العنوان (المجتمع النسوي)
الكاتب إحسان السيد
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
مشاهدات 109
نشر في العدد 940
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
وقفة: قبل أن
تعظمي في نفسك!
تقول أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها في معرض كلامها على حديث الإفك: «والله ما ظننت أن
ينزل تعالى في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يُتكلم بالقرآن في أمري،
ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا تُبرئني،
فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أُنزل عليه الوحي، فأخذه ما
يأخذه من البُرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شاتٍ».
تأملي أختي
المسلمة: أحب الناس إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت الصديق رضي الله
عنه، وزوج خاتم الأنبياء والمرسلين تبيت حتى تصبح، كما تقول، لا يرقأ لها دمع، ولا
تكتمل بنوم حتى تظن أن البكاء فالق كبدها ويستمر نهارها كليلها، حتى تجلس معها
امرأة من الأنصار تبكي معها حين سمعت بحديث الإفك.
أم المؤمنين
هذه، وهي في حالها العصبية الصعبة تلك، تقول: «ولأنا أحقر في نفسي من أن يُتكلم
بالقرآن في أمري» «والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا»! هل للمسلمة، بعد هذا، أن
تُعظم نفسها عندها؟ هل لداعية أن ترى في نفسها الصلاح والتقوى والورع والزهد،
والصديقة بنت الصديق، أقرب الناس من النبي الموحى إليه، لا تتوقع أن ينزل الوحي في
شأنها، وهي أحوج ما تكون إلى تبرئة الوحي، وسط حديث إفك انتشر وذاع، وصدقه من
صدّقه، وتحدث به من تحدث؟! بل إنها، رضي الله تعالى عنها، ترى نفسها أحقر من أن
تُثبت تبرئتها في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة؟! فيا أختي المسلمة، ترفقي بأخواتك
في الله، وتواضعي لهن، وحاذري أن يتملكك غرور لكثرة صلاة، أو كثرة صيام أو زيادة
علم. ولتذكري، كلما عظمت في نفسك، قولة أم المؤمنين رضي الله عنها: «ولأنا أحقر في
نفسي»!!
غيرة.. لكنها لا
تخرج عن الحق
عن أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين: فحزب فيه
عائشة وحفصة وصفية وسودة والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه
وسلم. وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله
عنها، فإذا كان عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخرها، حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة أرسلها إليه.
فكلم حزب أم
سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس فيقول: من أراد أن
يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها حيث كان من بيوت نسائه.
فكلمته أم سلمة
بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألتها فقالت: ما قال لي شيئًا. فقلن لها: فكلميه.
قالت عائشة: فكلمته حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئًا. فسألتها فقالت: ما
قال لي شيئًا. فقلن لها فكلميه حتى يكلمك فدار إليها فكلمته فقال لها: «لا تؤذيني
في عائشة، فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة». قالت أم سلمة: «أتوب
إلى الله من أذاك يا رسول الله».
ثم إنهن دعون
فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
تقول: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر.
فكلمته فقال:
«يا بنية، ألا تحبين ما أحب؟» قالت: بلى. فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن ارجعي إليه،
فأبت أن ترجع.
فأرسلن زينب بنت
جحش فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة. فرفعت
صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة... حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر
إلى عائشة هل تكلم. قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها... فنظر النبي صلى
الله عليه وسلم إلى عائشة وقال: «إنها بنت أبي بكر». أخرجه البخاري.
هذا الحديث
الشريف فيه إضاءات أعرض لها فيما يلي من أسطر:
1. واضح أدب أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها
مع النبي صلى الله عليه وسلم، فحين نقلت له رسالة طائفة من نسائه بأن يُعلن صلى
الله عليه وسلم عن قبوله للهدايا حيث كان من بيوت نسائه، لم يُجبها صلى الله عليه
وسلم وصمت، فلم تُعاود أم سلمة رضي الله عنها السؤال، وعادت إلى نسائه تخبرهن بصمت
النبي. وحين كررت الطلب من النبي صلى الله عليه وسلم، استجابة إلى نسائه وجاوبها
عليه الصلاة والسلام بالصمت أيضًا فلم تُعاود سؤاله كذلك. ولما طلبن منها أن تظل
تكلمه حتى يُكلمها صلى الله عليه وسلم، وأجابها بقوله: «لا تؤذيني في عائشة» ردت
تُعلن توبتها إلى الله: «أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله». استجابة مباشرة إلى
طلبه صلى الله عليه وسلم، ورجوع تائب إلى الحق، ومراعاة سامية لمشاعر النبي صلى
الله عليه وسلم.
2. وواضح أدب فاطمة الزهراء رضي الله عنها حين
نقلت إلى أبيها صلى الله عليه وسلم رسالة نسائه ورده الرقيق عليها: «يا بنية ألا
تحبين ما أحب؟» فتجيب دون تردد وبموافقة بارة «بلى». ولهذا فإنها - رضي الله عنها
- لم تستجب لطلب نسوة النبي منها أن تعود إليه صلى الله عليه وسلم وتكرر طلبهن
منه.
3. ظهر جليًا حلم النبي صلى الله عليه وسلم على
غيرة أمهات المؤمنين، وعدم غضبه عليهن بل استماعه إلى خلافهن وتنافسهن، مراعيًا ما
جُبلت عليه المرأة من عواطف جياشة، ومشاعر حارة، وغيرة حادة. وفيه توجيه لأزواج
اليوم ليكونوا واسعي الصدور على ما يبدر من زوجاتهم، حليمين على غيرتهن مترفقين
بهن. هذه أم المؤمنين زينب تُغلظ القول للسيدة عائشة رضي الله عنهما، ورسول الله
صلى الله عليه وسلم لا يرد عليها، ويترك للسيدة عائشة التي لا ترد حتى تشعر بأن
النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن لها نظره: (لينظر إلى عائشة هل تكلم؟) وفي هذا أدب
عظيم من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فهي لم ترد على زينب رضي الله عنها حتى
أيقنت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس مانعًا لها.
4. أما أدب أم المؤمنين زينب رضي الله عنها
فنأخذه من موقفها من السيدة عائشة في حديث الإفك، فعلى الرغم من هذه الغيرة
الشديدة التي لاحظناها عندها من السيدة عائشة، وغِلظتها عليها في الحديث أمام
النبي ﷺ يسألها عن أمر السيدة عائشة بقوله: (يا زينب ما علمت؟ ما رأيت؟) نجدها
تقول: «أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيرًا» تقول عائشة رضي الله عنها:
«وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع». إنها لا تذكر عن عائشة إلا خيرًا،
لأنها لم تعلم عنها إلا خيرًا، على الرغم مما كان بينهما من غيرة رضي الله عنهما
وأرضاهما. والآن، أختي مسلمة اليوم، ماذا نتعلم من هذا كله؟
• لتجعلي أمهات المؤمنين وفضليات الصحابة
قدوة لك في حياتك، وتعلمي منهن أدبهن مع أزواجهن، وحسن القول بين أيديهم، وعدم
الإلحاح عليهم في الطلب، وعدم سبقهم بالحديث أمام أقاربك المحارم.
• الغيرة لصيقة بنفس المرأة، وقد يصعب أن
أدعوك إلى التجرد منها، لكني أدعوك إلى ألا تجعلك تقولين غير الحق، فلقد وجدنا أم
المؤمنين زينب رضي الله عنها حين يسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن أم المؤمنين
عائشة في حديث الإفك، وجدناها تحمي سمعها وبصرها عن أن تنسب إليها ما لم تسمعه وما
لم تره، ثم تُقسم قائلة: «والله ما علمت عليها إلا خيرًا» على الرغم من المنافسة
والغيرة الشديدتين.
• أما الأدب مع الأب فقد لمسناه في موقف
السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها حين استجابت لأبيها النبي صلى الله عليه وسلم
ووافقته على أنها تحب ما يحب صلى الله عليه وسلم. ثم أنها لا تعود إليه حين طلبت
منها ذلك أمهات المؤمنين اللواتي كن مع زينب رضي الله عنهن جميعًا.
اقرئي، أختي
المسلمة، حياة أمهات المؤمنين والصحابيات المؤمنات العاملات بما أمرهن إسلامهن،
وتأملي في العبر التي فيها، والعظات الغنية بها، والله يوفقك إلى الفوز برضاه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل