; «البقع السوداء».. قصة السجون الأمريكية السرية في أوروبا الشرقية | مجلة المجتمع

العنوان «البقع السوداء».. قصة السجون الأمريكية السرية في أوروبا الشرقية

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005

مشاهدات 60

نشر في العدد 1680

نشر في الصفحة 38

السبت 10-ديسمبر-2005

  • واشنطن بوست: وكالة الاستخبارات الأمريكية أرسلت أكثر من 100 مشتبه به إلى هذه السجون السرية، والسي آي إيه تعترف

  • المعارضة الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي تطالب باعتماد نهائي لنص يحظر صراحة ممارسة التعذيب لكن البيت الأبيض يرفض
  • بريطانية من حزب العمال الحاكم: يجب ألا نرحم أي عضو في الاتحاد الأوروبي عندما يتعلق الأمر بانتهاك القوانين الأخلاقية المدونة للاتحاد

أصبحت أوروبا متورطة -كما تورط غيرها- في إهانة الإنسان، ورطتها أمريكا إما بوجود سجون سرية تحت الإشراف الأمريكي الكامل، أشبه بمعسكرات التعذيب السياسي السوفيتية، وإما بالسكوت عن ذلك. 

فضيحة جديدة تضاف إلى سجل الإدارة الأمريكية الحالية المتعلق بحقوق الإنسان، فجرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في عددها الصادر في الثاني من نوفمبر (۱)، فقد نقلت عن مصادر أمريكية وأجنبية مطلعة أن المخابرات المركزية الأمريكية تدير شبكة من السجون السرية في ثماني دول منها تايلاند وأفغانستان وعدة دول «ديمقراطية» في أوروبا الشرقية، طلب عدم ذكر أسمائها لاعتبارات أمنية حتى يستمر تعاون الدول وحتى لا تتعرض للانتقام.

ألا يقع القارئ الأمريكي في حيرة من أمره للتناقض الحاد بين الديمقراطية التي تنادي بها إدارته وبين الانتهاكات الوحشية لحقوق الإنسان التي تتمخض عنها، وألا يدين القارئ مثلي كل أنواع الإرهاب، الإرهاب الذي يقوم به الأفراد والجماعات، وكذلك الذي تقوم به الدول!

قالت الصحيفة: إن وكالة الاستخبارات الأمريكية أرسلت أكثر من ١٠٠ مشتبه به إلى هذه السجون السرية، وتشير مصادر الصحيفة إلى وجود نحو ٣٠ شخصًا مهمًّا محتجزين في هذه السجون، يُحقق معهم بكل الطرق وفي عزلة تامة عن العالم في الظلام وفي زنازين تحت الأرض بلا أي حقوق قانونية، ولا يسمح لأي أحد خارج نطاق الـ (CIA) بالتحدث معهم أو حتى رؤيتهم، بينما يوجد أكثر من ٧٠ معتقلًا آخرين يعتبرون أقل أهمية تم تسليمهم إلى أجهزة مخابرات أجنبية في مصر والأردن والمغرب وأفغانستان بموجب عملية يطلق عليها اسم التسليم.

هذه المعتقلات تمولها المخابرات الأمريكية وأحيانا تديرها طبقًا للصحيفة. يعلم قلة من المسؤولين الأمريكيين، بجانب بوش رئیس الدولة، وبعض من كبار مسؤولي الاستخبارات في الدول المضيفة بوجود السجون الخفية، التي أطلقت عليها المستندات السرية للبيت الأبيض ووكالة الاستخبارات ووزارة العدل الأمريكية فضلًا عن الكونجرس اسم «المواقع السوداء».

ما الدول الأوروبية؟

أعلنت منظمة «هيومن رايتس ووتش» (۲) للدفاع عن حقوق الإنسان أن وكالة الاستخبارات المركزية أقامت سجونًا سرية في أوروبا الشرقية على الأقل في بولندا ورومانيا ودول أخرى، وأدت هذه المعلومات إلى موجة انزعاج في أوروبا التي أكدت تعارض تلك الممارسات مع ميثاق حقوق الإنسان الذي وقع عليه أعضاء الاتحاد الأوروبي.

وكشفت الناطقة باسم المنظمة في بروكسل عن أن سجلات الرحلات الجوية التابعة لـ (CIA) تدل على وجود تلك السجون السرية في بولندا ورومانيا، فمثلًا أظهرت سجلات الطيران التي حصلت عليها المنظمة أن طائرة أقلعت من العاصمة الأفغانية كابول حطت في زيماني، وهو مطار عسكري في شمال شرق بولندا، ثم حطت الطائرة ذاتها في مطار ميخائيل كوجالنيشينو العسكري في رومانيا رغم نفي الدولتين، فالحكومة التشيكية أعطت مصداقية لهذه المعلومات عندما أكد وزير الداخلية أن بلاده تسلمت طلبًا من الولايات المتحدة لإقامة سجون مماثلة على أراضيها إلا أنها رفضت ذلك.

صدمة في أوروبا

أثارت هذه الأنباء صيحات استهجان من البرلمانيين ومنظمات حقوق الإنسان الأوروبية، كما أبدت المفوضية الأوربية قلقها حولها ووصفتها بأنها تخالف ميثاق حقوق الإنسان الذي وقعته الدول الأعضاء فيها. وقالت النائبة البريطانية من حزب العمال الحاكم كلود موريس: «من المقلق جدًّا أن تكون الدول الأوروبية متورطة في أعمال لا يشرعها القانون الدولي والميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان». ودعت موريس بريطانيا التي تتولى في الوقت الحالي الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي إلى التحقيق في هذه المزاعم، واعتبرت أنه «يجب ألا نرحم أي عضو في الاتحاد الأوروبي عندما يتعلق الأمر بانتهاك القوانين الأخلاقية المدونة للاتحاد».
 

تحقيق إسباني حول «رحلات CIA» السرية

بدأت إسبانيا تحقيقًا حول مزاعم تقول إن طائرات وكالة الاستخبارات الأمريكية التي تحمل إرهابيين مشتبهًا بهم توقفت سرًّا في الأراضي الإسبانية خلال تنقلاتها، أعلن ذلك وزير الداخلية الإسباني في خطاب تلفزيوني ١٥ نوفمبر. وأضاف قائلًا: «إنه لو ثبتت هذه المزاعم، فإن مثل هذه الأنشطة قد تؤثر سلبًا على العلاقات بين الحكومتين الإسبانية والأمريكية». ووفقًا للصحافة الإسبانية، فإنه يشتبه في قيام الاستخبارات الأمريكية باستخدام مطار مايوركا في مثل هذه الرحلات، ويعتقد أن عدد هذه الرحلات يصل إلى ١٠ رحلات. يذكر أن العلاقات بين إسبانيا والولايات المتحدة شابها الفتور إثر قيام رئيس الوزراء الإسباني الجديد بسحب القوة الإسبانية التي كانت موجودة في العراق (۳).

المعارضة الأمريكية تطالب بحظر التعذيب

دفعت هذه المعلومات حول السجون السرية، المعارضة الديمقراطية في الولايات المتحدة إلى المطالبة باعتماد نهائي لنص يحظر صراحة ممارسة التعذيب، حيث رأى الديمقراطي ديفيد أوبي أنه يجب أن يكون كل عضو في مجلس النواب قادرًا على التصويت لمصلحة التعديل، الذي أقر أخيرًا في مجلس الشيوخ حول معاملة المعتقلين. وكان يشير إلى التعديل الذي تبناه مجلس الشيوخ بأغلبية ٩٠ صوتًا في مقابل تسعة قبل شهر، وينص بالذات على أن كل معتقل تحت حراسة أمريكية سواء عهد به إلى الـــ (CIA) أو إلى عسكريين، لن يتعرض «لمعاملات وحشية وغير إنسانية أو مهينة». ولكن البيت الأبيض هدد باستخدام حق النقض ضد موازنة الدفاع إذا ما اعتمد هذا التعديل، لكن عددًا كبيرًا من النواب الديمقراطيين في مجلس النواب قرروا أن يتحدوا هذا التهديد.

وينتظر أن يزيد من حجم المشكلات التي يتعرض لها الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي سجلت شعبيته أدنى معدل لرئيس أمريكي في مطلع ولايته الثانية منذ عهد نيكسون. ووسط هذه الأجواء أظهر استطلاع للرأي بثت نتائجه محطة «سي بي إس» أن شعبية الرئيس جورج بوش تراجعت إلى %۳5 وهو أدنى مستوى منذ انتخابه للمرة الأولى عام ٢٠٠١م، والأدنى أيضًا مقارنة مع شعبية باقي الرؤساء الأمريكيين باستثناء نيكسون في بداية ولايتهم الثانية (٤).

 أمثلة

قالت منظمة العفو الدولية إن سجينين يمنيين اتهما الولايات المتحدة باعتقالهما سرًّا في سجن تحت الأرض لمدة تخطت الـ ۱۸ شهرًا، مما يدل على وجود مراكز اعتقال سرية أمريكية مستندة إلى شهادات أدلى بها صلاح ناصر سليم علي ومحمد فرج أحمد باسم الله وهما صديقان يمنيان كانا يعيشان في إندونيسيا وهما معتقلان حاليًا في سجن يمني. قال السجينان إنهما اعتُقلا كل بمفرده؛ الأول في إندونيسيا في أغسطس ٢٠٠٣م، والثاني في الأردن في أكتوبر ۲۰۰۳م، ونقل صلاح ناصر سليم علي بعد ذلك إلى الأردن جوًّا.

 وأكدا أنهما تعرضا للتعذيب لمدة أربعة أيام قبل أن يتم نقلهما جوًّا إلى سجون تحت الأرض لم يتمكنا من تحديد مكانها. ويقول اليمنيان إنهما وضعا كل في زنزانة انفرادية ودون محاكمة وبإشراف حراس أمريكيين لمدة سنة ونصف. وأوضحا أن الرحلة من الأردن إلى مكان اعتقالهما الأول استمرت بين ثلاث ساعات ونصف وأربع ساعات ونصف، وبعد ستة أو ثمانية أشهر نقلا إلى سجن حديث يشرف عليه أمريكيون ويقع على بعد ثلاث ساعات طيران من السجن السابق حيث خضعا للاستجواب يوميًّا. وأشارا إلى أن الموسيقى الغربية كانت تدوي في زنزانات السجْنين اللذين نقلا إليهما ليلًا نهارًا ودون توقف. وأضافا أنهما نقلا أخيرًا في مايو ٢٠٠٥م إلى اليمن (٥).

القمع العالمي (٥)

استخدمت بعض الحكومات شعار الحرب على الإرهاب لتبرير أو تكثيف أنماط القمع القديمة، وهي تشمل الصين ومصر وماليزيا وأوزبكستان واليمن وغيرها، ووضعت دول أخرى قوانين ظالمة ولجأت إلى ممارسات مؤذية أو كثفت من استخدامها، ومن بينها أستراليا والأردن والمملكة المتحدة.

ومانعت بعض الدول ومن ضمنها ألمانيا وتركيا والمملكة المتحدة في الدفاع عن قضايا مواطنيها أو المقيمين على أراضيها الذين اعتقلهم موظفون رسميون أمريكيون وأساؤوا معاملتهم، وسمحت دول أخرى مثل مصر وغامبيا وكازاخستان وقيرغيزستان والمغرب وباكستان والسويد لموظفين أجانب ينتمون إلى دول تشمل الصين ومصر وسورية والولايات المتحدة الأمريكية، باحتجاز الأشخاص بصورة غير قانونية ونقلهم من أراضيها.

الأسرار القديمة:

سجناء المخابرات المركزية «عذبوا» في سجون عربية (٦):

في برنامج «فايل أون فور» من الإذاعة البريطانية اعترف مايكل شوير الذي كان يرأس فريق ملاحقة زعيم تنظيم القاعدة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أن عشرات من المشتبه في تورطهم مع منظمات إرهابية قد نقلوا إلى سجون في دول الشرق الأوسط حيث عذبوا بصورة دورية ودون إذن قضائي. وأوضح أن تلك العملية كانت تحظى بتفويض من أعلى المستويات داخل المخابرات المركزية والبيت الأبيض، كما حصلت على موافقة محامي الحكومة الأمريكية.

وأقر ضابط المخابرات الأمريكي السابق بأن عشرات المعتقلين أرسلوا إلى بعض الدول بما فيها مصر والأردن وسورية وتعرضوا للتعذيب، حيث إن مخابرات هذه الدول لديها خبرات طويلة في استخلاص الاعترافات تحت وطأة التعذيب.

واستضاف البرنامج رجلًا كندي الجنسية سوري الأصل، وهو ماهر عرعر الذي اعتقلته الولايات المتحدة في سبتمبر ٢٠٠٢م في نيويورك وأرسلته إلى سوريا حيث احتجز لمدة عام. وقال عرعر إنه تعرض لتعذيب وحشي. وكان قد اعتقل بعد أن تلقت الولايات المتحدة معلومات من كندا تفيد بأنه على صلة بشخص يشتبه في أنه يمارس أنشطة إرهابية في مدينة أوتاوا الكندية.

وأوضح أنه بمجرد تسليمه لسورية وضع في زنزانة ضيقة بمقر جهاز أمن الدولة السوري لمدة عشرة شهور، واعترف كذبًا بأنه كان في أفغانستان. وأضاف: «زج بي المحقق بعد ساعة أو ساعتين في حجرة كنت أسمع داخلها أناس يتعرضون للتعذيب، كانوا يصيحون قائلين «يا الله»، كنت أسمعهم يصرخون». وأطلق سراح عرعر وعاد إلى أوتاوا بعد سنة تقريبًا من تسليمه إلى سورية ولم توجه له أية تهم جنائية سواء في سورية أو كندا.

ومن جهة أخرى، سلمت السلطات الأمريكية في أكتوبر ٢٠٠١م أستراليًّا يدعى ممدوح حبيب إلى السلطات المصرية بعد اعتقاله في باكستان. واحتجز حبيب في مصر لمدة ستة أشهر تعرض خلالها لتعذيب شديد بما في ذلك التعذيب بالصدمات الكهربائية قبل أن ينقل إلى جوانتانامو. وأطلق سراح حبيب في يناير ٢٠٠٥م وعاد إلى أستراليا. وكشف البرنامج أيضًا عن فتح تحقيق رسمي في إيطاليا للتحقق من ملابسات اختطاف ضباط مخابرات أمريكيين لناشط إسلامي مصري من شوارع مدينة ميلانو الإيطالية وإرساله لمصر.

وصرح منتقدو سياسة تسليم المعتقلين بشكل طارئ للبرنامج بأن مواطنين بريطانيين اعتقلوا خارج بلادهم ونقلوا إلى جوانتانامو وسجون عربية بناء على تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أجهزة الأمن البريطانية. وسيكون من الصعب على منظمات حقوق الإنسان قبول عملية تسليم الولايات المتحدة المعتقلين لدول أخرى.

الغريب أن الرئيس الأمريكي جورج بوش أكد مرارًا أن بلاده ملتزمة باتفاقية الأمم المتحدة التي تحظر ممارسة التعذيب ضد المعتقلين، وتنص الاتفاقية على الآتي: يحظر على أي دولة موقعة على الاتفاقية ترحيل أو إعادة أي شخص لبلد آخر تزيد فيه احتمالات تعرضه للتعذيب، ولكنه يريد الآن استثناء قانونيًّا يعطي المخابرات والجيش حق التعذيب، ويبعد المشتبه بهم الذين الأصل فيهم البراءة حتى تثبت إدانتهم، إما إلى دول لا يحاسبها أحد أو إلى البقع السوداء خارج أمريكا فلا يدري أحد ماذا يفعل بهم!

فإلى متى يتشدقون بالحرية؟ وإلى متى تهدر كرامة الإنسان؟

الرابط المختصر :