العنوان «المتاجرة بالخلاف خيانة عظيمة»: تعليم الناس التوحيد ليس إشعالًا للحرائق
الكاتب قيصر سلطان المسباح
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1983
مشاهدات 43
نشر في العدد 612
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 15-مارس-1983
رد
على منبر المجتمع
معرفة
أين الله واجب وأصل من أصول الإيمان، بل ومن المعلوم في الدين بالضرورة، والسؤال
عنه ليس لغوًا ولا غباء ولا إشعالًا للحرائق فقد فصل الله ذلك في كتابه والرسول
-صلى الله عليه وسلم- في أحاديثه وآمن به الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة
رضوان الله عليهم والتابعون لهم بإحسان والأئمة رحمهم الله ومن سار على نهجهم.. أذكر
هذه القضية بعد أن فوجئت عند قراءتي مقالًا بقلم الشيخ محمد الغزالي نشر في مجلة
المجتمع يوم الثلاثاء ١٦ جمادى الأولى بعنوان «المتاجرة بالخلاف خيانة عظيمة»
ومما ذكر فيه أنه جرى خلاف بين المصلين في أحد المساجد بحلوان نتيجة تعليم خطيب
المسجد للمصلين أين الله؟ حيث أجاب على ذلك بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في
صحيحه ورواه أبوداود والنسائي عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت جارية ترعى
غنمًا لي قبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاه من غنمها وأنا
رجل من بني آدم آسف كما يأسفون (أغضب) لكني صككتها صكة (لطمتها) فأتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي. قلت يا رسول الله: أفلا
أعتقها؟ قال: «ائتني بها» فأتيته بها فقال لها: «أين الله»؟ فقالت: في
السماء. قال: «من أنا»؟ قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». من هذا
الحديث يتبين لنا أن الخطيب لم يكن سببًا في إشعال الحريق وإنما كان داعية إلى
الله معلمًا بما علم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد علم الناس بأن سأل
سؤالًا قد سأله من قبله قدوته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعلوم أن السؤال
نوع من أنواع التعليم كما جاء في الحديث عندما سأل جبريل -عليه السلام- الرسول
-صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام والإيمان والإحسان، وأجابه الرسول فقال في آخر
الحديث «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم» ولا يخفى على مسلم يتبع السلف أنه يجوز
السؤال أين الله تعليمًا وتوجيهًا لأن الرسول فعل ذلك وهو لا يفعل باطلًا ولا
مكروهًا -صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن طرح الرسول صلى الله عليه وسلم للسؤال
دلالة على أهميته لاسيما أن هناك آيات وأحاديث كثيرة أثبتت صفة العلو لله منها
قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لِّلْكَافِرِينَ
لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ. مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ. تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ
وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج: 4)، وقوله تعالى ﴿يَخَافُونَ
رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ (النحل: 50). وقوله تعالى ﴿إِلَيْهِ
يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:
10) وقوله سبحانه ﴿يا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ
إِلَيَّ﴾ (آل عمران: 55). ومن الأحاديث قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-
للأنصار: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء»
الصحيحين. وقصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة لما حكم فيهم أن تقتل مقاتليهم وتسبي
ذراريهم فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق
سبع سموات» وقد أثبت صفة العلو لله الصحابة رضوان الله عليهم خير سلف هذه
الأمة فقد قال أبوبكر للصحابة عند موت الرسول -صلى الله عليه وسلم: «من كان
يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي في السماء لا يموت»[1] (البخاري). وعن
أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه
وسلم وتقول: «زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات» (البخاري).
وكذلك أثبتها الأئمة رحمهم الله فهذا مالك يسأل عن (الرحمن على العرش استوى) فيقول:
الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وهذا أبو حنيفة
يكفر من لا يعتقد بأن الله في السماء. فقد روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري
بسنده إلى مطيع البلخي أنه سأل أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في
الأرض؟ فقال: قد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (طه:
5)، وعرشه فوق سبع سماواته قلت فإن قال على العرش ولكن يقول: لا أدري العرش في
السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أنه في السماء فمن أنكر أنه في
السماء فقد كفر. فنحن ندعو المسلمين إلى التمسك بعقيدة السلف رضوان الله
عليهم.
وَكُلُ
خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ
وَكُلُّ
شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
وهكذا
نرى أن الخطيب الذي علم الناس شيئًا من عقيدتهم لم يشعل حريقًا وإنما دعا إلى هدى
ونور، وإذا كان الشيخ لا يريد أن يقابل الناس بشيء ينكرونه، فمعنى ذلك أنه لا يجوز
بيان كل أنواع الشرك التي وقع فيها الناس من عبادة غير الله ودعائه والاستغاثة
بغيره والتحاكم إلى سواه، ونفي صفاته الحسنى، وسب الصحابة، ولعن أوليائه، ورفع
المجاذيب والمجانين إلى مراتب الولاية الكبرى، وكل هذه مما ينكرها اليوم جمهور
كثير من المصلين.. فإذا كان استقبال الناس بالحق في هذه الأمور إشعالًا
للحرائق فليسكت العلماء إذن أو فليكتفوا بآداب الحيض وأحكام الطهارة فهذه هي التي
لا تشعل الحرائق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل