العنوان «بيروسترويكا» أردنية.. في حاجة الي «جلاسنوست»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999
مشاهدات 80
نشر في العدد 1336
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 02-فبراير-1999
الأردن
عمان: المجتمع:
بعد أيام من الترقب والحيرة عاشها الشارع الأردني بدأ الملك حسين حملة التغيير الأهم والأوسع في هياكل الدولة في سياق عملية المراجعة الشاملة التي تحدث عنها وذهب البعض إلى وصفها بـ «البروسترويكا الأردنية»، وكان تغيير ولي العهد الأمير حسن الذي ظل يشغل هذا الموقع ٣٤ عامًا واستبدال النجل الأكبر للملك حسين الأمير عبد الله به الخطوة الأولى في عملية التغيير الواسعة التي ينتظر أن تليها تغييرات لاحقة في رئاسة الحكومة والديوان الملكي والبرلمان الذي يرجح كثير من الأوساط حله قريبًا وإجراء انتخابات برلمانية جديدة.
ولكن يبدو أن هذه التغيرات ستتأخر كثيرًا بعد أن قرر الملك حسين فجأة السفر مرة ثانية إلى الولايات المتحدة لاستكمال العلاج.
الأوساط السياسية تشير إلى أن التغييرات التي بدأت، جاءت مفاجئة للكثيرين وغير مسبوقة مقدمات واضحة، فلم يكن واردًا في تصورات الجميع أن موقع الأمير حسن كولي للعهد قابل للتغيير بعد أن تعايشوا مع هذا الوضع فترة تزيد على ثلاثة عقود، ويرى بعض الأوساط أن هذا التغيير ربما لم يكن متوقعًا إلى وقت قريب حتى للأمير عبد الله ولي العهد الجديد نفسه، والذي حل مكان عمه الأمير حسن في هذا الموقع.
فالأمير عبد الله وقبل ثلاثة أشهر فقط كان قد استبعد في مقابلة صحفية أي تغيير في مسألة خلافة الملك، وقال إن «المطلعين على الحياة السياسية في الأردن يعلمون أن عمي الأمير حسن هو بمثابة اليد اليمني لجلالته، وهو ولي العهد، ولا مجال للنقاش في هذا الشأن الخلافة قد تكون موضع جدل بين أناس كثيرين خارج الأسرة المالكة، ولكنها قطعًا ليست موضع جدل داخل أسرتنا».
الملك يميط اللثام عن أسباب التغيير
وقد ظلت الأسباب التي تقف وراء حملة التغيير الأخيرة والتي بدأت بولاية العهد مجهولة، وانتشرت حولها الإشاعات بصورة كبيرة إلى أن أماط الملك حسين اللثام عنها بوضوح في رسالته الصريحة التي وجهها لشقيقه الأمير حسن والتي تضمنت انتقادات واضحة للأمير، وأشارت للمرة الأولى الخلافات بينهما في بعض المسائل ما دعاه إلى المسارعة بالعودة إلى أرض الوطن لحسم الأمور، وأهم الأسباب التي وقفت وراء التغيير في ولاية العهد وفق رسالة الملك.
أولًا: رغبة الملك بتعيين نجله الأكبر الأمير عبد الله وليًا للعهد عملًا بالنص الأصلي للدستور والذي ينص على انتقال ولاية الملك إلى أكبر الأبناء سنًا، ثم إلى أكبر أبناء ذلك الابن الأكبر وهكذا، وقد أشار الملك في رسالته إلى الأمير حسن إلى أن اختياره له كولي للعهد عام ١٩٦٥م جاء استثناء للأصل، واستدعى في حينه إجراء تعديل على الدستور يسمح للملك باختيار أحد أشقائه وليًا العهد، وبرر الملك هذا الاختيار في حينه بالظروف والمخاطر التي كانت تهدد الأردن في ذلك الوقت.
ثانيا: الخلاف على من يخلف الأمير حسن في ولاية العهد، حيث كان الملك يرغب بأن يكون أحد أبنائه وليا لعهد الأمير حسن فيما بعد، وكان يرغب بحسم الأمر في هذا الاتجاه، وهو ما رفضه الأمير وفق رسالة الملك التي قال فيها واختلفنا «لرأيك في وجوب إنجازه عندما تكون أنت في المقام الأول وولي الأمر وقد اختلفنا من بعد ولا زلنا واستمرارًا لموضوعنا على أمر ولاية العهد ولمن تؤول من بعدك، فكنت رافضًا قاطعًا في رفضك للأمر إلا عندما تستلم الملك وتقرر أنت من يخلفك».
ثالثًا: انزعاج الملك من بعض المحيطين بالأمير حسن والمقربين منه، والذين قال الملك إنهم أساؤوا له ولأسرته «جرحت وأسرتي الصغيرة بالهمز واللمز والافتراء، وأعني بهذا زوجتي وأبنائي، فكنت أسمع، وفي كثير من الأحيان أعزي ذلك إلى حب المنافسة بين بعض من يدعون لك الإخلاص ويعزون إليك الخير كله في كل ما ترى وتفعل، وعلى الرغم من أنني عجزت في النصح لك ولأسرتنا على مدى سنوات بالكف عن السماح أو الطلب من وسائل الإعلام تسليط الأضواء التي لا تركز على الجوهر، بل على الشخصية».
وفي موضع آخر من الرسالة، وبإشارة غير مباشرة إلى هؤلاء قال الملك «عشت تجارب كثيرة، ولاحظت منذ سن مبكرة كيف تتسلق بالطحالب السامة لتفسد بين الأخ وأخيه والابن وأبيه وقد جربوا كل سلاح الخلخلة الثقة بين القيادة والشعب الذي ما اعتبرته إلا الرفيق الأقرب والشريك الأمثل، فلم ينجحوا، أما خطتهم في هذه المرحلة هم والطامعون في القضاء على الأردن فتأتي من خلال ضرب القيادة ببعضها بعد أن عجزوا عن تفكيك القاعدة وهم يجدون في بقائي على قيد الحياة عائقًا ومعيقًا لكل ما يبيتون».
رابعًا: انزعاج الملك من التغييرات التي كان الأمير حسن يزمع إجراءها في الجيش، وعلى مستوى السفراء، وقد أشار الملك إلى أنه استخدم صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة لمنع ما وصفه بأي قرار ارتجالي بحق الجيش قد يؤدي إلى شرذمته وتسييسه وأضاف الملك «وقد ازدادت الحمى وقدر البعض أنها الفرصة السانحة، وقد تدخلت من فراش المراض لمنع التدخل في شؤون الجيش العربي بالتغيير الذي بدا لي وكأنه استهدف تصفية حسابات، وإجراء إحالات على التقاعد لأكفاء مشهود لهم بالولاء وتاريخهم ناصع بالبذل والعطاء وفي طليعتهم المشير الركن رئيس هيئة الأركان المشتركة».
وأضاف الملك معبرًا عن انزعاجه «ولقد أرقني كل هذا وكثير غيره وأقض مضجعي وأنا على فراش المرض فوق معاناتي الشخصية، أرقني لأول مرة في حياتي أنني وجدتني أتساءل لماذا الإصرار على التغيير في الجيش».
تغييرات أخرى مرتقبة
وتشير المصادر السياسية إلى أن التغيير المهم الذي جرى في ولاية العهد ستتبعه تغييرات في المؤسسة الحكومية والديوان الملكي، وقد عاد اسم رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي ليبرز على السطح باعتباره المرشح الأقوى لرئاسة الحكومة في فترة قريبة، إلى جانب مدير المخابرات سميح البطيخي الذي طرح اسمه أيضًا كمرشح لرئاسة الحكومة أو الديوان، كما طرح اسم رئيس التشريفات أيمن المجالي كمرشح محتمل الرئاسة الديوان واللواء سعد خير كمرشح الخلافة البطيخي كمدير للمخابرات العامة.
ويتوقع العديد من المصادر أن يتم حل البرلمان قبل انتهاء ولايته، وإجراء انتخابات جديدة تساعده في الخروج من الأزمة التي تسبب بها قرار مقاطعة بعض الأحزاب السياسية للانتخابات، وإن لم تصدر حتى اللحظة مؤشرات قوية في هذا الاتجاه، ولكن ما هو مؤكد وفق غالبية المصادر أن يتم استبعاد جملة من الشخصيات المحسوبة على الأمير حسن، من أي مواقع مهمة خلال المرحلة القادمة التي ما تزال ملامحها غير واضحة، وعليه يمكن القول إنه إذا كان ما حدث يمثل «بيروسترويكا»، كما قال البعض، فإن الأمر يحتاج - ما دمنا نستخدم المصطلحات الروسية إلى «جلاسنوست» أي مكاشفة تحدد طبيعة المرحلة ومتطلباتها.
وفيما يتوقع مراقبون سياسيون انعكاسات ملحوظة للتغييرات المرتقبة على الأوضاع الداخلية فإنهم يستبعدون أي انعكاسات لها على السياسات والعلاقات الخارجية ولا سيما ما يخص الموقف من عملية التشويه والعلاقات مع إسرائيل.