; ابتلاء أم عقوبة؟ | مجلة المجتمع

العنوان ابتلاء أم عقوبة؟

الكاتب سلمان بن فهد العودة

تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012

مشاهدات 66

نشر في العدد 1983

نشر في الصفحة 44

الجمعة 06-يناير-2012

الإكرام والنعمة إبتلاء.. والفقر والتضييق إبتلاء.

حين طلبت مني ابنتي «نوارة» أن أتحدث عن «الإبتلاء»، أثارت في نفسي إستغرابًا، وذكرتني بأنها المرة الأولى التي أحاول فيها طرق الموضوع مستقلًا طيلة حياتي على قربه وأهميته.

جوانب منه عالجتها ضمن حلقات إعلامية، لكن لا أذكر أني جمعت أطرافه وسؤالاته في حيزٍ واحدٍ مع تعلقه بكل مخلوق بلا إستثناء.

أولًا: الحياة التي تنبض في جسدك إبتلاء، والموت الذي سيطويك ابتلاء: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سورة الملك: ٢)، تفصيلات الحياة، أنفاسها، تحوّلاتها، وجوهها، أدواتها.

الإبتلاء هنا جماعي يدعو إلى السباق والتنافس الشريف بين الشعوب والفرق والطوائف.

مسؤولية الفرد ليست ملغاة أو مصادرة، فهو موضع الإبتلاء: ﴿فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ (15) وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ (16) كَلَّاۖ﴾ (سورة الفجر: 11 - 17).

معايير الناس ليست رشيدة دائمًا إذ يَعُدّون الرزق علامة الرضا والحرمان علامة الغضب!

التعامل الإيجابي مع الإبتلاء سر النجاح.

معايير الناس

الإكرام والنعمة إبتلاء، والفقر والتضييق إبتلاء، ومعايير الناس ليست رشيدة دائمًا، إذ يَعُدّون الرزق علامة الرضا، والحرمان علامة الغضب والإهانة!

تأمّل نفسك وتأمّل الناس من حولك.. تجد جلهم هكذا ينظرون ويفكرون، حين لا يتحقق لهم ما يريدون يحسبون الأمر عقابًا أو سخطًا، ويندر أن تجد المُنّعمين والموسّع عليهم يُداخلهم خوف أو تردد أن يكون العطاء عقوبة!! 

ثانيًا: التعامل الإيجابي مع الإبتلاء هو سر النجاح، أن تتعامل مع الممكن وليس مع المستحيل، ومن الناس من يقضي عمره في تمني المحال بدلًا من أن يمضيه في فعل المستطاع!

الصبر على ما تكره في الوجود هو الدرجة الأولى، «وَمَنْ يَتَصبّرْ يُصَبّرْهُ اللهُ»، والرضا درجةٌ أتمّ وأسمى. 

رضيت في حبك الأيام جائرة 

                                         فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذب

درجة عليا

والدرجة العليا في الشكر، وهي من أعلى المنازل وهي فوق منزلة الرضا وزيادة، فالرضا مندرج في الشكر إذ يستحيل وجود الشكر بدونه، وهو نصف الإيمان فالإيمان نصفان: «نصف شكر، ونصف صبر».

الصبر الجميل يتطور بالمحاولة إلى رضا، والرضا يرتقي إلى مقام الشكر.

كتاب «سكينة الروح، صفاء العيش في حلو الأيام ومرها» من تأليف بيرم كرسو، يحوي أفكارًا جميلة في تَقبُّل الواقع كما هو إن وقع علينا، أو على من حولنا. 

إدمان التذمر عادة مدمرة لنفسية الفتى أو الفتاة، وكثرة التضجُّر والشكوى وإستجلاب الشفقة هي سلبية لا تليق بالمخلوق المزوّد بأدوات المقاومة والتكيُّف، والممكّن من إختطاط سبيل الإيمان والتوكل.

تعبير عن الشخصية 

ثالثًا: اللسان يشترك مع الإنسان في معظم حروفه في لغة العرب، وقد عدّه «زهير» نصفًا حين قال:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

                                             فلم يسبق إلّا صورة اللحم والدّم

فالإنسان إذًا هو مجموعة الكلمات والحروف والجمل، التي ينطق بها في حياته، حتى الأبكم لديه كلمات إيجابية أو سلبية، ولكنه لا يستطيع البوح بها، وهي تعبّر عن شخصيته، ومزاجه، وحالته النفسية.

كل المشاريع والأفكار الإبداعية العظيمة كانت قبل أن ترى النور كلمات يتحادث حولها أصحابها، ويُقدّمون الدراسات، ولذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه  وأيضًا سقراط: «تحدّث حتى أراك»! 

قصة الرقيب والعتيد وهما وصفان للملكين الموكلين بالإنسان مدعاة للتأمل، فهما يكتبان الأقوال، ومعنى ذلك أنهما قريبان من منطقة الفم، لرصد الحروف والكلمات التي يتفوّه بها، ولا يحاسب عليها الإنسان ما دامت مجرد فكرة عابرة.

أولئك الذين يشتغلون دومًا بندب حظهم العاثر، وشخصياتهم المحطّمة، وفشلهم الأزلي.. هم يبنون الأسوار بعد الأسوار التي تجعل خلاصهم أمرًا في غاية العسر ما لم يَكفّوا عن هجاء القدر بلغتهم السوداوية!

تسألني ابنتي: وهل تريد منّا أن نُمثّل فنقول خلاف الواقع؟ 

نعم، قولي خلاف الواقع الذي أعتدت على رؤيته، والتفتي إلى واقع آخر إلى جانبه، أو على الفلسفة العمرية الرائعة، «فرّي منْ قَدَر الله إلى قَدَر الله»، أو التفتي إلى أمل قريب يوشك أن يكون واقعًا لو أردت، والقرآن ربط الخير والشر، والإيمان والإلحاد، وسائر أفعال الإنسان بـ «الإرادة».

أاقرئي الوجه المشرق حتى في المنع، والحرمان، والمرض، والأذى، والمصائب.. 

هذا الذي تسمينه «تمثيلًا» سيُصبح مع التدريب والمداومة عادة حسنة، وما تقولينه سوف تسمعه أذنك، ويخزنه عقلك الباطن، ويعيد إملاءه عليك!

ألفاظ سلبية 

حتى في المزاح علينا أن نتوقّى الألفاظ السلبية، فالمريض الذي يتندّر أن المرض يغادره ليُفسح الطريق لعِلّة أشد وأقسى.

والطالب الذي يقول: إنه مثل «سائق الباص» ينزل الركاب، ويأتي آخرون، وهو في مكانه لا يبرح!

والبنت التي تقول: إنها ترى أحلامًا لبنات فتُفسّر بزواجهن، فتقول: مهمتي الحلم، ومهمتكن الزواج!

وصاحب الدعاية الذي يتندّر على والده، أو على كبار السن بالموت، وأنكم على شفير القبر، عليه أن يَكُفّ عن هذا المزاح، فهو قول سلبي، ولديه «رَقِيبٌ عَتِيدٌ»، وإياك أن تظن أن ضحك من حولك يعني تسويغًا تامًا لما تقول، قد تعجبهم النكتة، وفي داخلهم ضيق لا يكاد يبين، ستدركه إن كنت من ذوي الفراسة المُتوسّمِين. 

رابعًا: الإبتلاء إذًا يكون بالخير وبالشر، ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (سورة الأنبياء: 35). والمقصود منه: ظهور علم الله في العبد، فينتقل من علم الغيب إلى علم الشهادة، ويراه الناس عيانًا، ويتحدثون به ولذا كان عمر رضي الله عنه يقول: «الغنى والفقر مطيّتان، والله ما أبالي أيّهما ركبت»!. 

وقول المُلهم عمر يَطّرد في الصحة والمرض، والشهرة والخمول.

وقد عقد ابن القيم مناظرة في التفضيل بين «الغني الشاكر، والفقير الصابر»، وأنتهى إلى أن أفضلهم أتقاهم لله إذا تساووا في كل شيء.

زهد الرسول ﷺ

وصف عطاء الخراساني حجرات أزواج النبي ﷺ فقال: أدركت حجر أزواج رسول الله ﷺ من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله ﷺ في مسجد رسول الله ﷺ، فما رأيت يومًا أكثر باكيًا من ذلك اليوم، فسمعت سعيد بن المسيب رضي الله عنه يقول يومنذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الأفق فيرى ما أكتفى به رسول الله في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها.

وقال يومئذٍ أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء، ويرون ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.

قيمة الإنسان الحقة في ذاته ومعدنه.. فالأشياء تذهب وتجيء والكرسي دوّار.

من الناس من يقضي عمره في تمني المحال بدلًا من أن يمضيه في فعل المستطاع!

سَعَادَة المرْء

وجاء في السُّنة عن نَافع بْن عبد الْحارِث قَال: قَال رسُول الله ﷺ: «مِنْ سَعَادة المْرء الْجَارُ الصّالحُ، والَمرْكب الْهَنيءُ، والْمسْكنُ الواسِعُ» «أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» والحاكم وصححه». 

وقال حاتم الطائي:

أَماوِيّ إنّ المالَ غادٍ وَرائحٍ

                                     وَيَبقى من المال الأحاديثُ والذِكُر

أَماوِيّ إنّي لا أقولُ لسائلٍ

                                       إذا جاء يومًا حلّ في مالِنا نَزرُ

أَماوِيّ إمّا مانِع فمُبَيّنٌ

                                       وإمّا عَطَاءٌ لا يُنهنهُه الزجرُ

أَماوِيّ ما يُغني الثَراء عَن الفَتى

                               إذا حَشرجَت نَفسٌ وضاقَ بها الصَدرُ

مكث أيّوب عشرين عامًا طريح فراشه فقال الله لنا، ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (سورة ص: 44)، وصرنا نقول «صَبْر أَيُّوب». 

سنين طوال وهذي الجراح 

                                       تمزق جنبي مثل المدى

ولا يهدأ الداء عند الصباح 

                                 ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى 

ولكنّ أيوب إن صاح صاح:

                                    لك الحمد يا راميًا بالقدر 

مرض جسمٌ فتعافت روح ،وأشرقت بنور ربها.. حين أبتهل السيّاب:

لأنه منك حلو عندي المرض 

فلست على ما شئت أعترض!

منطرحًا أمام بابك الكبير 

أصرخ في الظلام أستجير 

يا راعي النمال في الرمال 

وسامع الحصاة في قرارة الغدير!

قيمة الإنسان الحقّة هي في ذاته ومعدنه، وليست في الأشياء، فالأشياء تذهب وتجيء، وتُمنح وتُمنع، والكرسي دوّار.. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (سورة النور: 44).

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 53

105

الثلاثاء 30-مارس-1971

لن ننتصر إلا بالإسلام

نشر في العدد 221

120

الثلاثاء 08-أكتوبر-1974

لا... يا شيخ!