العنوان «النكبة» الفلسطينية ما زالت مستمرة
الكاتب مراد عقل
تاريخ النشر الأربعاء 01-يونيو-2016
مشاهدات 151
نشر في العدد 2096
نشر في الصفحة 66
الأربعاء 01-يونيو-2016
رغم مرور 68 عاماً عليها..
«النكبة» الفلسطينية
ما زالت مستمرة
القدس المحتلة: مراد عقل
أحيا الشعب الفلسطيني يوم الأحد الخامس عشر من مايو الماضي الذكرى الـ68 لـ «النكبة»؛ بالخروج بمسيرات حاشدة، وتنظيم اعتصامات ومهرجانات في مخيمات اللجوء، وذلك تأكيداً على حق عودة اللاجئين إلى أرض الآباء والأجداد، وتوارثه من جيل إلى جيل، حتى نيل هذا الحق التاريخي الذي لا يسقط بالتقادم.
فمنذ عام 1948م والاحتلال يسعى بلا هوادة إلى طمس معالم وتاريخ وجغرافية وتراث فلسطين، وهي مستمرة، وما زال يصادر الأرض ويقيم المستوطنات ويستولي على المياه ويحاصر القدس ويعمل على تهويدها ويقتحم المقدسات خصوصاً المسجد الأقصى المبارك ويرفض عودة اللاجئين والنازحين.
وما زالت النكبة مستمرة للاجئين سواء كانوا من عام 1948 أو عام 1967م، يعيشون ظروفاً قاسية وغير إنسانية، وقسم كبير منهم عاش ويعيش للمرة الثانية والثالثة اللجوء والتشرد بسبب الحروب الأهلية في العديد من البلدان العربية وخاصة في سورية.
ولا شك أنه في كل مناسبة تمر على ذكرى النكبة يشعر الفلسطيني بإحباط أكثر بأن فلسطين ما زالت محتلة؛ لأن الاستيطان مستشرٍ بصورة كبيرة، والأرض تصادر، وعروبة الشعب الفلسطيني تسلب في صبيحة كل يوم، لكن الأمل الكبير عند الجيل الفلسطيني الجديد بأنه يشعر بأن النكبة هي منصة للتحدي ومدعاة للإصرار بضرورة تحرير الأرض والإنسان.
نكبات متتالية
وقال وزير شؤون القدس السابق حاتم عبدالقادر لـ «المجتمع»: نحن أمام سلسلة نكبات ارتدادية للنكبة الكبرى لعام 1948م، وما زالت هذه النكبات تتوالى على الشعب الفلسطيني، بحيث كدنا ننسى نكبتنا الأولى، والآن نتلهى في سلسلة من النكبات؛ أهمها الاحتلال، والاستيطان، وتهويد القدس، والاعتداء على المقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني، وحتى إنكار الهوية الفلسطينية، ومحاولة إحلال الرواية الصهيونية مكان الرواية الفلسطينية، لذلك نحن نحي هذه الذكرى في الوقت الذي يمر فيه الشعب الفلسطيني بأوضاع صعبة.
وأكد عبد القادر أن ذكرى النكبة سوف تبقى بالنسبة لنا ناقوساً يدق في الذاكرة الفلسطينية والضمير الفلسطيني، وهي تبقى لنا مصدر وحي وإلهام بألا ننكسر أمام الاحتلال الصهيوني، وألا نتراجع أو نستسلم، ولكن هذا لا يكفي، فلا بد للنكبة أن تكون بالنسبة لنا وقفة للمراجعة لكي نراجع ونحاسب أنفسنا على كل هذه المسيرة التي مضت منذ العام 1948م وحتى الآن، من خلال إعادة تصحيح شامل لكل المواقف والأخطاء التي وقع فيها القياديون الفلسطينيون، في مقدمتها «اتفاق أوسلو» الذي كان عبارة عن مصيدة للشعب الفلسطيني الذي لم يكن اتفاقاً سياسياً بقدر ما كان اتفاقاً أمنياً واقتصادياً، ونحن الآن نحصد نتائج الاتفاق الوخيم على الشعب الفلسطيني.
انقسام فلسطيني
وأردف عبدالقادر قائلاً: تأتي هذه الذكرى وما زال الانقسام الفلسطيني مستمراً بين مكونين أساسيين للشعب الفلسطيني؛ هما حركتا «فتح» و «حماس»؛ وبالتالي الانقسام جر الكثير من الأضرار الإستراتيجية على الشعب الفلسطيني، ولذلك هذا همٌّ آخر يجب أن نوليه مزيداً من الجهود للخروج من الدائرة المغلقة التي أصبحت تهدد القضية الفلسطينية بصورة عامة.
ولكنه أشار إلى أنه في كل الأحوال أياً كان سلوك القيادة السياسية، إلا أن لدينا ثقة في الشعب الفلسطيني الذي قدم على مدى الأعوام الـ70 الماضية التضحيات وآلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، ورغم كل المحن والصعوبات سوف يستمر هذا الشعب في نضاله من أجل إحقاق حقوقه الوطنية المشروعة أياً كانت شراسة الاحتلال الصهيوني، وأياً كانت ضعف القيادة الفلسطينية، ولا يمكن لهذا الشعب على مدى الأعوام أن تذهب تضحياته سدى دون أن يحقق آماله وطموحاته في تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف؛ وبالتالي هي مسيرة مستمرة، بالطبع نحن نتألم، ولكن بالتأكيد لن نفزع ولن نهاب ولن نتراجع أمام هذا العدو الصهيوني.
النكبة الحقيقية
من جانبه، قال د. أمجد شهاب، أستاذ العلوم السياسية، لـ «المجتمع» في تقييمه للوضع الفلسطيني بعد مرور 68 عاماً على النكبة: من الصعب جداً تقييم ووصف النكبة وصفاً دقيقاً، وباعتقادي أن النكبة حدثت قبل ذلك بكثير، ولو رجعنا لأسباب النكبة الحقيقية المستمرة ليومنا هذا لوجدنا أن النكبة الأكبر من احتلال وسرقة الأرض في القرن العشرين، موضحاً أن النكبة الحقيقية التي أدت إلى نكبة عام 1948م هي نكبة العقول والوعي والمرجعيات وأزمة القيادة المستمرة قبل وبعد النكبة، وهي الأصعب على معالجتها وتحريرها من تحرير فلسطين، وإذا استمرت فاستمرار النكبة سيمر وبوتيرة أخطر مما نعيشه اليوم، مضيفاً أنه بعد 68 عاماً نحن اليوم مقسمون ومشتتون إدارياً وقانونياً وجغرافياً؛ القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطينو الداخل والمنفي من الدول العربية المحيطة إلى بقية بقاع الأرض، وسياسياً بين السلطة في الضفة الغربية، وحركة «حماس» في قطاع غزة، مع تهميش كامل لدور الفلسطينيين في الخارج، بالإضافة إلى فلسطيني الداخل، مؤكداً أن المجتمع الدولي ما زال يستخف بمعاناة الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، في ظل استمرار سياسة القمع والتهويد للقدس والاستيطان والقتل والحواجز والمصادرة ومعاناة الفلسطينيين اللاجئين في الداخل والخارج.
ورأى د. شهاب أن الأخطر في النكبة بعد 68 عاماً أنها بدأت بعملية اغتصاب وسرقة الأرض بالسلاح والمال تحت أعين أصحاب الأرض الأصليين والعرب والمسلمين والمجتمع الدولي، وتحويل هذه السرقة إلى نزاع خرج به صاحب الحق إلى جزء من الصراع لتصبح قضية حدود وأراضٍ بدل أن تكون حقاً تاريخياً، وتطورت إلى نحو أخطر حين اعترف المعتدى عليه وصاحب الحق المغتصب السارق بحقه بالعيش وإقامة دولته على أغلبية أرضه وبشرعيته ووجوده بدون مقابل ملموس، والآن يتطور هذا الاعتراف بمطالبة رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي أوباما بالاعتراف بشرعية المعتدي وبيهودية الدولة المغتصبة الذي سيلغي ليس فقط حق الفلسطينيين بالمطالبة بحقوقهم وحق اللاجئين بالعودة، بل سيلغي حقهم في تقرير مصيرهم كدولة قابلة للحياة في محاولة لتفكيك الهوية الفلسطينية والعربية والإسلامية أيضاً.
وتابع شهاب بقوله: المؤلم هنا أنه بعد 68 عاماً اغتصاب فلسطين وإنشاء دولة الكيان الصهيوني نجد أن هناك شريحة تكونت من المستفيدين بدأت تتكون على أنقاض هذه النكبة، منها الفلسطيني ومنها العربي، وعلى سبيل المثال لم يشهد التاريخ وجود حكومتين بدون أي نوع من السيادة أو الدولة تتنازعان على سلطة وهمية بعد ضياع الأغلبية الساحقة من أرضهم، مشيراً إلى أن الوضع أصبح لا يطاق مع وجود شريحة زبائنية تعيق على الأقل حل مشكلة الانقسام أو العودة إلى منظمة التحرير، أو إعادة شرعية بعض المؤسسات مثل الرئاسة والمجلس التشريعي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قدرة الدولة العبرية على التفرد على الشعب الفلسطيني كل على حدة، تارة مجموعة تطالب بالمساواة والحقوق وجزء يطالب بصلاحيات أكثر وبالعودة، وجزء يطالب بالتعويض، وجزء محاصر، وجزء يتعرض للتهويد ويطالب بحقه بالصلاة والمحافظة على أماكنهم المقدسة.
وأكد شهاب أن الفلسطينيين يعانون أيضاً في الدول العربية، وأكثرهم معاناة هم فلسطينيو لبنان وسورية، وأن القضية الفلسطينية استخدمت وما زالت تستخدم كأيديولوجيا وأداة وشعار لتبرير وجود بعض الأنظمة الاستبدادية ومحافظة كورقة لتحسين علاقاتها مع الدول الغربية، وفي حال اعترفت الدول العربية بشرعية الدولة العبرية بالوجود مثل الأردن ومصر وتبعتهما بعض الدول الخليجية وبعض دول المغرب العربي ستحول النكبة والقضية الفلسطينية إلى عبء ثقيل على هذه الدول، وسيحاولون التخلص منها بأزهد الأثمان مع ضياع كل الجهود والتضحيات الجسيمة التي قدمت من أجل إنهاء هذه النكبة.
ويرى شهاب أن الأخطر اليوم هو مشروع تقسيم المسجد الأقصى تقسيماً زمانياً ومكانياً، وللأسف استطاع الاحتلال تقسيمه زمانياً، ويحاول تقسيمه مكانياً في ظل وضع عربي صعب ومنقسم وضعيف وغير مبالٍ، فالمسجد الأقصى لا يرمز فقط لمكان ديني (أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين)، فالمسجد الأقصى يمثل الهوية والتاريخ والوجود والقضية الفلسطينية لم تعد قضية العرب الأولى، بل أصبحت القضية الفلسطينية تجسد الوضع العربي.
أما عباس زكي، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، فقال في تعقيبه على ذكرى النكبة: جاءت اللحظة لرفع الظلم التاريخي الذي وقع على شعبنا جراء النكبة التي غيرت وجه المنطقة في أبشع صور التطهير العرقي والتهجير الذي مورس ضد الشعب الفلسطيني عام 1948م وإقامة دولة الاحتلال «الإسرائيلي» على أنقاض مدن وقرى فلسطين، وعلى ذكريات وأحلام شعب تحول بين ليلة وضحاها من صاحب أرض إلى لاجئ في مخيمات ظلت شاهدة على هول الجريمة.
وأضاف: حان الوقت أكثر من أي وقت مضى من أجل تفعيل المواجهة الميدانية الشعبية الواسعة مع الاحتلال، والتي ينبغي أن تشمل كافة القرى والمدن والمخيمات، وفي الوقت نفسه ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة على ما اقترفوه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، وعلى كل المستويات من محكمة لاهاي وحتى المحاكم الوطنية في دول أوروبا والدول الأخرى.
وشدد زكي على أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها قسراً وتعويضهم عن أملاكهم وما لحق بهم طيلة 68 عاماً مضت هو حق لا تنازل عنه أبداً، وقد ضمنه القرار الأممي رقم (194) الذي ظل حبيس أدراج الأمم المتحدة ولم يخرج إلى الحياة؛ مما يستدعي تحركاً عربياً فاعلاً لإلزام العالم المدافع عن الحريات بتنفيذ القرار، وقد آن الأوان لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني بعد تلك السنوات العجاف التي لم تنتهِ عند حدود النكبة، بل ظلت قوات الاحتلال مستمرة في مخططات التهجير ونهب الأرض ومصادرتها وتهويد القدس، فتآكلت أرضنا أمام غول الاستيطان، مشيراً إلى أن عمق القضية الفلسطينية ينبع من بُعدها العربي؛ مما يحتم على الأشقاء العرب؛ حكومات وأحزاباً، أن يعيدوا الاعتبار لقضية العرب الأولى رغم إدراكنا حجم هموم الأشقاء الداخلية، التي تستغلها قوات الاحتلال لتمرير مخطط خطير يستهدف النيل من مشروعنا الوطني لتقويض مبدأ إقامة دولة فلسطين.>