; «النهضة» التونسية.. وتحديات ما بعد الانتصار | مجلة المجتمع

العنوان «النهضة» التونسية.. وتحديات ما بعد الانتصار

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1978

نشر في الصفحة 36

السبت 26-نوفمبر-2011

  • فوز الحركة جاء نتيجة مراجعاتها الذاتية ونقدها لخطابه السياسي وإعادة تركيزه على هموم المواطن التونسي
  • قدمت خطابًا متطورًا وناجحًا ومنفتحًا على لغة العصر فيما يخص الحريات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة

ثلاثة تحديات تواجه الحركة

1 - التحدي الاقتصادي وأبرز مفرداته الفساد

٢- التحدي السياسي من حيث العلاقة المأزومة بين الحاكم والمحكوم و «الإرث» الكبير من الاستبداد

3- تحدي العلاقة الِمختلة بين الدولة والمِجتمِع 

  • نجاح ٤٢ امرأة على قوائمها من إجمالي ٤٩ امرأة نجحن في هذه الانتخابات يدل على كذب ادعاءات العلمانيين حول تهميشها لدور المرأة
  • تمكنت من اجتذاب نسبة لا بأس بها من الشباب الجامعي إلى صفوفها والوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور التونسي بينما أخفق الآخرون

يقولون: إن نجاح «النهضة» يرجع إلى سلبيات القوى العلمانية!

ويعود إلى إرث الفشل الثقيل الذي تركه نظام «بن علي»، أو يقولون:

إن نجاح «النهضة» هو نتيجة قسوة الاضطهاد الذي مارسه «بن علي» ضد أنصار الحركة، الأمر الذي دفع نسبة كبيرة من الشعب لمكافئتها على صمودها... بعضهم أرجع نجاح الحركة إلى رغبة شعبية تريد أن تجرب بديلًا جديدًا» ... إلخ.

ولم يذكر أحدهم سببًا واحدًا يرجع إلى «ذات حركة النهضة» أو إلى إيجابيات من داخلها! وكأنها مجرد هيكل شكلي لا حول له ولا قوة.. نعم قد يكون كل ما يذكرونه عوامل مساعدة أو مكملة لنجاح حركة النهضة؛ ولكن ليس من المنطقي ولا الواقعي القول: إنها هي العوامل الأساسية، فضلًا عن أن تكون الوحيدة وراء هذا النجاح.

أسباب الفوز

نظرية «محاسبة الذات» تكشف لنا عن أن الفوز الانتخابي لحركة «النهضة» هو نتيجة مراجعاتها الذاتية ونقدها لخطابها السياسي، وإعادة موضعته في قلب هموم المواطن التونسي.. وتقول: إن الحركة فازت لأنها قدمت خطابًا سياسيًا متطورًا وناجحًا ومنفتحًا على لغة العصر، وقد لامس هذا الخطاب وجدان «السواد الأعظم» من التونسيين فيما يخص الحريات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة بدلالة نجاح ٤٢ امرأة على قوائمها من إجمالي ٤٩ امرأة نجحن في هذه الانتخابات على مستوى الجمهورية هذه النظرية تقول كذلك: إن «النهضة» فازت لأنها قوة حسنة التنظيم، ولديها قدرة عالية على الحشد والتعبئة مقارنة بضعف القدرات التنظيمية لمنافسيها.. وفازت لأنها تمكنت من اجتذاب نسبة لا بأس بها من الشباب الجامعي إلى صفوفها، وأقنعتهم بخطابها، ومن ثم تمكنت من الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور التونسي، بينما أخفق الآخرون في ذلك.

 المشكلة الكبرى في «النظرية العدمية» أو ما أسميناها «نظرية إعفاء الذات من نجاح حققته»، هي أنها لا تصمد كثيرًا أمام النقد، وسرعان ما تفقد مقدرتها التفسيرية نظرًا لفشلها في تفسير مختلف حالات «الربيع العربي».. ومقياس نجاعة أي نظرية صحيحة هو في مقدرتها المطردة على تفسير الحالات المتماثلة.. فإذا سلمنا جدلا أن هذه النظرية صالحة لتفسير الحالة الليبية التي لا ينكر أحد أنه لولا تدخل قوات حلف الأطلسي لطالت معركة الثوار ضد «القذافي» إلى أجل غير معلوم؛ فإن هذه النظرية تفشل فشلًا ذريعًا في تفسير حالتي تونس ومصر، ومن علامات فشلها أن ثورة الشعب التونسي استغرقت ۲۸ يومًا، وثورة الشعب المصري استغرقت ۱٨ عشر يومًا، وفي الحالتين أبدى الشعبان براعة كبيرة في إنجاز مهمة الإطاحة بنظامين من أقرب المقربين لصناع «سايكس بيكو» الجديدة!

 انحيازنا لنظرية «محاسبة الذات» في تفسير وتأويل نجاح حركة «النهضة» الإسلامية في الانتخابات التونسية، لا يعني أن الأرض مفروشة بالورود أمامها؛ فهناك كثير من العقبات والتحديات التي يتعين عليها وعلى جميع الأحزاب والقوى الوطنية الأخرى أن تتصدى لها على المستويين الداخلي والخارجي.

ثلاثة تحديات داخلية

داخليًا تواجه حركة «النهضة» وشركاؤها المحتملون ثلاثة تحديات كبرى هي:

١- التحدي الاقتصادي: وهو من أهم محتويات التركة الثقيلة من السلبيات التي خلفتها الحكومات السابقة مدة أكثر من نصف قرن خلال عهدي بورقيبة» و«بن علي»، ولعل الفساد أبرز مفردات هذه المشكلة، وما نجم عنه من ترهل مزمن في إدارة شؤون المجتمع والدولة، واختلال برامج التنمية بين المدن الكبرى والمناطق الريفية والجهات الداخلية مثل: سيدي بوزيد، وجفصة، والقصرين.. إلخ، وارتفاع نسبة البطالة إلى ١٤% حسب بعض التقديرات الرسمية وخصوصًا في أوساط الشباب من سن ١٨ - ٣٠ سنة. 

٢ - التحدي السياسي ونقصد به تلك العلاقة المأزومة بين الحاكم والمحكوم بين المواطن والدولة، هذا التحدي له «إرث» كبير من الاستبداد الذي تراكم عبر أزمنة طويلة مضت، فمنذ عهد الدولة السلطانية القديمة ما قبل الاستعمار، تركزت نظرة السلطة للمواطن على أساس أنه قاصر سياسيًا، وأنه بحاجة دومًا إلى «وصي» يقوم بتدبير شؤونه، هذا التأزم ألقى المواطن خارج المجال العام، وجعل هذا المجال حكراً فقط على الحاكم الفرد.

اليوم وبعد نجاح «الثورة»، عاد المواطن إلى قلب المجال العام، وبدأ يسبح بمجهوده الذاتي في بحر السياسة ويتعرف بطريقته الخاصة على فاعليات المجتمع المدني ويشارك فيها، ومن ثم بات هناك انتظار جماهيري واسع النطاق من أجل الانعتاق من تلك الوصاية السلطوية عليه، ومن أجل الخروج نهائياً من أسرها، وهنا بالضبط يكمن التحدي الذي يواجه حركة «النهضة» في الحكومة المقبلة: كيف يمكن الانتقال من ثقافة التسلط والوصاية والاستبعاد وممارساته المتجذرة في الثقافة السياسية والممارسة الاجتماعية إلى ثقافة الحرية والولاية على الذات والاستيعاب والانفتاح على مختلف الآراء؟

3- تحدي العلاقة المختلة بين الدولة والمجتمع، هذا الاختلال قديم هو الآخر، وضحيته الأولى هو «المواطن الفرد»، ولم تفلح الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي في بناء مجال مشترك بين المجتمع والدولة على أساس تعاوني غير صراعي.. بل إن تونس كانت هي الوحيدة من بين دول العالمين العربي والإسلامي التي بادر حاكمها الفرد في سنة ١٩٥٦م بإلغاء نظام «الحبوس - الأوقاف» الخيري والأهلي معا، وبذلك حرم المجتمع من أهم مصادر قوته الذاتية، وتقوضت أي إمكانية لقيام أي قدر من التوازن بين المجتمع والدولة، وفي تقديرنا أن فقدان المجال المشترك بين المجتمع والدولة التونسية كان أحد الأسباب العميقة التي قادت إلى الثورة وإنهاء استبداد الفرد الناطق وحده باسم الدولة، والآن فإن إعادة بناء هذا المجال المشترك يتجلى باعتباره أحد أهم التحديات التي يتعين على حركة «النهضة» أن تواجهها،  وأن تقترح لها حلولًا ناجعة.

ولعل الحكومة المنتخبة تنتبه إلى هذا الخلل وتسرع إلى معالجته بجدية؛ بما يقتضيه ذلك من مراجعة التشريعات المنظمة للعمل الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني والأوقاف.

تحديات خارجية

خارجيًا، تجد حركة «النهضة» وشركاؤها أيضًا في مواجهة ثلاثة تحديات كبرى:

١- تحدي التوفيق بين علاقات تونس/ الثورة مع محيطها العربي المنقسم إلى دول بها ثورات مماثلة للثورة التونسية ومتأثرة بها إلى حد كبير، ودول أخرى ليس بها ثورات وتسعى جاهدة للنجاة من أن تجرفها موجة الربيع العربي».

 ولكن السؤال هو: كيف يمكن الجمع بين «ليبيا الثورة»، و«الجزائر اللاثورة»؟ وكيف يمكن الجمع بين تأييد ثورة الشعب السوري، وبناء علاقة إيجابية مع مجلس التعاون الخليجي المهادن؟ وقس على هذا بقية المتناقضات التي من المؤكد أن «الربيع العربي» قد بدأ يطرحها بكل قوة على جميع مستويات العلاقات العربية - العربية، وأيضًا على مستوى العلاقات العربية مع دول الجوار الرئيسة تركيا وإيران.

 ٢- تحدي الصراع العربي «الإسرائيلي»، فحركة النهضة الإسلامية التونسية والحكومة التي ستشارك في تأليفها وقيادتها؛ ستكون مطالبة شعبيًا بإبداء مواقف تأييد واضحة للمقاومة الفلسطينية بصفة عامة ولحركة «حماس» وبقية الفصائل الإسلامية بصفة خاصة، كما أن الحكومة الجديدة ستكون مطالبة أيضاً باتخاذ مواقف واضحة تجاه العدو «الإسرائيلي» على غرار مواقف حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا وكثيرًا ما تجري المقارنة والمقاربة بين حزب «النهضة» التونسي وحزب «العدالة والتنمية» التركي.

 3- تحدي الصورة النمطية عن الحركات الإسلامية في الرأي العام الغربي، بما في ذلك صورة «حركة النهضة الإسلامية» ذاتها، صحيح أن الاتحاد الأوربي هنا حركة «النهضة» بفوزها وشهد بنزاهة العملية الانتخابية، ولكن هذا لم يمنع أصوات غربية أخرى من التشنيع على الحركة والتخويف منها منذ اللحظة الأولى لإعلان فوزها في انتخابات المجلس الدستوري فقد بادر مسؤولون حكوميون وحزبيون أوروبيون وأمريكيون يحذرون من حركة «النهضة»، ويرسمون لها «خطوطًا حمراء»، ويذكرونها بما كان عليهم تذكير أنفسهم به أولًا مثل: وجوب احترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ومكتسبات الحداثة السياسية.. «ساركوزي» مثلًا سارع إلى التأكيد على أن بلاده ستكون حذرة بشأن احترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية في تونس وكذلك في ليبيا». مارين لوبن الفرنسية اليمنية المتطرفة تطوعت بالتحذير من قيام «دكتاتورية إسلامية على الضفة الأخرى للمتوسط».

التصدي للسلبيات الملتصقة بالصورة النمطية عن الحركات الإسلامية ليست مسؤولية حركة النهضة التونسية وحدها، ولكن الحركة ستجد نفسها في موقع البرهنة على زيف تلك الصورة النمطية والمساهمة في تصحيحها لدى الرأي العام العربي والعالمي على السواء. 

الرابط المختصر :