العنوان «ثورة».. المهمشين !
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005
مشاهدات 92
نشر في العدد 1676
نشر في الصفحة 15
السبت 12-نوفمبر-2005
مشاهد النيران والدمار التي حفلت بها شوارع فرنسا في الأيام الماضية يمكن أن تتكرر دون سابق إنذار في أي عاصمة غربية وقد امتدت بالفعل إلى بلجيكا وألمانيا.. فوقود تلك الحرائق مدفون هناك وقابل للاشتعال بدرجات متفاوتة من عاصمة إلى أخرى.. إنه يتمثل في كلمة واحدة هي الظلم ، بكل ما تعني الكلمة.
وللأسف الشديد فإن هذا الظلم، تم تفصيله وتصنيعه وجعله سيفا مصلتا على رقاب طائفة واحدة هناك هي المهاجرين، ومعظمهم بالطبع مسلمون فروا من بلادهم هربًا من جبروت الأنظمة الفاشية التي صنعها الاستعمار الغربي لتكون وكيلًا له، أو فرارًا من سياط الفاقة التي خلفها الاستعمار وكرستها سياسات الدول الكبرى عبر صندوق الضغط الدولي النقد، وغيره من صناديق الضغط.
في البدء كانت سياسات قوى الاستعمار العالمي منذ الحرب العالمية الأولى وما تلاها هو رسم خط بياني للدول الإسلامية لا يتعدى أبدا خط الفقر.. ثم صناعة حكومات وحكام لحراسة منظومة المخططات الغربية في بلادنا مقابل أن ينفرد الحكام والحكومات بالسلطة والثروة والسلطان، ففر الناس بأبدانهم الجائعة ودينهم المضطهد إلى بلاد الحرية والنور والديمقراطية ليعمروها ويعملوا بها أدنى الأعمال نظير تنسم عبير حريتهم وحفظ هويتهم، فإذا بحرب حقيقية ومنظمة تشن عليهم خاصة بعد تفجيرات ١١ سبتمبر.
وقد أخذت تلك الحرب صورًا متعددة يكمل بعضها بعضًا... تشويه إعلامي مكثف للإسلام ذاته ولنبيه ﷺ.. ودمع كل مسلم بالإرهاب حتى أصبحت أية امرأة محجبة أو رجل ذو ملامح عربية أو إفريقية علامة مسجلة في المجتمع اسمها الإرهاب.. وتضييق أمني يواجهه المسلم وحده في المطارات وفي الشوارع وفي المصالح والمؤسسات.. ومطاردة قانونية لا تقل دكتاتورية عما يجري في البلاد التي يطالبون بإصلاحها سياسيًا وديمقراطيًا... مثل قانون حظر الحجاب في فرنسا.. وقانون الأدلة السرية في أمريكا وغيرهما.
وهكذا أصبح المهاجرون - ومعظمهم من المسلمين - يواجهون عملية انتقام يومي بلا ذنب أو جريرة من الإعلام.. والشرطة والقانون والمجتمع، رغم أنهم مواطنون المفروض أن لهم كامل حقوق المواطنة.. وذلك هو الظلم، بعينه الذي يفجر بركان الغضب.
هذا الظلم الذي جسده وزير الداخلية الفرنسي ساركوزي بوصفه الغاضبين بـ الأوباش، وهي لفظة شهيرة تطلق في المجتمع الفرنسي على المهاجرين من العرب والأفارقة.. وأضاف عليها ساركوزي مؤخرا وصفه لهم بـ «الأنذال»..
وهو ما حدا بـ خوسيه بوفييه، مناهض العولمة الفرنسي الشهير لمطالبة وزير الداخلية الفرنسي بالاعتذار عن هذه العبارات، وقال: «إنها مشكلة اجتماعية تمتد جذورها إلى عدة عقود نتيجة للسياسات الاجتماعية الفاشلة للنهوض بالأحياء الفقيرة».
وهذا الظلم.. ينتقده كثيرون في المجتمع الفرنسي وأبرزهم نجم التلفزيون الفرنسي إيف لوكوك بقوله لم يعد مقبولا وطء كرامة الآخرين وعدم احترام ديانتاتهم وخصوصًا الديانة الإسلامية التي أصبحت هدفا لهجوم بلا هوادة من الغرب ومن الأفضل معالجة المسألة بالاستماع للجالية المسلمة وتوفير مقومات العيش الجيد...
وهذا الظلم... عبر عنه رئيس وزارء تركيا رجب طيب بالقول إن القانون الذي يحظر على الفتيات المسلمات ارتداء الحجاب في المدارس أدى إلى إحساس المهاجرين بالتهميش وأجج العنف، مؤكدا أن هذه الأحداث تثبت حاجة أوروبا لمشروع تحالف الحضارات «صحيفة ميليت التركية ٧/١١/٢٠٠٥م». وهذا الظلم، اعترف به كل من رئيس الوزراء الفرنسي والرئيس الفرنسي في معرض تعليقهما على الأحداث هناك حاجة لاحترام الجميع وتحقيق العدالة الاجتماعية «شيراك».
الشاهد.. أن المسألة لم تعد منحصرة في تهدئة ثورة الغاضبين عبر القانون أو الشرطة أو الحوار، وإنما الحاجة الماسة لنزع كل فتائل الغضب بوقف الحرب الإعلامية والقانونية والأمنية والاجتماعية على المهاجرين.. فكفى ظلمًا.
لكني لا أعتقد أن شيئا من ذلك سيحدث بسهولة.. فهناك تيار قوي يعمل على نزح المهاجرين من الغرب إلى بلادهم فهؤلاء المهاجرون ومعظمهم مسلمون في نظر هذا التيار هم المؤهلون مستقبلا لوراثة أوروبا.. لأن نموهم السكاني يتزايد بصورة كبيرة في مقابل تناقص النمو السكاني بين الأوروبيين. ففكرة الأسرة والحفاظ عليها لم تعد مهمة في نظر كثير من الأوروبيين.. حياة خارج الزواج.. أسر مفككة وقليلة العدد.. لذا فهم في تناقص.. وتعداد المهاجرين يتزايد وهم المؤهلون لملء الفضاء الفارغ في المستقبل. ولهذا يحاولون ، نزحهم، وإعادتهم إلى بلادهم مرة أخرى.. ويضغطون - أيضًا - على دول العالم الثالث وخاصة العربية بتحقيق إصلاحات سياسية وإنهاء حالة الاحتقان الموجودة حتى لا تظل بلدانهم طاردة المهاجرين جدد يفرون من الكبت وحكم الفرد، وحتى يقتنع المهاجرون الموجودون بفكرة العودة إلى بلادهم مرة أخرى.
إن أوروبا وأمريكا لن تكفا عن محاولات التخلص من غالبية المسلمين المهاجرين لأنهم يمثلون لديهما استعمارًا سلميًا سيرث الأرض والدولة... بسلاح واحد هو السلاح الديمجرافي الذي يتزايد قوة يوما بعد يوم...
إنها تدابير القدر.. نسلهم يتناقص.. ونسلنا يتزايد..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل