; الجزائر: احتفال في باريس.. وحداد في الجزائر.. نقيضان في ذكرى 8 مايو 1945م | مجلة المجتمع

العنوان الجزائر: احتفال في باريس.. وحداد في الجزائر.. نقيضان في ذكرى 8 مايو 1945م

الكاتب حميد زناز

تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009

مشاهدات 59

نشر في العدد 1859

نشر في الصفحة 28

السبت 04-يوليو-2009

  • فرنسا الدولة الاستعمارية الوحيدة التي كرست تفسيرًا رسميًّا مغلوطًا لماضيها الاستعماري من خلال قانون 23 فبراير 2005م.
  • لا تزال أغلبية نساء مناطق «سطيف» و«قالمة» و«خراطة» حتى اليوم يرتدين السواد منذ وقوع تلك المجزرة.

في الثامن من مايو، يحتفل الفرنسيون سنويًّا بذكرى سقوط النازية، وتحرر وطنهم من قبضة الألمان وهو اليوم نفسه من عام 1945م الذي ارتكبت فيه بلادهم جرائم فظيعة في مناطق «سطيف»، و«قالمة»، و«خراطة» (شرق الجزائر)، وكان يومًا مشهودًا قتل فيه ما يزيد على 45 ألفًا من سكان هذه المناطق (1)؛ بغية كسر الشوكة الوطنية للشعب الجزائري، الذي لم ينقطع عن المطالبة بالعدالة ومقاومة الظلم منذ احتلال أول شبر من أرض وطنه عام 1830م.

وقد ضحّى آلاف الجزائريين بأرواحهم من أجل دحر الفاشية والنازية، واغتنم إخوانهم فرصة انتصار الديمقراطية فخرجوا في مظاهرات معبرين عن فرحتهم بسقوط الدكتاتورية، وتذكير فرنسا والعالم كله بحق الجزائر في التحرر من الاستعمار الفرنسي.. رفعوا الراية الوطنية لأول مرة عالية في سماء الجزائر، في تحد واضح لأسلحة الجيش الفرنسي الفتاكة التي كانت تنتظرهم بكل حقد.

لم يطالبوا سوى باستقلال وطنهم وتطبيق مبادئ الحرية التي رفعها الحلفاء كشعار طيلة الحرب العالمية الثانية.. وانتفض الجزائريون عبر الوطن كله ابتداء من أول مايو، ولكن المسيرات تركزت في مدينة سطيف»؛ لأنها كانت المقر الرئيس لحركة «أحباب البيان والحرية»، ولأسباب أخرى متعددة أسهب في تحليلها المؤرخون.

تحدث «فرحات عباس» - الذي اعتقل في مايو وصدر بحقه حكم الإعدام، رغم ما كان يُعرف عنه من اعتدال - عن تلك الأحداث في كتابه «ليل الاستعمار»، مؤكدا تآمر سلطات الاستعمار لتصفية «أحباب البيان والحرية» وقطع الطريق أمام الحركة الوطنية برمتها وهو تجسيد لفكر الجنرال «شارل ديجول» الذي حذّر منه عام 1944م قائلا: «يجب ألا تضيع الجزائر منا في الوقت الذي نعمل فيه لتحرير أوروبا».

وجن المستعمر خوفًا من ضياع الجزائر فكان رد فعله أكثر من وحشي، وتبين فيما بعد أنه كان مستعدًا لتصفية أكبر عدد من الجزائريين لزرع الرعب بين المناضلين، وليكون الضحايا عبرة لكل من يفكر في الاستقلال ... وارتكب ضد الجزائريين ما ارتكبه النازيون في حق الشعوب الأوروبية وأكثر من قتل جماعي همجي لم يسلم منه شيخ أو امرأة أو رضيع.

جرائم لا تغتفر

يتذكر الروائي الجزائري «الطاهر وطار» تلك الأيام غير المضيئة في تاريخ فرنسا قائلا: كان عمري آنذاك تسع سنوات، كنا في البادية كان الفصل ربيعًا جميلاً، والمحاصيل من قمح وشعير على وشك النضوج.. كانت الطائرات تمطرنا رصاصًا دون تمييز؛ إذ لا تزال تتزاحم بين عيني صور كثيرة عن الأحداث، أذكر منها صورة حمار قسمه رشاش الطائرة إلى قسمين سقط أحدهما جهة اليمين والقسم الآخر جهة الشمال، وقد كتبته في روايتي «اللاز».. لا تزال بين عيني صورة شيخ معمم أجلسه ضابط أمام منزلنا، نزع عن رأسه العمامة ثم انهال عليه ضربًا بمفتاح حديدي فشج رأسه.. لا تزال بين عيني صورة نساء نصف عاريات يجرين مبتورات الأثداء أو مقطوعات الألسن يولولن مستجديات قطرة ماء ..!! (2).

وقد وصف د. خالد يوسف من جامعة قسنطينة تلك الجرائم قائلا: «إنها جرائم لا تغتفر»، استعملت فيها جميع أسلحة القتل والبطش الجهنمي، ومنها 101 طائرة ظلت تقصف السكان الهاربين إلى الغابات طيلة 15 يومًا.

أما الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين الذي كان في سن الرابعة عشرة خلال هذه المجازر، ولم يكن يسكن بعيدًا عن مدينة «قالمة»، فقد وصف تلك الأيام بأنها كانت رهيبة اهتز فيها كل العالم من حوله، وجعلته ينضج قبل الأوان.

نقطة فاصلة

كانت الانتفاضة وما تبعها نقطة فاصلة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، أماط فيها الجزائريون اللثام عن وجه فرنسا العنصري الاستعبادي في ذلك الوقت، وكشفوا التناقض الصارخ بين الخطاب الجمهوري والممارسة الاستعمارية، وأقنعوا من بقي منهم مؤمنًا بإصلاح قد يأتي من المستعمر بأنه لا يفهم سوى لغة العصا، وأن فرنسا الرسمية منحازة تماما للأقدام السوداء، ولا خيار للجزائريين سوى الثورة المسلحة إذا أرادوا الحرية والاستقلال ولا أمل يُرجى من دولة ترفع شعار «الحرية والإخاء والمساواة» وتعاملهم كمواطنين من درجة سفلى.

ولاعتماده على إستراتيجية نخبوية تغازل قوى رجعية لا يزال ينخر عقلها الباطني حنين مرضي إلى «الجزائر الفرنسية»، يحاول جناح من اليمين الفرنسي الحالي تمزيق صفحة الماضي السوداء دون قراءتها، وإغراء الجزائريين بمستقبل شراكة وردي بين البلدين، متوهما أنه من السهل نسيان ماض استعماري ترك جراحًا غائرة في أعماق الذات الجزائرية؛ إذ لا تزال أغلبية نساء مناطق سطيف و«قالمة» و«خراطة» وكل الشرق الجزائري حتى اليوم يرتدين السواد منذ تلك المجزرة، ولا تزال أوجاع وأحزان تلك الأيام المأساوية حية.. فهل يقبل من ضحّوا بكل شيء من أجل استقلالهم طي صفحة الماضي دون أن تعترف فرنسا بجرائمها ضد الإنسانية في الجزائر وتعتذر عنها رسميا؟!

قانون 23 فبراير

لا يعرف شيئًا عن هذه السلالة الفخورة بنفسها التي تتنفس عزة واستقلالاً من يظن أنها خضعت واستسلمت نهائيا لـ«النير» الذي وضعناه على رقبتها «عنوة».. هكذا كتب «كاستيرون» عام 1900م، محذرًا في كتابه «الجزائر الفرنسية».

ويمضي أكثر من قرن مليء بالأحداث الساخنة دمًا ودمعًا ونارًا ولم يستخلص بعض الفرنسيين أي درس ولا يزالون مصابين بجهل بواح بالجزائريين، وإلا كيف نفسر محاولة فرنسا مساومتهم في ذاكرتهم.. لم يركع الجزائريون في زمن الحرب والجوع والأيام العصيبة، فهل يتخلون اليوم عن تصفية تاريخهم وذاكرتهم من الاستعمار؟!

وقد ظلت الحكومات الفرنسية المتعاقبة - يمينها ويسارها - متمادية في إطلاق تسمية «أحداث الجزائر» على الثورة الجزائرية (1954 - 1962م) حتى عام 2001م؛ حيث عوض برلمانها هذه التسمية بـ«حرب الجزائر» وكان ذلك تحت ضغط كبير من المجتمع المدني، فظن الكثيرون أن ذلك قد يكون بداية لنهاية نكرانها لجرائمها في الجزائر، ولكن خاب ظنهم؛ حيث لم ترفض الاعتذار عما ارتكبته من آثام في حق الشعب الجزائري وكل الشعوب التي كانت تحت هيمنتها فحسب بل اعتدت عليها مرة أخرى حينما سنّت قانون 23 فبراير 2005م الممجد للاستعمار، والداعي لتدريس مزاياه في مدارس الجمهورية (!!) فهل كان للحضور الفرنسي خير يذكر في الجزائر كما يدعي نص هذا القانون الغريب؟!

تنازلات شفوية

ردًّا على هذا الاعتداء على ذاكرة والديها والشعب الجزائري كله، أخرجت الفرنسية ذات الأصل الجزائري «ياسمينة عدي» فيلما وثائقيا بعنوان: «8 مايو الآخر»، أعادت فيه النظر في كثير من الأمور التي كانت تبدو بديهية، أهمها ذلك التصور الشائع القائل بأن الواقعة كانت عبارة عن مسيرات نظمها الجزائريون للمطالبة بالحرية بعد انتصار الحلفاء على النازية.. ويوضح الفيلم أن الأمر كان أعقد من ذلك؛ فقد شرعت ميليشيا المعمرين بقيادة رئيس دائرة «قالمة» ونائبه في ملاحقة الجزائريين وقتلهم ابتداء من شهر أبريل، واستمرت المطاردات والقتل حتى أواخر يونيو 1945م.

ورغم تصريحات السفير الفرنسي الحالي في الجزائر وسابقه المنددة بالمذبحة، والتي اعتبرها البعض قطيعة مع النكران الرسمي السابق، إلا أن ملاحظين كثيرين من الجزائر وفرنسا وصفوها بأنها «تنازلات شفوية» هدفها حماية مصالح فرنسا الاقتصادية في الجزائر، وإلا كيف توفق فرنسا بين هذه التصريحات الشفوية وكونها الدولة الوحيدة من بين الدول الاستعمارية السابقة التي حاولت تكريس تفسير قانوني رسمي مغالط لماضيها الاستعماري من خلال قانون 23 فبراير 2005م، الذي تسعى من خلاله إلى تلقين محاسن الاستعمار المزعومة لتلاميذ المدارس؟!

لكن السؤال المحير فعلاً هو: لماذا يصدر البرلمان الفرنسي قانونًا يعاقب من ينكر الجرائم ضد الأرمن، وتضغط الحكومة الفرنسية على تركيا لتعترف بها، في حين أنها ترفض أن تعترف بجرائمها في الجزائر؟!

------------------------------

الهوامش:

(1) تتحدث إحصاءات أخرى عن 17 ألف ضحية، ويعترف الفرنسيون بـ(7 آلاف) قتيل كما يقدم مؤرخون آخرون عددًا يتراوح بين 6 آلاف و25 ألف ضحية.

(2) صحيفة «البيان» 22/6/2006م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل