العنوان «الترجمة».. بين الانفتاح المتهوّر والرشد المطلوب (۲-۱)
الكاتب صالحة رحوتي
تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-2009
مشاهدات 53
نشر في العدد 1872
نشر في الصفحة 42
السبت 10-أكتوبر-2009
- استجلاب الإبداعات الأدبية الأجنبية عن طريق الترجمة بشكل مفتوح وبدون تنبيه ولا نقد مواكب.. جريمة بحق الهوية.
- القارئ العربي الذي يوسم من بعض المثقفين العرب بتدني المستوى المعرفي أصبح - بقدرة قادر - متمكنا من حسن استيعاب الأدب العبري!
لربما هي نظرة ينقصها التمحيص، تدفعنا للاطلاع على ما كتبه تلك التي الغير عن طريق الانهماك في ترجمة ما ينتجه، حتى ولو كان ذلك الغير قد صُنَّف بأنه العدو..
وما علموا أنه ليس كل ما لدى المخالف قابلًا لأن يكون معينًا لنا على السير قدمًا نحو الأحسن، فهنالك:
- العلوم البحتة، وقد وظفها الغرب فأنتج تقنيات يقايض بها ما يريد منا دونما تعب ولا نصب.
- ثم العلوم الإنسانية، وهي مرآة سبل تفكيرهم، وهي - حسب الظن القاصر - ما يجب أن نستلهم، وننسى أن ما ينتج في إطار هذه العلوم ما هو إلا حصيلة لتفاعل تراكمات الأعمدة المكونة للمرجعية الفكرية العقدية والثقافية للفرد، وبالتالي للتجمعات البشرية.
الإبداعات الأدبية:
ولعل أكثر ما تُسَخَّر الجهود لترجمته في إطار هذه العلوم الإنسانية هي الإبداعات الأدبية، فهي إرث إنساني مشترك - كما يُردد - وهي إبداع عالمي يتخطى الحدود - كما يُتوهم.
ويُنسى أن الأدب ما هو إلا التعبير عن لواعج نفس، فكل ما يبدعه الأديب ما هو إلا تعبير عن آمال ومشاعر ووجهات نظر إنسان له كيان فكري ورصيد ثقافي معين، يمتحه من مجمل رؤيته للحياة وأبعادها ككل...
ففرنسا قررت تبني مفهوم «الاستثناء الثقافي» في اتفاقيات «الجات»، واعتبار الحمولة الثقافية غير قابلة للتبادل ولا للاتجار.
ولذا، يبدو من المنطقي القول بأن استجلاب الإبداعات الأدبية للغير المخالف عن طريق الترجمة بشكل مفتوح وبدون تنبيه ولا نقد مواكب.. جريمة بحق الهوية وهدم لأركانها.
إن حُسن النية مع الرغبة في استقدام ريح «الحداثة» المنعش لمسيرة النهضة - كما يُظن - لن يمنع من تسلل فكر دخيل بين الكلمات يستقر في أذهان متلقين يرون في لغة الكتابة العربية جواز سفر يدفعهم إلى فتح أبواب الأذهان على مصراعيها ولا يتورعون حتى عن تيسير الاستيطان.
فلابد من القول إذًا بمشاركة كل مترجم في بسط فكر ما، وذلك حين يختار نصًا ذا حمولة فكرية وسلوكية معينة، ثم لا يكلف نفسه حتى مرافقة الترجمة بنقد موجه يبرز مخالفة مرجعية الكاتب لما نحن عليه..
هنالك معايير محددة ينبغي تفعيلها حين اختيار ما يُترجم.. وإلا فهو عدم تحمل المسؤولية، أو لربما حتى اقتراف فعل التواطؤ..
ولعل هذا ما ينقص بعض «المثقفين» الذين خلطوا بين ما هو إنساني مشترك وبين ما هو ذاتي خاص، فارتأوا أن إحياء موات ثقافتنا يمر عبر ترجمة ما جادت به عقول الغير، ولقد كان هذا هو طرح «أدونيس» في معرض حديثه حول موضوع «ماذا نترجم.. ولمن.. وكيف؟» في مؤتمر المعرفة الأول بدبي (1):
«.. إن ثقافة تكتفي بذاتها وتعزف عن الترجمة يصح أن توصف بأنها شبه ميتة. وسيكون ذلك، في الحالة العربية مدعاة للاستغراب، كيف يستجلب العرب جميع الوسائل التي ابتكرتها تقنية الآخر ولا يخططون أو يعملون لترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية والأدبية التي كانت وراء تلك التقنية..؟».
وجهة نظر تعكس - ولا شك - الجهل بالفرق بين ما هو علمي بحت مشترك، ولا يجد حتى ذلك الغرب المقتدى به غضاضة في جلبه من المخالف معتقدًا وفكرًا.. اليابان مثلًا.. وبين الذاتي الخاص، ولا يمكن لذلك الغرب القبول به والتضحية من أجله بما لديه.
التدجين على مراحل:
هذا الجهل رَكِبَ الغرب متنَه بهدف تدجيننا، ومن أجل سحب سلاح الثقافة منا، إذ عن طريق تمييع الرصيد من المعارف لدينا على مراحل وخلطه بكل مستجلب استطاع تكوين جيل تشرب من معين
الغير وبوأه مراكز القرار، فأضحى القادر على بيع كل متبق أصيل من أجل استكمال مسار فتح كل المنافذ لدخول الفكر المخالف، حتى ولو تعلق الأمر بفكر ذلك الذي لا يزال يُصطلح على وسمه بـ «العدو» على استحياء أحيانًا، كما كتب حمدي أبو جليل في جريدة «السفير» (۲):
- إعلان المركز القومي المصري للترجمة برئاسة د. جابر عصفور عن قرب إتمام التعاقد على ترجمة وإصدار أعمال أدبية للكاتبين «الإسرائيليين» «عاموس عوز» و«ديفيد غروسمان».
- وإعلان مؤسسة جائزة «نوبل» بالسويد عن اعتماد اتحاد كتاب مصر برئاسة محمد سلماوي ضمن الجهات المرشحة للفوز بأكبر وأهم جائزة عالمية - صدرًا في وقت واحد تقريبًا، وأحدثا لغطًا بين المثقفين المصريين وصل إلى حد الاتهام بالتطبيع مع «إسرائيل» قوبل باتهامات المزايدة وافتعال المواقف بالنسبة للإعلان الأول والشك والريبة بل المجاهرة بعدم الأهلية للترشيح للجائزة العالمية بالنسبة للإعلان الثاني..!!»
فهو حسن القيام بالواجب المُكلَّف به، يقابله حسن الجزاء بالجوائز من طرف المُكلَّف، فلقد نال نجيب محفوظ جائزة نوبل العالمية بعد أن قام بالواجب، وكان النجيب المطيع - مع مجموعة من بني جيله في ذاك الزمن - لمرشده المستشرق «دنيس جونسون»، تلك الجائزة الموعودة الآن لمن يكمل الطريق ويستمر في تيسير السير فيه بعد إكمال تعبيده (3).
«.. ثم إن هذا العقل المدبر لم يكتف بنجيب محفوظ بل كان معه الكثيرون ممن كان يرى فيهم الرغبة في نيل تلك الحظوة حتى مع ترك الهوية.. تلك التي لربما كانت قد انمحت أصلًا بفعل تثاقف أهوج مع المستعمر ومع تراكماته المعرفية، والتي كان ذلك المستعمر لا يمتحها إلا من عمقه الغربي ومن كيانه ومن خصوصياته».
«..وقارئ هذه الذكريات لا بدّ له أن يلاحظ أن مسيرة «دنيس جونسون ديفز» الترجمية، رافقت مسيرة الأدب العربي الحديث والمعاصر، فهو منذ أربعينيات القرن العشرين مقيم في الشرق الأوسط وعلى تماس مع مثقفيه الأعلام، حيث يفرد مساحة مناسبة لكل واحد منهم بكثير من الود والموضوعية، فبالإضافة إلى من ذكرناهم نجده يقف عند كلّ من: نجيب، لويس عوض، يحيى حقّي، يوسف إدريس، الطيّب صالح، إدوار الخرّاط وغيرهم..» (4).
حلقة أخرى معاصرة إذًا من حلقات التغريب والتسفيه لما تبقى من خصوصية الفكر، ويقوم بها طواعية مثقفون منا.. وقد انتابتهم الجسارة والجرأة حد نبذ الخوف من تأثير أدب العدو على القراء منا (٥):
«.. ولا خوف على احتمال أن تسهم هذه الترجمات في تضليل عقل القارئ، فعقل القارئ أذكى مما نتصور، خصوصًا المهتم بالترجمة، ولماذا نخشى على القارئ ونحن نضيف إلى الترجمة التقديم اللازم والتعقيب المفيد؟ ولذلك فليس في احترازات الأستاذ أحمد الخميسي في أخبار الأدب ما يبررها..».
فالقارئ العربي الذي يوسم – من طرف المثقفين العرب أنفسهم – بتدني المستوى المعرفي، وبضحالة الفكر وبقلة الاطلاع، وكذلك بضعف القدرة على الربط والتحليل وبعدم مواكبة الإنتاجات الأدبية حتى العربية منها، قد أصبح - وبقدرة قادر - متمكنًا من حسن استيعاب الأدب العبري، ومن التفاعل الإيجابي مع مكوناته ولو كانت عدائية أو مغرضة.
والمثير للعجب هو أن الهدف من وراء النقل هو تيسير معرفة «العدو»، كما يؤكد ذلك د. جابر عصفور، وكأن سني الاحتكاك وخلفيات الصراع ومجاهرة ذلك العدو بمجمل مواقفه ليست كافية، ونحتاج إلى اجترار ما كتبه هو حتى تستقيم المعرفة ويكتمل الإدراك (6).
اعرف عدوك:
.. أحد أسباب هزيمة ١٩٦٧م أننا لم نكن نعرف شيئًا عن «إسرائيل» التي كانت تعرف كل شيء عنا، ولذلك رفع المثقفون من أمثال أحمد بهاء الدين شعار «أعرف عدوك».. وقد أضفنا إلى ذلك مبدأ أن المعرفة قوة وأن المعركة الحضارية سوف تظل قائمة بيننا و«إسرائيل»، رغم معاهدة السلام معها، فلابد أن نعرف عنها كل ما نستطيع كي نأمن تقلباتها الغادرة، وذكرنا بعض أعضاء الهيئة الاستشارية بالموروث الديني الإسلامي الذي ورثنا عنه مبدأ من عرف لغة قوم أمن شرهم..».
وقد وُظف الموروث الديني من أجل تبرير هذا التوجه، وتجوهل أن ذلك الموروث يحث أيضًا على إعداد ما أستطيع من قوة ومن رباط الخيل من أجل المدافعة وتحقيق الغلبة؛ لأن معرفة لغة العدو لا تكفي وحدها لتحقيق الأمان والسلم.
الهوامش:
(۱) «أدونيس» يتساءل: ماذا نترجم.. ولمن.. كيف ولماذا؟ مؤتمر المعرفة الأول مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، دبي، 29/ 10/ 2007م
(۲) «ترجمة عوز وغروسمان والترشح لنوبل في مصر ازدواج وتهديد للجائزة»، حمدي أبو جليل، جريدة «السفير»، العدد: ١۱۳۲، ٢6/٦/٢009م.
(۳) «الورشة الغربية لصناعة «المبدعين.. نجيب محفوظ نموذجًا»، صالحة رحوتي.
(٤) «ذكريات في الترجمة، لا شيء يتحرّك بدون الترجمة»، عزت عمر، موقع الكاتب والناقد عزت عمر.
(٥) حكاية الترجمة عن العبرية (۳)، د. جابر عصفور، جريدة «الأهرام» 6/٧/2009م.
(٦) حكاية الترجمة عن العبرية (۱)، جابر عصفور.