; «بعث» أم «عبث»؟! | مجلة المجتمع

العنوان «بعث» أم «عبث»؟!

الكاتب عارف المشهداني

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2003

مشاهدات 56

نشر في العدد 1558

نشر في الصفحة 26

السبت 05-يوليو-2003

  • لسنا في معرض تعداد مجازر صدام فهي أكثر من أن تعد.. ولكن ما يعنينا الإشارة إلى حجم ونوعية الإذلال الذي كان يمارسه على أقرب المقربين منه.. قتل طبيبه الخاص وقدمه طعامًا لكلبه!

كثر الحديث عن أسباب السقوط المريع لبغداد وعلى رأسها خيانة قائد الحرس الجمهوري الخاص بصدام، صهره وابن خالته الفريق الركن ماهر سفيان التكريتي، والفارق الكبير في قوة ونوعية تسليح الطرفين العراقي والأمريكي، ومع أن هذه عوامل مؤثرة إلى حد كبير، لكنها تبقى غير كافية لتبرير ما حدث، فلم تكن خيانة شخص واحد لتسقط بغداد ذات الستة ملايين نسمة التي يملؤها الجنود من مختلف التشكيلات العسكرية، ولم يكن فارق التسليح، على أهميته، هو اللاعب الحاسم في هذا السقوط، وإلا لما استطاع الشيشانيون بأسلحتهم البسيطة هزيمة الروس عام 1996 م، ومواصلة مقاومتهم البطولية حتى الآن، ومن قبلهم الأفغان الذين هزموا وطردوا الروس إلى غير رجعة عام 1991 م.

وكمسلم عراقي ولدت ونشأت في بغداد، وأمضيت فيها كل مراحل حياتي لغاية خروجي منها قبل سبع سنوات، كنت أتوقع بطريقة أو بأخرى ما حدث، رغم أن الحدث قد نزفت له قلوبنا دمًا ورغم أني كنت - أسوة بكل مسلم غيور على دينه وأمته - أمني النفس بغير ما حدث، لكن ما لم يتطرق إليه الكثيرون الذي كان أهم عوامل السقوط هو عدم ثقة الشعب العراقي بقيادته التي شلت إرادة هذا الشعب وقدرته على اتخاذ أي موقف؛ حيث ابتدأت عملية المسخ والإلغاء منذ تولي حزب البعث العربي الاشتراكي زمام السلطة في العراق عام 1968 م.

وما زلت أتذكر كلمات شقيقي الأكبر لي، وكنت وقتها في مقتبل العمر عندما وصف هذا الحزب أنه حزب «العبث الغربي الإشراكي»!! وعندما طلبت توضيحًا لهذا الوصف الغريب قال لي إنه «عبث»؛ لأنه عبث بمقدرات الأمة والشعب، فكم من عالم جليل أُعدم أو شُرد، أو يقف خلف القضبان، لا لشيء إلا قوله ربنا الله، ثم أين كفاءات العراق التي هاجرت وتزخر بها مدن الغرب بعدما وصل الحجر البعثي على العقول إلى ذروته؟ أما أنه «غربي» فذاك لأن مؤسس الحزب ميشيل عفلق، وهو نصراني سوري، تقمص الأفكار القومية التي نادى بها، أسوة بالكثير من نصارى سورية ولبنان، أثناء دراسته في جامعة السوريون الفرنسية التي ما كانت تهدف إلا إلى ضرب الخلافة الإسلامية وتفتيت الجسد الإسلامي إلى قوميات متناحرة، أما كونه «إشراكيًّا» فيكفي طرحه القرآن الكريم وراء ظهره، واتهامه الإسلام بالرجعية وعدم مواكبته روح العصر، وها هو شاعر البعث يقول:

آمنت بالبعث ربًا لا شريك له * وبالعروبة دينًا ما له ثاني!!

ثم وصل الحد بشاعر صدام، شفيق الكمالي إلى أن يؤله صدامًا بقوله عام 1986م، وتعالى الله عما قال:

لولاك ما نزل المطر!

لولاك ما نبت الشجر!

لولاك يا صدام ما خلق البشر!!!

ومن حكم الله تعالى أن سلط صدامًا على هذا الشاعر عام 1989 م فأعدمه!!

ومنذ ذلك العام، أي 1968 م، جرت أحداث جسام جعلت الثقة معدومة بين صدام وأقرب المقربين إليه، فما بالك بالأبعدين والمعارضين؟! بل حتى اجتماعات القيادة العراقية ومجلس الوزراء كان يتخللها سباب وشتائم وتهديدات بالقتل من صدام للحاضرين، بل قتل البعض أمام الجميع، أما القادة العسكريون، فقد سُلبت إرادتهم وأصبحوا دمى تتحرك وفق توجيهات «بطل النصر والسلام»!!، وإذا كان موشي ديان، وزير الحرب الصهيوني الأسبق قد قال مقولته الشهيرة: «إذا أردت أن تكون ملكًا فكن ضابطًا في الجيش العراقي، وإذا أردت أن تكون عبدًا فكن جنديًا في الجيش العراقي»، فإن ما لم يدركه موشي ديان هو أن الضابط والجندي العراقي أصبحا عبدين ذليلين لدى سيدهما صدام حسين!! وهنا أود استعراض بعض الجوانب التي شلت تفكير أي عراقي مدنيًّا كان أم عسكريًّا، والتي آلت إلى ما آلت إليه من عودة العراق إلى السقوط في براثن الاحتلال من جديد بعد تحرره من الاحتلال الإنجليزي ونيله الاستقلال عام 1932 م.

انقلاب أبيض يعقبه انقلاب أحمر!!

بعد الانقلاب الأبيض في 17 تموز - يوليو عام 1968 م ضد الرئيس العراقي حينذاك عبد الرحمن عارف الذي تم بالتواطؤ مع قائد لواء الحرس الجمهوري، وقائد القوة الجوية ومدير الاستخبارات العسكرية «عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود وصالح مهدي عماش»، بثلاثة عشر يومًا فقط أي بتاريخ 30 تموز - يوليو، قام الجناح التكريتي في السلطة «صدام حسين وأحمد حسن البكر» بتصفية دموية لمن مهد لهما تسلم السلطة، حيث تم إعدام الأولين ونفي الثالث، لتبدأ سلسلة من المجازر بين أبناء البلد الواحد لم تنته إلا بزوال صدام من سدة الحكم.

ومن أجل تثبيت سلطته وإرهاب المعارضين كان أحد أبرز «الإنجازات» الثورية لحزب البعث ولصدام الذي كان نائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤول المخابرات في الحزب في بداية السبعينيات - تعيين ناظم كزار مديرًا للأمن العام، وهذا الرجل ابتكر طريقة بعثية غريبة في اختيار المنتسبين لجهاز أمنه لم يسبقه إليها أحد حتى فرعون! تمثلت في إحضار المرشح للانتساب للأمن مع والدته، وأمره بالبصق في وجهها!! فإن أطاع وبصق فهذا دليل صلاحيته لنيل «شرف» الانتساب للأمن البعثي، وإن رفض فذاك يعني عدم أهليته؛ لعدم إطاعة الأوامر طاعة عمياء! ولكم أن تتصوروا مدى ورع المنتسبين لذلك الجهاز سيئ الصيت عن ارتكاب جرائم القتل أو السرقة أو الاغتصاب إذا ما طُلب منهم!

ولم تنته جرائم صدام عند حدود معارضيه من أبناء الشعب التي افتتحها بفضيلة الشيخ عبد العزيز البدري الذي أعدمه بطريقة بشعة عام 1970 م، بل شملت معارضيه من البعثيين أنفسهم، وما زال الكثيرون يتذكرون مجزرته بحق قياديي حزب البعث الذين رفضوا استيلاءه على السلطة عام 1979 م، بعد إزاحته لرفيق دربه أحمد حسن البكر ووضعه تحت الإقامة الجبرية، حيث افتتح سجله الرئاسي بإعدام 28 قياديًّا بعثيًّا، من ضمنهم زوج أخته عدنان حسين وزير التخطيط وقتئذ، ومحمد محجوب وزير التربية، ومحمد عايش وزير العمل!!

وهكذا بدأت دورة جديدة من سيل الدماء وكتم الأنفاس؛ فلم يعد بمقدور أحد من الوزراء أو قادة البعث حتى تقديم أي اقتراح لا يتناسب ومزاج «القائد الملهم!!» صدام حسين.

ولعل من المناسب هنا التذكير بحادثة قتل وزير الصحة د. رياض القيسي أثناء إحدى جلسات مجلس الوزراء عام 1983، ففي ذلك العام وفي ذروة الحرب العراقية الإيرانية كان شرط إيران لإيقاف الحرب، تخلي صدام عن الحكم! وهنا تفتقت عقلية صدام عن فكرة جهنمية لمعرفة ما يدور في خلد الوزراء ومدى ولائهم له، فطلب منهم مناقشة هذا المقترح، وبالطبع رفض الجميع هذا المقترح رفضًا قاطعًا، فهو «القائد الضرورة!»، كما كان يطلق عليه الإعلام البعثي، إلا أن منية وزير الصحة حينها كانت قد اقتربت!! حيث اقترح على صدام اقتراحًا ظنه ذكيًا، ولم يدر بخلده أنه سيقوده إلى حتفه بعد لحظات، تمثل في استقالة صدام كمخرج لإيقاف الحرب، وبعد عام يتم إجراء انتخابات رئاسية ويتم انتخابه بالإجماع من جديد! فما كان من صدام إلا أن أخرج مسدسه من جيبه، وأطلق الرصاص على وزير الصحة ليرديه قتيلًا في الحال، ليعلن الإعلام الرسمي حينها أنه أعدم لاستيراده أدوية فاسدة!! فمن يستطيع أن ينبس ببنت شفة بعد ذلك وزيرًا كان أم قائدًا عسكريًّا؟! وهذا المصير هو الذي لاقاه صهر صدام و ابن خاله عدنان خير الله طلفاح وزير الدفاع الذي تم تفجير طائرته وهي في الهواء عام 1989 م «بررت العملية بوجود عاصفة رملية»؛ وذلك لمعارضته فكرة دخول الكويت التي اقترحها عليه صدام وقتها «والعهدة هنا على الراوي يحيى لطيف الصالحي البديل الشبيه لعدي النجل الأكبر لصدام الذي هرب إلى النمسا ثم بريطانيا، وألف كتاب: كنت ابنًا للرئيس صدام»، فإذا كان هذا مصير أقرب المقربين لصدام، فمن يجرؤ على الكلام بعدها؟!

رعب وذل!!

أرعب صدام جميع مقربيه، وكان التجسس عليهم أكثر من التجسس على المعارضين! وكان تعامله معهم لا يحتمله إلا من هانت عليه نفسه، وأذكر هنا حادثتين تغنيان عن الإطالة، ففي عام 1989 وأثناء زيارة صدام لمعرض الهدايا المقدمة له - وكان المتبع أن يستقبله لطيف نصيف جاسم وزير الثقافة والإعلام، وكانت التعليمات المشددة للجميع ألا يدخل أحد على صدام، وهو يحمل سلاحًا بمن فيهم نجلا صدام، عدي وقصي - وكما يروي مهندس الديكور في المعرض أن صدام حضر مبكرًا للمعرض وبعدها بمدة جاء لطيف نصيف جاسم بمسدسه كعادة المسؤولين العراقيين، ودون أن يعلم بحضور صدام، ويضيف مهندس الديكور قائلًا: فلم ألتفت إلا على صوت ضربة كف «راشدي» من أحد ضباط حرس صدام للوزير قائلًا له بصوت غاضب: ألم تعلم أن السيد الرئيس موجود؟ فما كان من الوزير إلا الاعتذار بعدم معرفته وإلا لــ «طارت» رقبته!!.

أما الحادثة الأخرى فكانت مع الطبيب الخاص بصدام د. راجي التكريتي مدير مستشفى الرشيد العسكري، حيث كان في زيارة للأردن عندما أعلنت المعارضة العراقية عام 1993 م عن تشكيل حكومة في المنفى، وذكرت اسم د. راجي التكريتي ضمن التشكيلة الوزارية، وهنا ثارت ثائرة صدام متوعدًا طبيبه الخاص بأقسى العقوبات، إلا أن د. راجي أرسل رسائل عديدة لصدام عن طريق وسطاء أوضح فيها أن لا صلة له بالمعارضة من قريب أو بعيد، وأن اسمه ذكر دون علمه واستشارته، طالبًا العفو من صدام، وتوسط له عند صدام الشيخ عيادة الصديد، أحد شيوخ تكريت، وكانت إجابة صدام عندها: الخير فيما اختاره الله!! وفهمها الشيخ عيادة أنه عفو من صدام عن د. راجي التكريتي، وعندها عاد د. راجي إلى بغداد ليستقبله صدام لا ليقتله أمام جمع من الوزراء فحسب، ولكن ليقدمه طعامًا لكلبه الخاص المسمى «هرقل»، ليكون عبرة لمن تسول له نفسه التفكير في إطاحة صدام!!.

ولست هنا في معرض تعداد مجازر صدام فهي أكثر من أن تعد، ولكن فقط للإشارة إلى حجم ونوعية الإذلال الذي كان يمارسه تجاه شعبه بمن فيهم المقربون له، فهل كان مثل هذا الوزير، أو ذاك القائد ليقاتل بعد أن سُلبت كرامته، وأصبح الأمر ليس مسألة دفاع عن العراق، وإنما دفاع عن شخص ألغي الجميع عندما رفع شعارًا يتباهى ويتغنى به وهو: إذا قال صدام قال العراق!! فأنى لمن يعيش وسط هذه الأجواء من الكبت والحرمان والقهر والإذلال أن يقوى على رفع سلاحه ليقاتل به؟! لذا ما إن ضرب مطعم الساعة في المنصور يوم 7 أبريل، وهو أحد الأماكن التي يلتقي فيها صدام مع أعضاء القيادة العسكرية «واسمه الحركي لدى الحرس الخاص بصدام هو أبو جعفر المنصور»، حيث دخله صدام من بابه الأمامي وخرج من بابه الخلفي بعد فترة وجيزة، مع ضرب سابق لمباني الاتصالات ومبنى الإذاعة والتلفزيون ووزارة الإعلام حتى سرت الشائعات كالهشيم أن صدام قد قتل، وبما أن المهم - كما ترسخ في أذهان الكثيرين - هو وجود أو عدم وجود صدام وليس العراق بفعل تراكمات سنوات القهر والإذلال، انهارت وخارت قوی القادة والجنود، بل القادة البعثيين أنفسهم الذين طافوا على الجنود في شوارع بغداد، وطلبوا منهم ترك مواقعهم والعودة لمنازلهم، وأن كل شيء قد انتهى، أو كما قال محمد الدوري سفير العراق لدى الأمم المتحدة أن اللعبة قد انتهت!!...

وهكذا كان صدام نتاجًا للعقيدة البعثية الضالة، ووبالًا على شعبه وأمته، كما كان ستالين نتاجًا للعقيدة الشيوعية، وهتلر للعقيدة النازية، وموسوليني للعقيدة الفاشية، وجمال عبد الناصر للعقيدة القومية المحاربة للإسلام وأهله، ولنا أن نتساءل في ختام هذا المقال:

هل كان صدام هو الطاغية العربي الوحيد؟ وهل استحق السقوط وحده؟!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل