العنوان «الحج».. وقفات لتطوير الذات
الكاتب فاطمة محمود عليوة
تاريخ النشر السبت 21-نوفمبر-2009
مشاهدات 69
نشر في العدد 1878
نشر في الصفحة 50
السبت 21-نوفمبر-2009
- ملابس الإحرام البسيطة دعوة للتقليل من مباهج وزينة الحياة الدنيا والتفكر في الآخرة
- الوقوف بعرفة يعلمنا الصبر في التضرع إلى الله سبحانه بلا ملل أو تعجل من الشروق إلى الغروب
- موقف عرفة يذكرنا بيوم الحشر وحاجتنا لظل الله سبحانه وتعالى يوم لا ظل إلا ظله
- العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل أيام السنة لأنها تجمع أمهات العبادة من صلاة وصيام وصدقة وحج
- في تكرار الطواف سبع مرات يتمتع الحاج بحلاوة الجوار والقرب من بيت الله
لله سبحانه وتعالى نفحات، ينعم بها على عباده، ومواسم خير يحب الله سبحانه أن يرى من عباده فيها حسن الطاعة، وما يكاد ينتهي موسم حتى نستقبل موسمًا خيرًا منه، وها نحن نستقبل شهور الحج، والتي فيها العشر من ذي الحجة، وهي خير أيام السنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
ويرجع سبب تفضيل عشر ذي الحجة عن بقية أيام السنة لاجتماع أمهات العبادة فيها من صلاة وصيام، وصدقة، والحج الذي لا يأتي مجتمعا مع غيره من العبادات إلا في العشر من ذي الحجة، وبها يوم عرفة الذي يباهي الله سبحانه وتعالى ملائكته باجتماع عباده للتضرع إليه بالدعاء، وهو خير يوم صلى الله يدعو فيه العباد ربهم سبحانه وتعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، وهو اليوم الذي يتكرم الله فيه على عباده، فيستجيب لهم ويشهد ملائكته بالغفران لمن بذل وتضرع في هذا اليوم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة».
فعلينا أن نحسن استقبال هذه الأيام المباركة بالتوبة الصادقة، والعزم على اغتنامها بكل سبل الطاعة المتاحة حتى نجني الخير الكثير إن شاء الله.
وما أجمل أن نتفكر في مناسك الحج لنأخذ منها دروسًا وعبرًا في تطويع النفس، على طاعة الله سبحانه، حتى ولو لم نكن من الذين أنعم الله عليهم بزيارة بيته الحرام هذا العام، ومع هذا نستطيع أن ننهل من مدلولات الحج، وأسراره، ما يغيرنا إلى الأفضل.
فالعبادات المفروضة علينا هي نفسها التي فرضت على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن تأثيرها عليهم أعظم من تأثرنا نحن بها؛ لأنهم أدركوا وفقهوا الحكمة وسر كل عبادة، فبرغم الانتهاء من العبادة أو النسك إلا أنهم يحيون ويتحركون بأثره عليهم في فكرهم ومعاملاتهم، وهذا ما لا نحسنه نحن وكأن أثر العبادة ينتهي منا بمجرد انتهائنا من أدائها! ولذا نفرغ من الصلاة وكأننا لم ندخلها بعد! وينقضي رمضان وكأنه ذكرى أيام خوال! ونعود من العمرة والحج بآثار مادية من حلق رأس أو تقصير، أكثر منها آثار على الروح والخلق، ولهذا لم نسجل في صفحات تاريخنا مجدًا يذكر في شهورنا وسنواتنا، كما ملئت نفس الشهور بأحداث مشرقة وبطولات مجيدة، حفرت في صفحات تاريخ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقفات للتدبر: فهل لنا من وقفات لنتدبر مناسك الحج؟! علنًا نخرج بدرس للحياة!
الإحرام :وزيه الموحد الذي يشبه كفن الميت! موعظة لكل ذي لب، فبرغم بقاء الإنسان على ظهر الدنيا، إلا أنه يرتديه بإرادته، بعد أن يغتسل، فهل تذكرنا يوم نغسل فيه بيد غيرنا، ونلف به على غير إرادة منا؟! فماذا أعددنا لهذا اليوم؟!
وملابس الإحرام البسيطة دعوة للتقليل من مباهج وزينة الحياة الدنيا، والتفكر في الآخرة، وسبيلها، وأولى منازلها، وهما الموت والقبر، حيث يجب أن يشغلا قدرًا من اهتمامنا ليس بالتشاؤم من انتهاء العمر، والخوف من المجهول والحزن لترك مباهج الدنيا، وإنما بحسن الإعداد للآخرة والاستعداد لمتطلباتها، ومنها الموت على لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتقديم العمل الصالح الخالص لوجه الله سبحانه.
النية: فالإحرام هو نية الدخول في النسك، والنية يقصد بها أن ينوي الحاج بقلبه وينطق بلسانه، نية الحج لله، وعلينا ألا ننسى أن النية مطلوبة في كل عمل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وأن الله سبحانه يجازي على نوايا العمل الصالح حتى ولو لم يتم العمل، فيجب على كل مسلم أن يحسن نيته، ويجعلها خالصة لله سبحانه.
الوقوف بعرفة والدعاء: فإذا وقف الحجيج بعرفة -ولم نكن معهم- فعلينا أن نتقرب إلى الله سبحانه بنعمه علينا، فنشكره في هذا اليوم على عطائه لنا، ونستغفره سبحانه على تقصيرنا، وإذا كان الدعاء خير ما يأتي به العبد يوم عرفة، فالدعاء عبادة لكل المسلمين سواء الحاج أو غير الحاج «فالدعاء هو العبادة».
والوقوف بعرفة يعلمنا الصبر في التضرع إلى الله سبحانه، بلا ملل أو تعجل؛ حيث يبدأ اليوم من الشروق ويمتد إلى الغروب وهو دعوة لإتقان العمل لمن فقه عبرة الوقوف بعرفة.
وموقف عرفة يذكرنا بالموقف بأرض المحشر، وحاجتنا لظل الله سبحانه، يوم لا ظل إلا ظله، ولن ننال هذا الخير في الآخرة إلا إذا أحسنا الوقوف بين يدي الله في الدنيا فلا نكون إلا حيث أمرنا الله ولا نحيا إلا بمنهج الله .
الطواف :فإذا طاف الحجيج بالبيت فعلق أنت قلبك برب البيت، فإن الله سبحانه قريب من عباده، ولتعلم أنك دائمًا موضع نظر الله، فلا تري الله منك إلا الخير.
وفي تكرار الطواف عبرة، فالحاج لم يكتف بالطواف مرة واحدة، ولكنه يكرره سبع مرات، حتى ينعم بحلاوة الجوار، والقرب من بيت الله، ولنتعلم منه الإصرار في بلوغ الأمل فلو فشلنا في تحقيق أمر ما، فلنعاود مرات ومرات، ففي كل عبادة درس للحياة!
استلام الحجر «يمين الله في الأرض»: إنه موقف يرق له القلب، ويهفو إليه من حرم منه، وأية سعادة ينالها الحاج عندما ييسر له استلام الحجر الأسود «الأسعد»، وإنه لموقف عظيم ففي هذه اللحظة ماذا لو وضع الإنسان يده في يمين الله؟! وعلى ماذا يتعاهد؟ أيعقل أن اليد التي استلمت الحجر في الحج، هي نفسها التي تبطش، وتستحل الحرام بعد الحج! أليس الأولى أن نتذكر فقرنا وقد وضعنا أيدينا بين يدي الكريم، ونتذكر ذنوبنا وقد وضعناها بين يدي الغفور الرحيم، راجين منه العطاء والغفران، ونعاهده على الطاعة، وسرعة الرجوع إليه وعدم الإصرار على معصيته، حتى يجعل الله سبحانه لنا ودا بين يديه في الآخرة.
السعي بين الصفا والمروة وفي السعي درس عظيم في الأخذ بالأسباب والبذل، وتكرار المحاولة، وعدم اليأس وسرعة الاستسلام، درس في بناء الإرادة، لمن فقدها، ومن السعي نتذكر ضرورة سعينا إلى الله والتقرب منه حتى ننال قرب الله لنا وعونه كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه باعًا، ومن تقرب إلي باعًا تقربت إليه ذراعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»، ولكن علينا أولًا أن نبدأ بالسعي إلى الله.
المبيت بمزدلفة فإذا بات الحجيج بمزدلفة فلنبت أنفسنا نحن على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).
انتقاء الجمرات :وإذا كنا ننتقي الجمرات لرجم الشيطان، أفلا ننتقي أقوالنا ونتخير أفعالنا لنقهر بها الشيطان؟! فإننا ننزل به أشد الحسرة والندم، عندما نخالفه، ونطيع الله سبحانه، فليس من المعقول أن نرجمه ببعض الجمرات في أيام معدودات، ثم نرجع ونطيعه، ونتبع وساوسه فنسعده أيامًا وشهورًا، بل وسنين، ونحن في غفلة من الرجوع عن المعاصي، والالتزام بمنهج الله.
يوم النحر والأضحية :فإذا كان يوم النحر للحجيج، فلندرب أنفسنا على ذبح هوانًا! ومخالفته إذا كان مخالفاً لما أمر الله به، وأن نتعلم معنى الأضحية الحقيقي، ولا نقصرها على ذبح شاة مرة في العام، ولكن لنضحي برغباتنا، وشهواتنا من أجل إقامة الحق، وإعلاء كلمة الله، ولنضحي ولو بقليل من مالنا من أجل كل محتاج، ولنضحي براحة بالنا، ونقول كلمة حق ترد المظلوم حقه، وليكن معنى التضحية أوسع حتى يشمل كل مواقف الحياة.
«الوداع»- طواف الوداع: فإذا طاف الحاج مودعًا البيت، وقد سأل الله من فضله العظيم، بعد أن أتم نعمة الحج عليه، فلندرب أنفسنا كل ليلة قبل وداع اليوم بمحاسبة النفس والاستغفار والتوبة، ولنتذكر وداع الحياة كلها باقتراب الأجل، فنحسن الظن بالله، ونحسن العمل والاستعداد ليوم الرحيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل