العنوان «المجتمع» في جولتها الثانية.. مع الدكتور الترابي.. في الحوار الصريح
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1973
مشاهدات 12
نشر في العدد 137
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 13-فبراير-1973
«المجتمع» في جولتها الثانية.. مع الدكتور الترابي..
في الحوار الصريح
- الحرية
هي الفاصل.. بين السلوك الغريزي الجبري.. وبين السلوك الاختياري
- ليس
لسلطان.. ولا لجماعة إكراه الإنسان.. على الدين
- الابتلاء..
يؤكد معنى الحرية.. وقيمة الاختيار
- الفردية..
مناط التكليف.. نية.. وطاقة.. ومسؤولية
- لم
يعد الدين اختيارًا.. وغلب عليه طابع الإرث والتقليد
هذه هي الجولة الثانية.. في الحوار الصريح.. مع الدكتور
حسن الترابي. تركزت هذه الجولة.. في قضية الحرية.. وأهميتها في حياة الفرد وحياة الجماعة.
ومن الخير أن نقتصد في التدخل.. وأن نخلي بينكم وبين الدكتور الترابي.
·
كيف يتحقق
الاجتهاد.. ويظفر المسلمون بالتقدم.. بينما المناخ الذي تزدهر فيه حركة الاجتهاد والتقدم..
غير موجود.. وهو الحرية؟ يسر قراء «المجتمع» أن يعلموا رأيكم في قضية لم تأخذ حقها
في التفكير الإسلامي.. «قضية الحرية».
- من أهم المميزات التي كرم الله بها الإنسان.. وفضله
بها على كثير ممن خلق تفضيلًا.. ميزة «الحرية». فضله.. بأن أتاح له أن يعبد الله باختياره
وإرادته. وفضله بأن جعله موضع ابتلاء واختبار.. والابتلاء ذاته يؤكد معنى الحرية..
ومعنى الاختيار الإنساني.. الذي لا يتحقق إلا في كنف الحرية. وفي أصل الدين.. الإسلام
ما أتاح لسلطان مسلم ولا لجماعة مسلمة أن تكره الإنسان على الارتباط بأصل الدين. وكل
العلاقات الاجتماعية التي تفرض على الإنسان وتلازمه -جبرًا -بحكم مولده في أرض ما..
في قوم معينين وبلون معين -وهي علاقات ليس فيها للإنسان خيار -يرفضها الإسلام إذا أصبحت
هي القيمة العليا أو معيار المفاضلة.. يرفضها لأنها تتناقض مع أصل من أصوله الأساسية
والثابتة.. «الحرية». الدين يحرر الإنسان.. ويجعل علاقته مع الآخرين تقوم على الاختيار
الحر.. هو الذي يختار أن يكون معهم.. أو لا يكون.. وهذه هي قاعدة التجميع: الإنسان
يختار أن يعبد الله، وبنفس الحرية يختار أن ينتظم في صف المسلمين الذين يعبدون الله.
ومعنى «الفردية» توكيد لقيمة الحرية في ديننا. فلقد كلف الله سبحانه كل إنسان بتكليف
منفصل عن تكليف الآخرين. وبالرغم من أن تكاليف الدين تبدو كلها واحدة إلا أن التكليف
مبني على وسع كل إنسان.. وطاقته واحتماله. وكل إنسان خلق بقدر معين من الذكاء.. والطاقة
الجسدية والتركيب النفسي.. وفي ظروف خاصة لا تكاد تنطبق على شخصين.
هذه العوامل جميعًا.. مقدرة ومحسوبة.
من هنا جعل نصيب الإنسان - من الدين والعبادة -.. فرديًا..
بمعنى أنه حتى في حالة اشتراكه مع آخرين في عمل جماعي.. يخرج بنصيب خاص ومستقل من الأجر
والثواب.. فيُعطى من فضل الله.. على أساس نيته الذاتية.
فالابتلاء فردي.. والتكليف فردي.. ونصيب الإنسان من
هذا التكليف فردي.. والمسؤولية -يوم القيامة- فردية، فيومئذ لا يجيء الناس في جماعات..
وإنما يأتي الإنسان ربه فردًا.. فلا تزر وازرة وزر أخرى.. ولا يحاسب إنسان على عمل
يتعلق بالآخرين.. إلا إذا اشترك هو شخصيًا في هذا العمل وأثر فيه.
كل هذه المعاني تؤكد قيمة حرية الإنسان الفرد.
وطبعًا.. هناك اعتبارات أخرى تؤكد أهمية الجماعة.. الإخاء..
والتكافل.. والموالاة بين المسلمين.
والإنسان أثناء تحقيقه وتنفيذه لتكاليفه الشرعية.. لا
ينفذها في فراغ.. ولا في عزلة.
ينفذها من خلال تعامله مع إخوانه.
بيد أن المعنى الأول - معنى الفردية والحرية والاختيار
المستقل والمسؤولية المنفصلة - يظل قائمًا.. حيًا- لا ينطمس.. ولا ينبغي أن ينطمس..
فلا يستطيع الإنسان أن يكون متدينًا.. مؤثرًا مسؤولًا.. إلا بوجود هذا المعنى في نفسه..
إيمانًا وحياة وعملًا.
إن الغاية في الدين هي لقاء الله... وهي غاية فردية..
فتحقيق نظام اقتصادي عادل.. أمر لا يهم الفرد في الدرجة الأولى.. وإنما يهم الجماعة
في الأساس.
وعندما تكون الغاية تحقيق العزة القومية لبلد ما.. يتضاءل
دور الفرد.. أو يذوب.. ويتضخم الهدف الجماعي.
أما في الدين.. فالغاية النهائية للحياة.. هي لقاء الله..
والدخول في رحمته ورضوانه.
والفرد الصالح وهو يسعى إلى هذه الغاية.. يقدم - في
الطريق - الخير.. والبر.. والمعروف لغيره من الناس.
والترابط بين مسؤولية الفرد.. وجهود الجماعة يتضح في
أكثر من مظهر.. ومجال.
تجد النظام السياسي في الإسلام قد بني على الشورى..
فالسلطان أو سلطة الاستخلاف التي يداولها الله بين الناس.. فيعطيها لقوم بعد قوم..
نجد لكل إنسان فيهم سهمًا.
فعندما تمارس هذه السلطة.. يحمل الإنسان الفرد جزءًا
من مسؤولية الممارسة.. وعلى كل إنسان أن يحقق هذه المسؤولية ويباشرها عمليًا.. بإبداء
رأيه.. أو بإسداء النصيحة.. فالدين النصيحة.
ومن مجموع هذه النصائح.. يجيء الإجماع.. أو رأي الأغلبية..
وهذا الرأي يأتي بعد النص القطعي في الشريعة.
والاقتصاد لم يجعله الله جبروتًا في يد السلطة العامة..
ولا أداة محتكرة في يد الجماعة.. فلقد جعل لكل إنسان كسبه الخاص في الاقتصاد والإنفاق..
وذلك مع دقة التوفيق بين الملكية الخاصة.. وحق الجماعة.
بل إننا نجد حتى في العبادات التوفيق بين الفردية..
والجماعية.
فالمسلم يستقل بصلواته.. وفي نفس الوقت تؤدى هذه الصلوات
أداءً جماعيًا.. وفي النهاية تصح صلاة المسلم.. أو تبطل.. بنيته الخاصة المستقلة..
فمن العبادات.. إلى الاقتصاد.. إلى السياسة إلى الاجتماع..
إلى الوحدة الصغيرة في المجتمع «الأسرة» نجد هذا التوفيق.. فالإسلام يحفظ للزوجة حقها..
ويقيم إدارة البيت على التشاور بين الاثنين.
فالحرية إذن.. هي حياة المسلم وسلوكه.. وبغير هذه الحرية
لا يتحقق معنى العقيدة.. ولا يمكن أن تمارس أحكام الشريعة.
وهناك أمر آخر هو.. أن عبادة الله قائمة على الحرية..
وعلى الطوعية.. وفي هذا تحرير للإنسان من أن تستعبده الجماعة.. أو تستعبده الطبيعة.
الجماعة.. في صورة رجل.. أو حزب.. أو شعار.
والطبيعة في شكل «أشياء».. أيًا كانت هذه الأشياء.
لا يتعلق بالبشر.. ولا يعتقد أنهم يحملون عنه خطاياه..
أو بيدهم الخير.. يفيضونه عليه.. بينما يقنع هو بالسلبية.. والسؤال.. والانتظار.
الفرد المسلم - بعد أن يتحرر بعبادة الله من كل ما سواه
- إذا اتبع إنسانًا آخر.. فإنما يتبعه لأنه يسير في الطريق إلى الله.
وإذا سار مع جماعة.. فلأنها تمشي في الطريق الصحيح فإذا
زاغت.. استقل بالسير في طريقه.
والأشياء إذا تعلق الإنسان بها تصبح استعبادًا.
صلة المسلم بالأشياء ينبغي أن تكون معبرًا إلى ما وراءها..
تمامًا كما فعل سيدنا إبراهيم - عليه السلام - نظر إلى الكوكب.. ثم إلى القمر.. ثم
إلى الشمس.. وما زال يترقى ويخترق ظواهر الطبيعة فلما أفلت جميعًا.. نفذ إبراهيم عليه
السلام إلى الحقيقة الكبرى.
والإنسان في نظره إلى الأشياء لا يليق به أن يقف عند
علم ظاهر الحياة الدنيا.
ذلك أيضًا معنى من معاني الحرية.
وكما ميزنا في حديثنا الآنف - عن التطبيق الإسلامي -
بين الدين كما ينبغي أن يكون.. والدين كما هو واقع.. نفعل ذلك الآن.. بنفس المنطق..
ولنفس السبب.
في الدين كما هو واقع اليوم تعطل الكثير من هذه القيم
الأصيلة.
لم يعد الدين اختيارًا تامًا نابعًا من إرادة حرة مبرأة
من الضغوط والإضافات.
الدين اليوم.. يرثه الناس إرثًا كما يرثون الخصائص الأخرى
كلون البشرة.. أو الانتساب العرقي..
الإحساس بالتكليف المستقل.. والمسؤولية الدينية المستقلة...
والشعور بالفردية المتحررة.. هذه القيم اندثرت.. أو كادت.
- تعلمون
أن انعدام هذه القيم قد حرم الناس من نعمة الهدى.. ومن المكانة في الحياة.. فهل
نطمع في مزيد من تفسير هذه الظاهرة؟
- إن كثيرًا من الناس يعتقد اليوم أن هناك آخرين يمكن
أن يحملوا عنهم خطاياهم وأوزارهم.. أو أن الخير يتحقق على أيدي هؤلاء.. وتسقط عن الأتباع
- وهم يتفرجون – تبعة العمل.. ومسؤولية التغيير.
سواء كان هؤلاء أولياء.. وصالحين، أو قادة سياسيين..
ففكرة المسؤولية الفردية ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ
إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39) ضاعت.. أو وهت فعاليتها.
واستشعار العلاقة المباشرة مع الله.. خفت إشراقها..
والخيار في أصل الدين.. تحجر.. أو مات بل إن نظامًا أساسيًا في الإسلام -هو نظام الشورى-
قد تعطل منذ فترة طويلة.
أكثر من هذا.. الجماعة كلها كنظام وكسلطة اختفت.. وصار
رأي الإمام أو الحاكم بعد النص مباشرة.
وهذا هدم للأصول الإسلامية.
الأصول الإسلامية.. هنا.. بهذا الترتيب:
▪ النص في الكتاب والسنة.
▪ رأي الجماعة.. الذي هو ثمرة
الشورى.
▪ ثم يأتي - في الدرجة الثالثة
- رأي الإمام.. أو الحاكم.
هذا الترتيب اللازم.. تركناه؟
حُذف - استبدادًا - رأي الجماعة.. وبالتالي ألغيت الشورى..
واحتكر الإمام.. أو الأمير.. أو الحاكم الرأي وجرد الجماعة من حقها.
ثم توالدت الأخطاء.. والانحرافات.. عُطل النظام الشورى..
وترتب على ذلك تعطيل حرية الجماعة وكانت النتيجة تعطيل الحرية الفردية وفي الجانب العملي
- وثمرة للأخطاء السالفة - تخلف المسلمون فبدلًا من أن ينهضوا لتحقيق الدين.. وتجديده..
تركوا ذلك لرجال الدين.
ومثل ذلك حدث في المسيحية.. عندما أوكل الناس لرجال
الكنيسة أمر الدين.. والأعمال الدينية.
وكان أن ترك الناس الدين -جملة - للكنيسة.. ثم تحركوا
في حياتهم بمعزل عن الدين.
ثم ضربوا الكنيسة ذاتها لأن حركتهم قادتهم للصدام العنيف..
مع الكنيسة والمسلمون - أو أغلبيتهم - تركوا الدين للعلماء.. والأولياء.. يشرعون..
ويحملون المسؤولية.. ويقربون الناس إلى الله..
تضييق الدائرة في السلطة السياسية.. وفي العلم الديني
وفي المسؤولية.. أدى إلى غياب الحريات العامة.
القرار اليوم - ومنذ أن فقد المجتمع الإسلامي حرياته
العامة - يصدر عن شخص واحد.
والشخص - بحكم بشريته - يتأثر بهواه.
بدلًا من أن يبرز أكثر من رأي.. وأكثر من وجهة نظر..
ثم يختار الرأي الأصوب عن طريق المناقشة الحرة في الشكل الشوري -المتطور مع أساليب
كل زمن- صار الرأي فرديًا وتركزت السلطة في يد واحدة.. والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
هنالك تراكمت الأخطاء.. وكثر الزيغ والميل مع الهوى.
·
ما أثر ذلك
في مجال التقدم العلمي؟
- أثر ذلك أن المسلمين أهملوا العلوم العقلية زمنًا
طويلًا.
تفاعلهم مع المادة.. ومع التجربة العلمية.. كان هامدًا..
ومن هنا تأخروا حضاريًا.
- والحل؟
- إذا أردنا أن نعيش إسلامنا عمليًا لا بد من:
1 - أن تستقيم العقيدة.. وتنبني على معاني الحرية والمسؤولية.
2 - وأن نقيم جماعتنا أو حركاتنا على الأسس الدستورية
الشرعية الشورية.
3 - وأن تكون الدولة الإسلامية صورة مكبرة.. للواقع
السليم الذي ينبغي أن نعيشه اليوم.
نحن كحركة.. علينا أن ننشد الحرية.. فإذا لم نجدها هاجرنا
إليها.. فكرة الهجرة - هي فكرة تحررية.. ليس من أجل أن يسلم الإنسان شخصيًا - فهذا
اعتبار جانبي - وإنما في سبيل أن يجد المسلم مجالًا يمارس فيه دعوته ودينه.
المسلم إذا كان في جماعة ينبغي أن يمارس حريته كاملة..
وعليه أن يتأكد من أن الجماعة مؤسسة على الشورى وعلى احترام حرية الناس.
والحركة الإسلامية في أي بلد لا بد أن تدعم اتجاهات
الحرية.. بكل ما تستطيع.
فإذا تولت السلطة.. كان من مسؤوليتها وواجباتها الرئيسية
أن تحقق الحرية.. فإذا لم يتيسر لها ذلك مرة واحدة.. كما لا يتيسر لها – مثلًا - تصفية
المؤسسات الربوية دفعة واحدة.. عليها أن تتدرج في تطبيقها.. طاوية نيتها وعزمها على
تحقيق الحرية الكاملة للناس.
الدكتور الترابي
- تخرج
من جامعة الخرطوم.
- تلقى
تعليمه العالي بجامعة السوربون بفرنسا حيث حصل على الدكتوراه في القانون الدستوري.
- شغل
منصب عميد كلية الحقوق بجامعة الخرطوم.
- عام
1964 أشعل ثورة أكتوبر الشعبية ضد الحكم العسكري وكان في طليعة قادة الثورة.
- في
أول انتخاب حر بعد سقوط الحكم العسكري أحرز أكبر عدد من الأصوات في دوائر الخريجين.
- دخل
البرلمان وتولى زعامة المعارضة الإسلامية.
- قام
بدور رئيسي في كتابة الدستور الدائم الذي كان معروضًا على البرلمان السوداني حتى
عام 1969.
- ترك
منصب العمادة في جامعة الخرطوم ليدير العمل الإسلامي بتفرغ كامل.
- من مؤلفاته - الصلاة عماد الدين - المشكلة الدستورية - الإيمان. .