الفتوى، دون تقدير للمحذورات الدينية والعواقب السياسية، وما قد يؤدي إليه فتح هذا الباب من فتن للعباد والبلاد؟ ومساس بمكانة الأزهر واستخدامه مطية للألاعيب السياسية وسلاحًا للكيد الحزبي هنا وهناك.
هل يحق لنا بعد هذه البدايات المؤسفة لنشاطات الصادق المهدي في منفاه أن نقول: إن بقاءه في الخرطوم كان أستر لعوراته وأسلم للمعارضة السودانية من نزواته وتقلباته، وأكرم للعرب من ابتلائهم برؤية المزيد من الهزال السياسي والكيد الحزبي في هذه الظروف المأساوية التي تحيط بالعرب والمسلمين؟!
ولعل من سوء حظ السيد الصادق المهدي زعيم طائفة الأنصار وحزب الأمة السوداني أنه ليس نجمًا جديدًا صاعدًا في سماء السياسة السودانية أو العربية يمكن أن تفيده الأضواء المبهرة التي تحاول بعض الصحف العربية أن تغمره بها صباح مساء، أو أن تغير من سجله الطويل المقالات السياسية والفكرية المطولة التي تنشرها له نفس هذه الصحف، فالصادق المهدي كزعيم سياسي ورئيس وزراء سجل سياسي عمره أكثر من ثلاثين عامًا، لخصته هيئة الإذاعة البريطانية في كلمتين: الفشل والفساد.
لكن من الإنصاف القول بأن سوء حظ الصادق المهدي هو من صنع يديه وحده ومن اختياره دون سواه، فحين اضطر الصادق خلال رئاسته الأخيرة للوزارة السودانية التي انتهت بثورة الإنقاذ عام ۱۹۸۹م إلى الرضوخ المطالب الانفصالي المتمرد جون قرنق خاصة قبول ما يسمى بتقرير المصير للجنوب، كان هذا الأخير قد أفلح في قهر القوات السودانية وإذلالها بالهزائم المتتالية؛ لأنها كانت قد وصلت في عهد الصادق المهدي إلى أدنى درجات الضعف؛ حتى لم تعد تجد أحذية للجنود، فضلًا عن الذخيرة ووسائل النقل والسلاح؛ مما سهل على جون قرنق احتلال رقعة هائلة في الجنوب السوداني تعادل مساحة القطر المصري كله.
ومهما يكن موقف المرء من النظام الحاكم في الخرطوم، فلابد من الاعتراف بأنه أفلح في قهر التمرد الانفصالي في الجنوب وبسط السيادة الوطنية عليه لأول مرة منذ أيام الاحتلال البريطاني، الأمر الذي فشلت فيه كل العهود السابقة خلال عشرين عامًا، بل وأمكن تمزيق حركة التمرد وانفضاض العديد من أجنحتها وقادتها وانفصالهم عن الحركة، وأصبح جون قرنق اليوم لاجئًا يتنقل بين فنادق العواصم الإفريقية هنا وهناك.
غير أن الصادق المهدي لم يفلح عند خروجه من السودان إلى إريتريا ثم القاهرة في أن يستثمر هذا الانقلاب الجذري في موازين القوى فتقبل من جون قرنق المهزوم الفار ما سبق أن قبله من جون قرنق المنتصر المسيطر على جنوب السودان، بل ورضي بقيادة هذا الانفصالي للجناح العسكري لما يسمى بتجمع القوى السودانية المعارضة.
والأدهى من ذلك محاولة الصادق إقناع الحكومة المصرية بمبدأ تقرير المصير للجنوب ودفاعه العلني عن ذلك، لكن القاهرة رفضت بحزم؛ لأنها تعلم أن ذلك هو المنطلق الأساسي للانفصال وتقسيم السودان.
واضح إذن أن الانفصالي جون قرنق لايزال صاحب اليد العليا فوق أحزاب وطوائف المعارضة السودانية الشمالية حتى وهو طريد لاجئ، كما كان صاحب اليد العليا وهو مسيطر على الجنوب ومنتصر على الجيش وهم يتربعون على سدة الحكم، وأنه يمسك وحده اليوم بمعظم أوراق اللعبة السياسية من خلال القيادة العسكرية التي لا يتعدى وجود المعارضة السودانية في صفوفها مجرد الاسم، الأمر الذي يدل على عجز المعارضة الشمالية عامة وعدم فعاليتها، وعجز الصادق المهدي وخيبته على وجه الخصوص.
ومن المؤسف أنه لم يتوفر للصادق المهدي أو لأي من زملائه من المعارضة الشمالية الشجاعة الأدبية التي توفرت للعديد من زملاء قرنق ومساعديه في قيادة فصائل الحركة الشعبية في الجنوب الذين أعلنوا انفصالهم عنه وأدانوا سياساته وأهدافه ووقعوا اتفاقيات للسلام مع الخرطوم، وحققت لهم الكثير من مطالبهم دون إراقة للدماء أو تمزيق لوحدة البلاد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل