العنوان «الترجمة ».. بين الانفتاح المتهوّر والرشد المطلوب (2/2)
الكاتب صالحة رحوتي
تاريخ النشر السبت 17-أكتوبر-2009
مشاهدات 53
نشر في العدد 1873
نشر في الصفحة 42
السبت 17-أكتوبر-2009
في المقال السابق عرضنا للأهداف الحقيقية للترجمة، وهي تمهيد الطريق للتطبيع مع العدو الصهيوني، وفي هذا المقال نقدم بعض الدلائل على ذلك.
- لماذا لا تبذل جهود الترجمة من أجل تعريفنا بسبل التفكير عند الصهاينة وبمجمل مخططاتهم وبخلاصات رؤاهم حولنا وزوايا نظراتهم إلينا ؟
- يجب الاهتمام بالترجمة ليس بهدف الذوبان بل من أجل المعرفة الدقيقة التي تجعل البعض يكف عن الانبطاح ويتحاشى الاندلاق المهين على الأعتاب.
إذا كان علينا عدم الاقتداء بالعدو في كثير من الأمور، فلربما علينا في إطار الترجمة أن نستقرئ مجمل سلوكياته وأن نقتفي أثره، فالترجمات الأدبية تتغلغل في أغوار النصوص للغير، لتستشف ما يعين على معرفة الخلل، وقد كتب عن ذلك كرم سعيد بعنوان: «الاهتمام «الإسرائيلي» بترجمة الأدب العربي الدوافع والاهتمامات» (1): «الاهتمام بالأدب العربي الحديث وترجمته يحظى باهتمام أكبر ومتابعة أدق في ضوء الصراع المشتعل بين «إسرائيل» والعالم العربي، وتكفي الإشارة هنا إلى الدراسة التي أعدها «يهو شفاط هر كابي»، مستعينًا فيها بدراسة القصة العربية الحديثة؛ ليزعم أن ضعف الروابط الاجتماعية بين العرب وانعدام تماسكهم الاجتماعي هو السبب المباشر وراء هزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧م».
ليس هناك اعتباطية في اختيار النصوص المترجمة، فهي المنتقاة بعناية والمكتوبة من طرف أولئك الذين خضعوا للتأطير واستسلموا، وساهموا في إنتاج ما حقق الرضا عنهم، فكانت الترجمات لأعمالهم من قبيل المكافآت (۲) : «وفي مجال الاهتمام بترجمة الأدب العربي الحديث قامت جامعة «تل أبيب» بأبحاث متفرقة في ميادين الأدب العربي، كما اهتمت الجامعة بالدراسات التفصيلية لقضايا الرواية والقصة والمسرح، وأصدرت عددًا من المؤلفات ضمن سلسلة بعنوان : «دراسات ونصوص أدبية»، أشرف على تحريرها «ساسون سوميخ»، ومن هذه الدراسات دراسة مقارنة لـ«سوميخ» حول مبنى القصة والمسرحية في أدب يوسف إدريس، تمحورت حول معالجة قصة «جمهورية فرحات»، وكان اختيار هذه القصة ليس فقط لاعتبارات أدبية، وإنما لاعتبارات دعائية وسياسية أيضًا، وللدواعي ذاتها اختار «سوميخ» عملا لنجيب محفوظ، هو «حكايات حارتنا» ليكون موضع نقد وتحليل في كتاب صدر عن جامعة تل أبيب بعنوان: «المضارعة في أسلوب القصة العربية المعاصرة».
انتقائية في اختيار الأسماء:
تدقيق إذًا في اختيار الكاتب ومرجعيته الفكرية، وأيضًا حرص على موافقة المنتوج المراد ترجمته، والمراد تسويقه والترويج له من مفاهيم ....
«ومن الأعمال العربية الحديثة التي ترجمها شموئيل موريه» (المتخصص في الشعر العربي الحديث) ديوان أدونيس - علي أحمد سعيد - بعنوان: «كتاب التحولات والهجرة في إقليم الليل والنهار»، وديوان محمد الماغوط حزن في ضوء القمر كما سارعت الأوساط الأدبية «الإسرائيلية» بترجمة أعمال بعض الأدباء العرب، فترجم لنجيب محفوظ حوالي 9 روايات أشهرها : «الثلاثية»، و«أولاد حارتنا»، ولتوفيق الحكيم: «عودة الروح»، ولطه حسين: «الأيام»، ولإدوار سعيد : «الاستشراق»، ولفؤاد عجمي: «أزمة العروبة والعرب منذ ١٩٦٧»، و«الخبز الحافي»، وللطيب الصالح (سوداني): «عرس الزين»، و«موسم الهجرة إلى الشمال»، ولعلي سالم: رحلة إلى إسرائيل، ولعبد الحكيم قاسم: أيام الإنسان السبعة، ولصنع الله إبراهيم: «شرف»، وليوسف إدريس «العيب»، وديواني شعر للشاعر الفلسطيني محمود درويش ...(3).
والأسماء نفسها - ذات التوجه الأيديولوجي المنتقى - مذكورة مرة أخرى في مجلة «عتون ۷۷» الأدبية «الإسرائيلية» في عدد خاص (4): «العدد الخاص من المجلة انقسم إلى ستة أقسام، يقدم الأول قصائد عربية مترجمة إلى العبرية، وقد وقع الاختيار على مجموعة قصائد لأدونيس، ومحمود درويش ومحمد الماغوط وعبد الوهاب البياتي، وإيمان مرسال وسوزان عليوان وريتا عودة، وطه محمد علي» (5). لكن العقل المحرك للعدد الخاص والمشرف على تحريره هو البروفيسور ساسون سوميخ» رئيس قسم الأدب العربي بجامعة تل أبيب، وتظهر بصماته المعرفية في أكثر من اتجاه، وأكثر من نص مترجم إلى العبرية والمعروف أن «سوميخ» يهودي من أصل عراقي هاجر إلى «إسرائيل» عام ١٩٥١م.
الصوت النسوي:
تتبوأ بعض الأديبات العربيات الموقع المميز، وذلك «بعيدًا عن شاعريتهن، وأهمية إبداعهن»، كما جاء في المقال في نفس المجلة (1): «من أبرز الملاحظات على هذا العدد تركيزه الشديد على الصوت النسوي في الأدب العربي عامة، والفلسطيني خاصة. ففي مقال بعنوان: «الصوت النسوي في الأدب الفلسطيني»، تقول الباحثة «دوريت جوتس بيليد»: «إن السرد النسوي الفلسطيني لم يظهر مطبوعًا إلا بعد نكبة ١٩٤٨م، وتأثر بشدة بانعكاسات الحروب العربية الفلسطينية منذ هذا التاريخ وحتى الآن».
وطبعًا، لا يغفل ذلك الآخر عما يكتبه أمثال «نوال السعداوي»، مما هو خليط بين ما تبقى من الدين والتقاليد وما كتب إلا ليكون معول هدم لكل مقدس ومبشر بالدخيل المقتبس منه (7).
«هذا بالإضافة إلى الأدب غير الرسمي للإلمام بالتيارات الفكرية الموجودة في المجتمعات العربية» (8).
اليهودي غير معني بأدب الآخر:
وبالرغم من هذه الانتقائية المقصودة والدقيقة، يبدو وكأن الشارع «الإسرائيلي» غير مبال بالمرة بما هو آت من عند من يناصبونهم العداء.
ففي المعرض الدولي للكتاب الذي نظم في مدينة الدار البيضاء سنة ٢٠٠٨م طرح سؤال على المثقف الفلسطيني عزمي بشارة عضو الكنيست السابق حول تبادل ترجمة الأعمال الأدبية العبرية والعربية ودوره في إرساء السلام والتسامح داخل «إسرائيل» بين عرب ٤٨ والساكنة اليهودية، فأجاب بأن الإسرائيلي، غير معني بأدب الآخر الذي هو العربي غير اليهودي، فحتى بعد أن ترجمت بعض الأعمال العربية للعبرية فقد تجوهلت وكان مصيرها الإهمال.
ثم أضاف: إن «الإسرائيلي» غير مبال حتى بترجمة أدبه ونتاجه الفكري إلى العربية لأن رأي القارئ العربي لا يهمه البتة.
إذ الغالب لا يهمه معرفة شيء عن المغلوب .... وخاصة إذا كان ذلك المغلوب هم الأميون ..... المشكوك في آدميتهم حسب نصوص التوراة المرجعية الفكرية والثقافية - وطبعا الدينية الشعب الله المختار.
«من جهتها، تؤكد الكاتبة والمترجمة الإسرائيلية «لينا جلازمان» المتخصصة بترجمة الشعر النسائي العربي، أن الأدب العربي غير مقروء لدى العامة في «إسرائيل»، وبنسبة قليلة لدى الأدباء والمثقفين هناك ...» (9) .
ويبدو بعد هذه الشهادات أنه من المنطقي التساؤل حول الهدف من تطوع البعض منا بترجمة إنتاج أولئك المناوئين والرافضين لنا والتعريف بها، علما بأن أصحابها غير مبالين وغير مهتمين بما تطوع به من أجلهم؟
اليهود المسيطرون على العالم، ويملكون جل وسائل الإعلام، وما لهم من حاجة لتلك الجهود .. التي لو بذلت من أجل ترجمة إنتاجاتنا الفكرية للغات أخرى لكان أفيد لنا وأكرم.
الترجمة الإيجابية:
ثم لماذا لا تبذل تلك الجهود الترجمية من أجل تعريفنا بسبل التفكير عندهم وبمجمل مخططاتهم، وبالخصوص بخلاصات رؤاهم حولنا وزوايا نظراتهم إلينا؟ وذلك عوض تلكم - الكتابات الشعرية أو القصصية التي تمثلهم هم، ولا يمكننا أن نندمج فيها إلا إذا انسلخنا - من هويتنا ونبذناها وراء ظهورنا .
ثم لا شك في أنهم حين يعملون على الترجمة لنا يستحضرون الفرق بين الاهتمام الأكاديمي الجامعي المنبنية عليه الدراسات والأبحاث المعينة على التخطيط المسبق لكيفية التعامل مع ذلك الفلسطيني المحتلة أرضه من أجل تصفية وجوده وهذا النوع هو المماثل للاهتمام الاستشراقي الغربي بنا وبتراثنا وبين ذلك الاهتمام الذي لا نتقن نحن غيره.. اهتمام المعجب الساذج دون محاولة استبطان جوهر الروابط بين العمل المهتم به وبين فليتنا نعمل نحن أيضًا مثلهم منتجه وبين الأيديولوجيا التي كانت وراء إنتاجه (9).
على ترجمة أعمال عبرية، ثم نتناولها بالدرس وبالتمحيص أكاديميًا في جامعاتنا، من أجل فهم الخلفية الفكرية والثقافية لذلك المناوئ الذي أعيانا التدافع معه، وما نفعنا في شيء الاندلاق على أعتابه مستسلمين.
ثم ليتنا نعي حقيقة نوايا الغير حين يباشر ترجمة إبداعاتنا، ونبتعد عن السذاجة المفرطة التي تجعلنا نفيض نوايا حسنة حين يمنون بذلك، بينما هم سائرون في تحقيق مخططات مسبقة لهم غير عابئين باحتفائنا ولا بردود أفعالنا .
الترجمة للغير إذًا يجب ألا يغفل عن الاهتمام بها، ليس بهدف تيسير الذوبان في كيانات ليس لنا معها وشائج مشتركة، بل من أجل المعرفة الدقيقة التي تجعل البعض يكف عن الانبطاح، ويتحاشى الاندلاق المهين على الأعتاب .. ..
الهوامش:
(۳-۱) كرم سعيد: «الاهتمام الإسرائيلي بترجمة الأدب العربي.. الدوافع والاهتمامات».
(٥,٤) محمد عبود: «مجلة «إسرائيلية».... تطبيع من طرف واحد» «المصري اليوم» ٧/٢/ ۲۰۰۹م، ص ۱۷.
(۸,۷) الاهتمام الإسرائيلي، بترجمة الأدب العربي.. الدوافع والاهتمامات، مرجع سابق.
(۹) وكالة أنباء الشعر، ۲۰۰۸/۱۱/۲۰م.