العنوان «الفساد» المالي في البرلمان البريطاني... دروس للتاريخ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 27-يونيو-2009
مشاهدات 66
نشر في العدد 1858
نشر في الصفحة 30
السبت 27-يونيو-2009
- فارق كبير بين الفساد المالي في بلادنا وبلادهم : فساد نواب البرلمان البريطاني بلغ عشرات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية ومع ذلك هناك من اعتذر ثم رد المبلغ.. أين نحن من ذلك؟
وشتان بين نظام مبني على حفظ المصلحة العامة وحرمة المال العام، في رقابة قلبية ووازع إيماني، وبين نظام مادي يسقط فيه المفسد فقط حينما ينكشف أمره، وإلا فهو ماض فيه بلا هوادة، وهذا ما حدث في فضائح نواب البرلمان البريطاني الذين استغلوا مناصبهم وأكلوا مال الشعب بالباطل.
قد يكون هذا ليس بمستغرب في برلمانات الشرق الذي أزاح الشريعة، وأبعد الشرفاء، ولكنه أمر مدوٍ هنا في معقل الديمقراطية الغربية، هز بعنف الثقة في سلطة الحكومة والبرلمان، وأدى إلى تدني شعبية «حزب العمال» الحاكم.
حملت وسائل الإعلام الغضب الشعبي الذي عبر عنه أخيرًا استطلاع للرأي للـــ (BBC) حيث أيد 65% من المستطلعين الدعوة لانتخابات عامة في أقرب فرصة، وعبر 64% عن أن أعضاء البرلمان المعترفين بهذا الاستغلال المالي يجب أن يجبروا على ترك البرلمان، بل إن البوليس ورجال القانون يبحثون الآن عن التحقيق في هذه الفضائح وتقديم أصحابها للقضاء، كما سيقوم موظفو الضرائب بالتدقيق في الأرباح التي حصل عليها عدد من النواب من بيع منازلهم من دون دفع الضرائب المستحقة عليهم، وهي البيوت التي اشتراها النواب خلال عضويتهم في المجلس في لندن لاستخدامها سكنًا لهم، وصرفوا على تجديدها وإصلاحها من أموال دافعي الضرائب، وبعد أن ارتفعت أسعارها قاموا ببيعها محققين أرباحًا بعشرات الآلاف من الجنيهات.
وتقدم الحكومة البريطانية علاوات سكن لنواب البرلمان، في مناطق إقامتهم الأصلية التي يمثلونها في البرلمان، بالإضافة إلى سكن آخر في العاصمة، حيث مقر المجلس.
وصلت رواتب أعضاء البرلمان في العام الماضي إلى ٦٠ مليونًا، وتكلفت بيوتهم «الثانية» ١٢ مليونًا.
السقوط
حتى كتابة المقال فقد وقعت السرقة والتزوير من ۸۲ عضوًا ووزيرًا «٣٦ من حزب العمال الحاكم، ٣١ من حزب المحافظين المعارض، و ۱۱ من الديمقراطيين الأحرار، و 4 آخرين»، وتتوقع «الإندبندنت» سقوط عشرة وزراء آخرين.
هؤلاء استغلوا نظام علاوة النفقات الإضافية التي صممت لمساعدتهم في ملاقاة التكاليف الإضافية للإقامة في بيت ثان.
بدأت الماساة مع كشف صحيفة «الديلي تلجراف» أن رئيس الوزراء «جوردون براون» قد حصل على مبلغ ستة آلاف جنيه إسترليني دفعها مقابل تنظيف مسكنه على مدى عامين، لكنه دفع المبلغ لشقيقه «لأن من يقوم بتنظيف مسكنيهما شخص واحد، ورئيس الوزراء مشغول جدًا فليس لديه وقت للتعامل معه»، كما فسر مكتب رئيس الوزراء، وجاء عنوان «الإندبندنت» في صفحتها الأولى: «خزي البرلمان، وتخوف النواب من مدى تقزز الناخبين، فيما تستدعي الشرطة للتحقيق في الفضيحة المتفاقمة للنفقات».
«التلجراف» نشرت مخططًا لشقة من غرفتين للوزير «فيل هوب»، وتحت عنوان: «كيف استطاع حشر كل هذا في شقة واحدة صغيرة جدًّا»، نشرت تفصيلًا بجميع الأشياء التي اشتراها الوزير لشقته، وكلفت الخزينة البريطانية ٣٧ ألف جنيه خلال أربعة أعوام.
فيما ذكرت «الجارديان» أن وزير البيئة «هيلاري بن» ابن الوزير السابق «توني بن» المعروف بتأييده للفلسطينيين ومعارضته الشديدة للحرب على العراق لم يطلب سوى ١٤٧ جنيهًا على مدى عام مقابل طعام، فيما هو مخول بطلب ٤٠٠ جنيه شهريًا.
بيت العار
سمّت صحيفة «الأوبزرفر» مجلس العموم البريطاني «بيت العار» ونقلت عن شابة بريطانية ستبلغ السن القانونية التي تسمح لها بالتصويت في الانتخابات المقبلة وصفها لسلوك النائب عن دائرتها وزير النقل: «إن من الغباء أن يطالب «هون» بكل هذه المبالغ كتعويضات سكن، بينما نمر بمرحلة كساد اقتصادي، إن الناس هنا يعانون من أجل تأمين مصاريفهم بينما تدفع الحكومة حتى قيمة مشترياته من البقال من جيوب الناس». وقال ناخب آخر من دائرة «هون» في وصفه لفصول هذه الفضيحة بأنها : «الفساد بعينه».
أحلك أيام البرلمان البريطاني
أما جريدة «التايمز» فقد وصفت يوم الخميس ١٤ مايو بأنه أحلك أيام البرلمان البريطاني، فقد شهد الخميس تعليق عضوية نائب عن حزب العمال بعد حصوله على تعويضات رهن عقاري المنزل كان قد انتهى فعليًا من سداد قيمته «عُلقت يوم السبت ١٦ مايو عضوية نائب عمالي آخر لنفس التهمة»، كما فصل أحد المستشارين الكبار الزعيم حزب المحافظين بعد تلقيه مبالغ تقدر بعشرات الآلاف من الجنيهات تتعلق بمنزل ثان له في لندن، والأمر تكرر أيضًا بالنسبة لتعليق عضوية نائب محافظ في مجلس العموم، كما أعلن الخميس «الأسود» تعليق عضوية اثنين من مجلس اللوردات في حادثة تعد الأولى من نوعها منذ ١٦٤٠م، وتورد صحيفة «الديلي تلجراف» اسمي عضوين في المجلس لم يدفعا ضريبة الدخل المستحقة عليهما وهما: وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية «هيزل بليرز» التي كانت تتلقى ٨٥٠ جنيهًا شهريًا من الدولة لدفع أقساط القرض العقاري الذي أخذته لشراء شقة لها في لندن، إلى أن باعتها عام ٢٠٠٤م وحققت ربحًا صافيًا بلغ ٤٥ ألف جنيه ولم تدفع الضريبة المستحقة عن ذلك، والثاني هو وزير العمل والمعاشات «جيمس برونيل» الذي قام أيضًا ببيع المنزل الثاني له والذي كانت الدولة تصرف عليه كونه عضوًا في مجلس العموم، أما المليونيرة وزيرة السياحة فطلبت ٢٥ ألفًا للأمن حول منزلها!
وسائد حريرية وأجهزة تلفاز وطعام كلاب
وأعلنت الصحيفة أن خمسة نواب الحزب «الشين فين»، الجناح السياسي للجيش الجمهوري الأيرلندي، تلقوا نصف مليون جنيه كتعويضات عن سكنهم في لندن، رغم عدم توليهم مهامهم كأعضاء في مجلس العموم، ومن بين هؤلاء زعيم الحزب «جيري أدامز»، ونائب رئيس حكومة أيرلندا الشمالية «مارتن ماجنيس».
الوزير: كما قدم «شهيد مالك» النائب عن حزب العمال وأول مسلم يعين كوزير في وزارة العدل البريطانية استقالته، بعد ما نشرته صحيفة «الديلي تلجراف» بشأن حصوله على تعويضات نفقات غير قانونية، وأكد متحدث باسم «براون» أن التوقعات ترجح عودة «مالك» إلى منصبه في حال تبرئته، مشيرًا إلى أنه لم يتم تعيين بديل له، وتزعم «الديلي تلجراف» أن «مالك» حصل على الحد الأقصى المسموح به من التعويضات والبالغة ٦٦ ألف جنيه إسترليني على مدى ثلاثة أعوام عن نفقات منزله الثاني في العاصمة لندن، بينما حصل على إيجار مخفض قيمته ۱۰۰ جنيه إسترليني أسبوعيًا على منزل العائلة في مدينة «دوزبري»، الذي قام بتسديده من نفقاته الخاصة، واشتملت قائمة المصاريف التي طالب بها شاهد شراء معدات سينما منزلية بقيمة ٢٦٠٠ جنيه ووصف «مالك» المزاعم بأنها ملفقة.
دروس
دور الصحافة ليس التشهير، وإنما إخراج ما خفي من فساد بُغية التطهير والإصلاح، هذا ما فعل هنا ونرجو أن نطبقه في بلادنا.
اعترف المخطئون واعتذروا، بل رد بعضهم الأموال التي صرفوها حرصًا منهم على إبقاء الثقة واستمرار الشفافية، لم يهربوا بالأموال، فهل يعتذرون ولا يهربون في بلاد العرب والمسلمين؟
لا أحد فوق القانون، مهما كان منصبه، ليتنا نطبق ذلك في مجتمعاتنا التي ينبغي عليها أن تمشي على خطا النبي ﷺ لما كان من أمر قريش حين أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبّ رسول الله ، فكلم رسول الله ﷺ، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله»، ثم قام فخطب قال: «يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» «البخاري».
وللشعب كلمة وموقف، فهو لا يحب من يسرقه، لذا فهم يطالبون بإقالة المجلس وبعدم ترشيح هؤلاء مرة أخرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل