العنوان إبراهيم عاصي .. أديباً إسلامياً ..
الكاتب أبو الرشيد
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1978
مشاهدات 65
نشر في العدد 385
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 07-فبراير-1978
تعرفنا على نشأة إبراهيم عاصي والمؤثرات التي ساهمت في نشأته الأدبية ولا بد لنا من التعرف عليه أديبا إسلاميا شارك بقلمه في إنشاء أدب إسلامي - وجاهد بالكلمة أيضا الرفع راية الحق ، وإقامة المجتمع الإسلامي المنشود .
نشر أول مقال له في جريدة اللواء الدمشقية عام ١٩٦٣ بعنوان احذروا هذا الزواج ولكنه كان يمارس الخطابة آنذاك ويصرف جهدا في ذلك ، فتأخذ قسطا من التعبير عن مواهبه ، وكان ناجحا في الخطابة مع أنه مارسها خطيبا للجمعة في أحد مساجد بلدته ، لكنه خرج بها عن منحى الخطب الوعظية التي ألفها الناس من خطباء المساجد بل كان يعتمد في خطبه على الاجتماعي القائم على تصيد العيوب والمفارقات ... مع التركيز على الأوليات المهمة في عقيدة المسلم وفكر المسلم وحياته .. كل ذلك في إطار من الواقعية اليومية والأسبوعية - وشارك خطيبا في النشاطات الثقافية عن طريق إلقاء المحاضرات وأحب كاتبنا فن المقالة ، وله فيه جولات موفقة ، ويبدو أنه تأثر بالطنطاوي والمازني ، مع اختلاف في الأسلوب وله في ذلك مقالات كثيرة نشرت في المجلات والجرائد ، وجمع عددا منها في كتاب أسماه - همسة في أذن حواء - طبع ثلاث مرات ، وعنده عدد آخر من المقالات جمعها في كتاب بعنوان - للأزواج فقط - و وقد طبع مؤخرا .
ولعله في هذا الفن يبدو لنا واضحا بأصالته ، وسهولة أسلوبه وقدرته على إبراز المفارقات ، وتصوير الوقائع بطريقة ساخرة محببة ، مع نعومه ظاهرة في تناول الأشياء التي ينقدها مهما كان هذا النقد مرا ...
إن مقالاته مزيج من المقالـــــة الاجتماعية والمقالة الذاتية ، فهو متفاعل مع ما يكتب وهذا ما يحس به القارىء ، ولكن تفاعله لا يبعده عن جادة الصواب . ولا يخرجه عن مساره المرسوم في المقالة ..
وربما كانت مساهماته في هذا المجال أنجح من غيرها ، ولو أن ذلك لا ينقص من قدر مساهماته الأخرى .
أما فن القصة عنده ، فله فيه جولات موفقة ، وإن كان ما يزال في بداية الطريق .
لقد كتب أديبنا قصصا كثيرة ، نشرها في المجلات الإسلامية ولا سيما مجلة - حضارة الإسلام – بدمشق وجمع عددا منها ونشره في مجموعات هي:
1. ولهان والمتفرسون
2. سلة الرمان
3. حادثة في شارع الحرية وهذه المجموعة تحوى عددا كبيرا من القصص التي كتبها أو نشرها وما زال يكتب قصصا جديدة ، ويهييء نفسه لدور أكبر ، ولكم نتمنى أن يزيد من انتاجه ، ويدفع للمكتبة الإسلامية عددا أكبر بكثير من هذه القصص ، ليسد فراغا كبيرا نعاني منه ، ولا سيما في مجال القصة عامة ، والقصيرة بوجه خاص .
وليت الذين يمارسون هذا الفن من الأدباء الإسلاميين يجمعون إنتاجهم في مجموعات مطبوعة ليتعرف عليها القراء ، وليتمكن الدارسون من التعريف بها ودراستها ، لأنه ليس خاف على أحد صعوبة الوصول إلى المجلات الإسلامية ، ومتابعة ما ينشر فيها في كل البلدان ، ولكنه قد يسهل انتقال هذه المجموعات القصصية من بلد إلى آخر ، ويتعرف عليها القراء في أنحاء العالم الإسلامي وليتهم يلتقون متعاونين لنشر إنتاجهم في مجموعات تحمل ما تماثل من إنتاجهم ، وتعبر عن الطابع الإسلامي في الأدب ، نعود بعد هذا الاستطراد إلى أديبنا إبراهيم في أماله القديمة حيث يعد نفسه ، وبعد قراءه بكتابة الرواية الطويلة ، ولا ندری أین يستقر به الأمر بعد حين .
هل سيظل يكتب القصة الكبيرة ، ويعطيها بعدا أكبر ؟
أم سيتحول إلى كاتب القصة الطويلة ؟
أم سيؤول به الأمر إلى النقد الاجتماعي والأدبي وهي مزينه الواضحة ؟ أم أن هذه المزايا ستتفاعل لتكون نسيجا في بنائه الأدبي المنتظر ككاتب قصة إسلامي يشق الطريق أمام من يأتي بعده من رواد هذا الطريق ؟
ولكاتبنا غير هذه المجموعات القصصية كتيبا صغيرا بعنوان - - جلسة مفتوحة - وهو حوار فكرى الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله - وإذا كان من الأفضل التعرف على هذه المجموعات كلها ، فإنه من الصعب أيضا أن تتسع هذه الصفحات لهذا ، إلا اذا كنا نريد إعطاء صورة ملخصة وأحكاما مبتورة عن هذا الأديب مع أننا لم نقصد في هذه الموضوعات إلى هذا بل كانت الغاية التعريف به أديبا إسلاميا قبل أي هدف آخر ، وإذا سمحت لنفسي في هذا العرض أن ألقي بعض الضوء على بعض مميزاته فليس ذلك إلا من قبيل فتح الأبواب للإخوة القراء ، لأنني أحس بأن أدبنا الإسلامي ما زال بكرا ومجهولا ، ومن واجبنا التعريف به.
لهذا فإنني سأختار المجموعة الأخيرة من قصصه - وهي حادثة في شارع الحرية - في طبعتها الأولى لإعرضها من خلال قصصها بشيء من التفصيل ، وبهذا العرض أكون قد أعطيت نموذجا واضحا عن أديبنا وفنه القصصي.
و حادثة في شد - مجموعة في شارع الحرية . قصصية نشرها كاتبنا عام ١٩٧٥ وهي تضم مقدمة الدكتور عماد الدين خليل ، وسبع قصص قصيرة هي على التوالي :
1. مركباتنا تدخل عصر الفضاء
2. زيجة فندقية
3. في الطريق إلى العاصمة
4. حادثة في شارع الحرية
5. ضد الاعتزال
6. قصة رسالة
7. رحلة مع الجمال
وربما كانت مقدمة الدكتور عماد الدين خليل كافية في عرض هذه المجموعة ، لولا أنني أحب نقل صورة واضحة للقارىء الكريم ، مستفيدا مما كتبه الدكتور عماد ، صاحب الدراسات القيمة ، في التاريخ والأدب .
قد حاول الدكتور عماد خليل أن يدلنا بطريقة مركزة على الملامح الأصيلة في هذه القصص ، وعلى المميزات الخاصة بها سلبا وإيجابا ، واتخذ لتقويمه هذا منهجا متميزا يحتاج إليه كل كاتب إسلامي معاصر و لخصه بما يلي :
- إن المسلم المعاصر بحاجة إلى هذا كله : القيم ، الأمل ، الرفض التجاوز والحركة.
وكم هو رائع ومدهش أن يمد الفنان يديه .. أن يسهم بشكل أو بآخر في المساعدة على هذا العطاء ، في منحنا النار التي تحرق ، والوهج الذي . يضيء - وإذا انتقلنا إلى القصة الأولى : مركباتنا تدخل عصر الفضاء نجد كاتبنا يلتقط فيها صورة عن حياتنا في الريف ، ليس ريفا معينــــا بل كل ريف في العالم الإسلامي .
ولعله يرمز بذلك الى الوطن الإسلامي كله في سيره وتطوره كهذه المركبة التي تحمل ركابا مختلفين ، بشرا وحيوانات ومواد ، مع ما يعاني من أمراض قاتلة لبعده عن الإسلام دون أن يشير الى ذلك أو يلجأ الي التصريح والوعظ ، بل يترك الصورة تتحدث عن واقع نلمسه ولكنه يكثف الضوء في زوايا تحتاج إلى إضاءة ليراها القارىء ، ويتعرف الى الواقع المتخلف.
فهذه المركبة العجوز التي تحمل ركابها لتنقلهم من بلدهم إلى المدينة ،تمثل واقعا متخلفا مريضا عاجزا ، لأننا لم نتعرف إلى الطريق القويم بعد ، ولكنها ترمز إلى مجريات حياتنا التي تتمسك بهذا العجز في كل أطرها ومناحيها .
ويضيىء اللوحة ، فنرى المركبة العجوز - جميع الكتل اللحمية المحشوة بها المركبة – والمركومة على ظهرها وجنباتها .
ولعله في هذا التعبير يوحى لنا بما وصل إليه الإنسان من امتهان كرامته ومساواته بالأشياء الجامدة ، بل انحطاط قيمته إلى أدنى منها في ظل المدينة المعاصرة لهذا فلم يعد ركاب العربة بشرا ، بل كتلا لحمية محشوةبها المركبة أو مركومة فوق بعضها.
وحتى تمثل المركبة واقع حياتنا ، جعل فيها السائق ، والطالب ، والجندى ، والموظف والعامل ، والحيوانات والأشياء .
هذه المركبة العجوز في حركتها التي تحمل غبار القدم والضعف تتوقف أيضا بأمر السلطة – الشرطة وعريف المخفر - ، ويدور التحقيق الغريب بين ضجر هؤلاء الأحياء ،وممثل السلطة ـ العريف ـ .
فالسلطة أصبحت عائقا ، تستغل الواقع المزري لكي تنتفخ وتنتفع ، وينتهي التحقيق بالغرم الواقع على الناس كما وقع على السائق المسكين ودفع ثمن ديك من الدجاج كما يدفع غيره من السائقين.
وكما قلت فالقصة مع تعبيرها عن الواقع الذي نراه حقا في الأرياف بهذه الصورة التي تتقزز لها النفس عندما يسيل - بول الأغنام والعجول على الركاب من طول الانتظار ، ورغم سخط الركاب وضجيجهم ، إلا أنهم كانوا في وضع يعجزون فيه عن عمل أي شيء إلا الصراخ الفارغ، وهي سورة الناس - كل الناس – الذين طحنتهم أنظمة الظلم هنا وهنا ، واستهانت بهم إلى هذا الحد ، ولم تأبه لصراخهم لأنها تعرف أنه لا شيء غير الصراخ ، وسلخت منهم القدرة على الاحتجاج بله المقاومة والدفاع أو الثأر ، فلم يعد بمقدورهم إلا الرضوخ والصراخ المكتوم .
إنه في قصته هذه يستخدم الفكاهة والسخرية الحلوة المره ، الموحية ، فالجميع مكتوفون مرصوصون الألسنة وحدها هي التي تستطيع التحرك ، والرقاب تتحرك ولكن بصعوبة شديدة.
ويقول السائق في رده على سؤال الشرطي عن سرعته : ـ لم أكن مسرعا ، ولكن خلفي يركب فحل معزى ، وقد أصابني طرش من كثرة صياحه..
ونلاحظ أن مكاهته وسخريته تأتي عن طريق التصوير الموحى الذي يعتمد على النقاط المفارقات أو الصور الساخرة ، وهي ميزة لإبراهيم عاصي في قصصه ومقالاته النقدية .
ثم نرى صورة استغلال الوظيفة والسلطة ، وكان بطلها هو العريف يعاونه من كان في المخفر ، ولذلك دلالات سياسية واجتماعية لأن كثيرا من البلدان تحكمها جيوشها كهذا الشرطي الذي يتحكم في المركبات وسير الحياة ومعاش الناس ولهذا نرى واحدا من الركاب يقول : ـ أما تعرف سخرهم الدائمة للسائقين خبز طازة . لحم طرى .. .. خضراوات .. إبريق للماء..
ثم يعطينا صورة عن عدم إكتراث السلطة والمسؤول عن الناس مهما كانت حالهم : - كفى . . كفى علاك وفلسفة وبيع إنسانية أنا لا أسألك عن المخالفة ولا عن الركاب ، هذا شيء لا يعنينا كثيرا إننا نريد أن نضبط أقوالك في موضوع أهم ..
والقصة تعطينا صورة محزنة لهذا الموضوع المهم ، إنه الاستغلال وأخذ الرشوة ، وامتلاء السلطة و استغلالها .
ثم يرمز بصورة أخرى عن صراح العذاب والإهانة الذي ترزح تحته شعوب الوطن الإسلامي فيقول على لسان واحد من شخصيات القصة : أين كرامة المواطن ؟ أين كرامة الإنسان ؟ هل نحن دجاج ؟ هل نحن بهائم حتى نحشر هذا الحشر أين من يعنيهم الأمر ؟ ألا يرون ؟ ألا يسمعون وواقع القصة يعطينا أجوبة هذه التساؤلات والله عز وجل يقول لنا ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد :11)
وما هو التبرير الذي يلقاه الناس ؟ ما هو الجواب الذي نسمعه دائما من المستغلين : أنسيت أننا في حالة حرب ؟ وأن أموالنا يجب أن نوفرها لما هو أهم من شراء السيارات ؟
و هو تبرير الماديين دوما والمستغلين الذين ينظرون للحياة بمقياس الملايين والجنس والأرقام ..
وقد يسوقون تبريرات أخرى : أزمة مواصلات .. مشكلة العملة الصعبة فحسب ...
هذا الواقع الذي يستهان فيه بالإنسان ويعامل بازدراء واحتقار حتى يصبح ركاما بين الحيوانات ، والأشياء ، هذا الواقع لن يلد إلا العجز والفوضى والمهانة والخوف.
لذلك نرى المثقف يقف هذا الموقف :
- هم الشاب المثقف أن يسأل بملء فمه وأين ذهبت عملتنا الصعبة ولكن أدرك خطؤرة السؤال حالا ، فخنقه بحنجرته ، بقى بعدها فترة يجيل عينيه فيما حوله خشية أن يكون أحدا ما قرأ أفكاره وسجلها عليه وهي صورة الإنسان المستذل المسحوق في كثير من بقاع الوطن الإسلامي مع أن لسان الحال يقول : - إنهم لا يشعرون بشعورنا ، إنهم لا يعنيهم أمرنا ، كل واحد منهم عنده تكسي مثل العروس تسابق الريح وبعضها بلا لوحات ، بلا جمارك ، أولئك لا يطولهم قرار منع استيراد ، ولا أزمة عملة صعبة ولا ما يحزنون .. اه بس لو ينعصر أحدهم هكذا بيننا ولو مرة واحدة -
وما أعظم المفارقات في دنيا انتزع الله فيها من النفوس شعور العطف شعور الإنسان نحو أخيه الإنسان ، حتى انقلب الرجل وحشا يمزق لحم أخيه لأنه قال له أخطأت .
فهل يمكن للإنسان أي إنسان أن يكون إنسانا حقا بلا شرع الله ؟ - للبحث صلة -
• إن المسلم المعاصر بحاجة في القصص الإسلامي إلى القيم ، الأمل ، الرفض، التجاوز، الحركة.
د. عماد خليل
أخطاء لغوية شائعة
• يقولون : أسلوب هذا الكاتب شيق . وهذا خطأ والصواب : شائق .
• يقولون : ضغطت على زر الجرس وهذا خطأ والصواب : ضغطت زر الجرس . بدون على.
• يقولون : طقس هذا البلد حار . وهذا خطأ .
• والصواب : جو هذا البلد حار فلا وجود لطقس في كتب اللغة.
• يقولون : تمر أمتنا في ظروف حرجة وهذا خطأ والصواب : في أحوال حرجة لأن الظروف جمع الظريف وهو من أتصف بالبراعة وذكاء القلب .
محمد رشيد العويد