العنوان « الإعادة».. طوق النجاة لوطن منقسم بشرط عدم التزوير
الكاتب مؤمن الهباء
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2012
مشاهدات 86
نشر في العدد 2005
نشر في الصفحة 20
السبت 02-يونيو-2012
● لماذا خرج هيكل عشية الانتخابات محذرا من ضياع سيناء.. و عمر سليمان محذرا من انقلاب عسكري ؟!
● الكنيسة أدت دورا غير مسبوق في توجيه المسيحيين نحو انتخاب شفيق نكاية في الثورة التي أطاحت بكثير من امتيازات عهد مبارك !
● حقق مرشح الإخوان فوزا يعد تاريخيا ، لأنه تحقق في ظل حملة إعلامية شرسة ضد الإسلاميين لم تراع فيها أدنى القواعد المهنية
لم يكن غريبا أن تصاب قطاعات عريضة من الشعب المصري بالإحباط عقب إعلان فوز شفيق بالمركز الثاني ودخوله معركة الإعادة، وأن يخرج بضع مئات من شباب الثورة إلى ميدان التحرير الشهير رافعين الأحذية تعبيرا عن حنقهم وغضبهم لفوز شفيق بهذا الكم من الأصوات وصعوده إلى المركز الثاني سابقا على بعض المرشحين المهمين المحسوبين شعبيا على الثورة مثل أبو الفتوح و صباحي ... فقد رأى هؤلاء أن تفوق رجل «مبارك» يعد إهانة للثورة، وإهدارا لدماء الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل إسقاط النظام وليس من أجل إعادة إنتاج النظام، خصوصا أن «شفيق » كان قد استفز المصريين أكثر من مرة عندما أعلن أن الثورة قد نجحت للأسف، وأن «مبارك مثله الأعلى، وأنه سوف ينهي حكاية مظاهرات التحرير.
ورغم هذا الغضب الشعبي، فإن هناك العديد من الحقائق التي يجب رصدها في هذا المقام حتى نفهم ما حدث على وجه الدقة، ومن هذه الحقائق .
● إن عملية الاقتراع تمت بسلام ونزاهة وحرية، وشهد كل من شارك فيها أو قام بمراقبتها من منظمات المجتمع المدني المحلية والعالمية، بأنها كانت أول انتخابات رئاسية حقيقية في تاريخ مصر، وأن المجلس العسكري الذي يدير البلاد في المرحلة الانتقالية قد أوفى بما وعد به، وقد وجه د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين الشكر للمجلس العسكري أثناء إدلائه بصوته، كذلك أثنى الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والوفد المرافق له على نزاهة الانتخابات وحسن تنظيمها، على الرغم من بعض المعوقات التي واجهها في مهمة المراقبة. .
● إن هناك علامات استفهام حقيقية وكثيرة أثيرت حول الفريق شفيق نفسه والطريقة التي دخل بها حلبة المنافسة والطريقة التي أدار بها حملته الانتخابية فقد رفع اسمه من كشوف المرشحين بواسطة اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات الرئاسية تطبيقا لقانون العزل السياسي الذي أصدره مجلس الشعب في حق كبار مسؤولي نظام «مبارك» والحزب الوطني المنحل، وقد تم إبلاغ د. سعد الكتاتني، رئيس مجلس الشعب بذلك على الهواء مباشرة وهو على منصة رئاسة المجلس، ثم سرعان ما أعادته اللجنة إلى الكشوف مرة أخرى بدعوى أن القانون به شبهة عدم الدستورية، ولم يتم تحصينه دستوريا من قبل المحكمة الدستورية العليا .
● شفيق.. وسليمان
وفي المرحلة السابقة مباشرة على الانتخابات ذهبت القوى المحيطة بـ شفيق إلى الرجل الأقوى اللواء عمر سليمان، رئيس مخابرات «مبارك»، ونائب رئيس الجمهورية إبان الثورة، لكي يخوض بها الانتخابات ويعيد بها نظام «مبارك»: مما أحدث ضجة كبرى في مصر، وخصوصا لدى الفصائل الثورية وكان من نتيجة ذلك استبعاد «سليمان» الأسباب إجرائية، ليصبح «شفيق» رأس هذه القوى ومرشحها في الانتخابات الرئاسية وهي قوى كانت كامنة منذ جريمة موقعة الجمل، وكانت تبحث لنفسها عن مخرج وعن دور وعن قيادة، وتضم قيادات الحزب الوطني المنحل - حزب «مبارك» الموصوم دائما بالفساد - وقيادات من جهاز أمن الدولة المنحل والقيادات المحلية، وبعضا من رجال المال والأعمال الذين فقدوا سلطانهم ونفوذهم ولديهم استعداد كبير لأن يدفعوا مبالغ طائلة ليستردوا امتيازاتهم مع «شفيق»، وهناك كلام كثير عن نشاط محموم يقوم به هؤلاء لإحياء الحزب الوطني في ثوب جديد، وباسم ثورى يناسب اللحظة تحت قيادة «شفيق».
● ومما عظم فرصة «شفيق» ودفع به إلى جولة الإعادة، أن القوى الثورية كانت منقسمة جدا في المعركة الانتخابية فأدى ذلك إلى إضعاف الجميع وتفتيت أصواتهم، بينما اجتمع أنصار النظام السابق خلف «شفيق» إلا قلة قليلة ذهبت إلى «عمرو موسى».
● وأدت الكنيسة دورا غير مسبوق في توجيه المسيحيين إلى انتخاب «شفيق»: نكاية في الإسلاميين وفي الثورة التي أطاحت بكثير من الامتيازات التي تمتعوا بها تحت حكم «مبارك»، وترددت تقارير عن أوامر صدرت من الكنيسة مباشرة للمسيحيين وليس مجرد توجيهات، وهو ما دفع الأنبا «باخوميوس» إلى
الإعلان عن عقوبات كنسية للقساوسة الذين أصدروا أوامر للناخبين المسيحيين بانتخاب مرشح معين، ومع ذلك نستطيع أن نتوقع أنهم لن يفرطوا في صوت واحد ليذهب إلى مرشح إسلامي في انتخابات الإعادة، وإنما ستذهب كل الأصوات تحديدا إلى «شفيق».
● حرب إعلامية
● وشهدت الساحة السياسية قبل الانتخابات وأثناءها حرباً إعلامية شرسة وفجة ضد التيار الإسلامي عموماً، وجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، ورغم ذلك حقق الإخوان ومرشحهم فوزا تاريخيا في ظل ظروف معاكسة، فقد قامت الصحف القومية والخاصة والمستقلة والإذاعات والقنوات التلفزيونية بحملات مكثفة لتشويه الإسلاميين والتحريض عليهم بكل السبل، دون أدنى مراعاة للقواعد المهنية أو حتى الصدق والذوق العام فلا تكاد تفتح صحيفة أو قناة تلفزيونية إلا وتقرأ أو تسمع وتشاهد كلاما كثيرا وافتراءات لا حصر لها حول الدولة الدينية، واضطهاد الأقباط، وقمع الحريات، ونسف الدستور و التكويش على السلطة، والانفراد بالجمعية التأسيسية للدستور، وطرد المعارضين واستغلال الشريعة في النيل من حقوق المرأة وقهر الفن والفنانين والإبداع والمبدعين.. وكان مصر مقبلة على حرب أهلية إذا فاز مرشح إسلامي برئاسة الجمهورية؛ لأنه سيعود بها إلى العصور الوسطى !!
وتروج لهذه الافتراءات كل يوم وليلة السنة حداد معروفة بعدائها لكل ما هو إسلامي وإن كانت تتدثر في رداء الليبرالية واليسارية والعلمانية، وللأسف ساعدهم على ضلالهم فريق ممن انشقوا على الإخوان الأسباب تنظيمية، وتطلعوا إلى نجومية كاذبة عبر هذه الوسائل المضللة، فنشروا فيها مقالات وادلوا لها بأحاديث تنال من الإخوان وتشوه صورتهم وتتهمهم بالولاء للمرشد والجماعة قبل الوطن.
● وقبل بداية الانتخابات بـ ٢٤ ساعة. خرجت الصحف والفضائيات بحملة مشبوهة من التحذيرات لإرهاب الناخبين وتخويفهم من التصويت للإسلاميين والادعاء بان مصر سوف تتعزل عن العالم، وربما تدخل في حروب، وتتحول إلى دولة فاشلة.. فقد حذر الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل في حوار مع قناة «الحياة» من أن سيناء أصبحت رهينة لدى «إسرائيل»، وأن ما قاله د. مصطفى الفقي، سكرتير «مبارك» للمعلومات سابقاً، بشأن ضرورة موافقة أمريكا وإسرائيل على أي رئيس قادم صحيح مائة في المائة، وتنبأ بصدام محتمل بين كل القوى السياسية والمجلس العسكري من ناحية والإخوان المسلمين من ناحية أخرى، وحذر عمر سليمان، نائب «مبارك»، من انقلاب عسكري يمكن أن تشهده مصر لحمايتها من المصير الكارثي الذي ستجد الإخوان يدفعونها إليه، مشيرا إلى أن المجلس العسكري لا يعرف مدى دهاء الإخوان، وحذرت صحف عديدة من صراع إسلامي ليبرالي دموي وشيك يأكل الأخضر واليابس.
وبعد .. فمن خلال قراءة متأنية لهذه الحقائق، نستطيع أن نفهم سر الانقسام الكبير الذي تعاني منه القوى الوطنية الثورية بصفة عامة والقوى الإسلامية بصفة خاصة، وهو الانقسام الذي أدى في النهاية إلى النتيجة العجيبة للانتخابات الرئاسية التي أصابت كل الفصائل الثورية بالغضب والإحباط والخوف من سرقة الثورة وتزوير الانتخابات القادمة الصالح شفيق أحد رجال «مبارك» الذي صعد إلى انتخابات الإعادة.
وفي هذه المرحلة الدقيقة التي يتحدد فيها مستقبل مصر - الوطن والشعب والهوية هناك من يرى بارقة أمل في أن تكون جولة الإعادة لانتخابات الرئاسة طوق النجاة التجميع الصفوف الثورية بكل أطيافها الشبابية والليبرالية واليسارية خلف مرشح الإخوان «د. محمد مرسي في مواجهة أعداء الثورة، الذين يسعون لإحياء نظام «مبارك» تحت قيادة أحمد شفيق... فقد قدمت نتيجة الجولة الأولى فرصة جيدة للاختيار بين الثورة النبيلة والثورة المضادة.. بين النظام الجديد والنظام القديم... بين الوفاء لدم الشهداء وقاتلي الشهداء.. بين الحق والضلال.
وقد بدأت بالفعل جهود ومبادرات واجتماعات للم الشمل وتجميع الصفوف من جانب الإخوان، رغم الاستجابات الضعيفة والمترددة من جانب بعض الحركات الشبابية والأحزاب والشخصيات السياسية والمرشحين الآخرين الذين لم يدخلوا مرحلة الإعادة وأيضا رغم الدعايات المضادة التي تريد تشويه تلك المبادرات وتحويلها إلى عملية ابتزاز للإخوان ومرشحهم، وسوف تحمل الأيام
القادمة مفاجآت عديدة في كل الاتجاهات خصوصاً إذا صدر حكم قوي ضد «مبارك» بالحبس مثلما صدر على رئيس ديوانه وذراعه اليمنى زكريا عزمي وغيره من رموز النظام الفاسد، وهو ما سيسبب حرجا شديدا الموقف شفيق يضاف إلى الدعاوى القضائية المثارة ضده، وأهمها قضية بيع أراض لابني «مبارك» علاء، وجمال، بأقل من سعرها الحقيقي.