; «الكواكبي».. وتشخيص طبائع الاستبداد «2 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان «الكواكبي».. وتشخيص طبائع الاستبداد «2 من 2»

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

مشاهدات 70

نشر في العدد 1231

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

بناء الأمم ليس أمرًا سهلًا يستطيعه الضعاف، وليس شيئًا عفويًا يناله الكسالى وتربية الشعوب وصياغة المبادئ يستحيل أن يكون صدفة عمياء، أو لقى بغير عناء وتأسيس الدول وتشييد الحضارات أمر لا يتحقق بأحلام المهازيل، وأماني الأقزام، وإزاحة الباطل وإعلاء الحق وقهر العبودية والفوز بالسيادة طريق صعب يحتاج إلى جهاد طويل وصبر شديد، وعزم حديد، ولهذا كان ذلك هو درب الأنبياء والمرسلين والرواد العظام ومن على شاكلتهم، وسبيل المجاهدين والمكافحين والصابرين والصادقين والمؤمنين ومن على منهاجهم:

صبَروا على مُرِّ الخطوبِ فأدركوا***حُلو المُنى معسولة الأقداحِ

الصبرُ إن فكرت أعظم عُدة***والحق لو يدرون خيرُ سلاح

وإذا ألح عليك خَطبٌ لا تَهِن***واضرب على الإلحاح بالإلحاح

مَنْ ذا يُغير على الأسود بغابها***أو مَن يعوم بمسبح التمساح

ولهذا نبه الحق سبحانه المؤمنين إلى هذا الأسلوب المنتج بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران:۲۰۰)، ودربهم على هذا الكفاح الواعد فقال: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة آل عمران: 138- 139- 140).

ولهذا لا ننطق إلا حقًّا إذا قلنا إن الإسلام هو الذي رسم الطريق الصحيح للعزة الإنسانية التي تبنى على الحقائق التي لا تهضم حقوق الناس أو تبغي عليهم، ولكنها تأخذ بيدهم لتبني بهم، وتعطيهم لتستفيد بعطاءاتهم، وترشدهم حتى لا تدمر طاقاتهم، ولكنها في الوقت نفسه تكافح بغي الباغين وعنت المتجبرين، ولهذا فإذا سألت نفسك ما الذي دهى هذه الحيوية الإسلامية، وتسبب في هذه الانتكاسة الحضارية؟ يحضرك الجواب أن الدين الذي رفع الأمم وهدى إلى الطريق القويم تغير في نفوس أصحابه إلا من رحم ربك، وتبدد من صدور معتنقيه إلا من فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى، فأدخلوا فيه البدع ووقفوا فيه عن الاجتهاد، وتخلوا فيه عن الجهاد، وبعدوا عن الرشاد، ودب فيهم أمراض الأمم من قبلهم، وتتبعوا به سنن من تقدمهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه معهم، وفتنت الحياة من افتتن، فضعف من ضعف، وخنع من خنع، وضل من ضل، وهمد من همد، حتى كأنك تحسبهم من أهل القبور، ولهذا تجد «الكواكبي» -رحمه الله- يناديهم من قريب فلا يسمعون ويناجيهم بغير حجاب فلا يجيبون فيقول: «يا قوم، ينازعني والله شعور، هل موقفي هذا في جمع حي فأحييه بالسلام، أم أنا أخاطب أهل القبور، فأحييهم بالرحمة والدعاء؟ لستم بأحياء عاملين ولا بأموات مستريحين، فأنتم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء في برزخ إلى يوم تحشرون، يا رباه إني أرى أشباح أناس يشبهون الأحياء وهم في الحقيقة موتى لا يشعرون، يا قوم هداكم الله إلى متى هذا الشقاء المديد والناس في نعيم مقيم وعز كريم؟ أفلا تنظرون إلى الشعوب الخاملة كيف بعثت؟ وإلى الأمم المتخلفة كيف نهضت؟ ما هذا التأخر وقد سبقتكم الأقوام ألوف المراحل، حتى صار أراذل الناس أمامكم وضيَّاعهم سابقين لخطوكم؟ ما هذا الانخفاض والناس في أوج الرفعة أفلا تغارون؟ أناشدكم الله، هل طابت لكم طول غيبة الصواب عنكم؟ أم أنتم كأهل ذلك الكهف ناموا ألف عام ثم قاموا، وإذا بالدنيا غير الدنيا، والناس غير الناس، فأخذتهم الدهشة والتزموا السكون والهمود؟» نرى هذا التقريع الذي يؤلم النفس من إنسان يحترق أسى ولوعة على مصلحة قومه وأحوالهم وما صاروا إليه، وكأني بقول القائل:

ونار لو نفخت بها أضاعت***ولكن أنت تنفخ في رماد

لقد أسمعت لو ناديت حيًّا***ولكن لا حياة لمن تنادي

ثم يستأنف زفراته المكلومة فيقول: «يا قوم: وقاكم الله من الشر، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة بالآباء، مبتلون بداء التقليد والتبعية في كل فكر وعمل، وبداء الحرص على كل عتيق كأنكم خلقتم للماضي لا للحاضر، تشكون حاضركم وتسخطون عليه بغير عمل، ومن لي أن تدركوا أن حاضركم نتيجة كسلكم، ومع ذلك أراكم تقلدون في الوساوس والخرافات والأمور الساقطة فقط، ولا تقلدون في المحامد!! أین الدین؟ أین التربية؟ أين الإحساس؟ أين الغيرة؟ أين الجسارة؟ أين الثبات؟ أين الرباط؟ أين المنعة؟ أين الشهامة؟ أين النخوة؟ أين الفضيلة؟ أين المواساة؟ هل تسمعون أم أنتم لاهون؟».

نعم.. حينما تذهب المحامد والفضائل والصفات الكريمة يخلفها صفات ذميمة وأفعال شائنة وأعمال سيئة، ويستمرئ الناس المنكر والهوان، وصدق الله ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة المطففين: 14)، ثم يقول الكواكبي مناجيًّا قومه: «يا قوم، قاتل الله الغباوة، فإنها تملأ القلوب رعبًا من لا شيء، وخوفًا من كل شيء، وتفعم الرؤوس تشويشًا وسخافة، أليست هذه الغباوة جعلتكم كأنكم قد مسكم الشيطان، فتخافون من ظلكم، وترهبون شعوبكم، وتجيشون منكم عليكم جيوشًا ليقتل بعضكم بعضًا، تترامون على الموت خوف الموت، وتحبسون خوفكم في صدوركم ونطقكم في ألسنتكم، وإحساسكم في وجدانكم خوفًا من أن يسجنكم الظالمون، وما يسجنون غير أرجلكم أيامًا، فما بالكم يا جلاس الغواني على الذل تقيمون، ولا تطيقون مجالسة الرجال في السجون؟».

وبعد.. يا أخي أترى بناء هذه الأمم من جديد أمرًا سهلًا، وردها إلى الصواب شيئًا هينًا، والأخذ بيدها ووضعها على الطريق الصحيح حتى تنطلق، وعلى الصراط المستقيم حتى تسابق، عملًا يستطيعه الضعاف، أو الكسالى، أو المهزومون نفسيًا وثقافيًا وعلميًا؟ أم أن هذا أمر يحتاج إلى صدق في العزيمة وقوة في الإيمان، وصبر في العمل ورجولة في الكفاح والجهاد، وهذا هو الأمر الذي قرره الله في الصحب الأول بناة الأمة، وباعثي النهضات حين قال سبحانه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (سورة الأحزاب: ۲۳)، فهل عرفنا الطريق، وعرفنا الهمم المرادة؟ فهل نعقد العزم؟.. نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :