; إحياء فقه الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

مشاهدات 202

نشر في العدد 843

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 17-نوفمبر-1987

محمد أحمد الراشد أحد أبرز كُتَّاب «المجتمع» في المجال الدعوي والحركي والتربوي في مرحلة السبعينيات ولقد صدرت كتاباته في مؤلفات متعددة تحمل العناوين «المنطلق» و«العوائق» و«البوارق» و«الرقائق».. يعود الكاتب إلينا من جديد بقلمه الرصين وأسلوبه الرفيع وذلك في سلسلة مقالات جديدة تحت عنوان «إحياء فقه الدعوة».

والكاتب ذو تجربة إسلامية كبيرة ومتعددة فضلًا على أنه ذو ثقافة واسعة وعميقة.. ويسعد مجلة المجتمع أن تجتذب الكاتب من جديد لتقدم سلسلته الجديدة «إحياء فقه الدعوة».

أسرة التحرير

تتوزع تصرفات الدعوة الإسلامية في سياسات ثلاث:

السياسة الخارجية المحددة لطبائع علاقات الدعوة بالسلطات والأحزاب والجماعات الأخرى، وتنوع مواقفها ما بين حرب وهدنة وحلف وإعانة واستعانة.

والسياسة الداخلية المنظمة لشكل البنية الإدارية والمقررة.

والسياسة التربوية التي تختار طرق تعليم الدعاة ومدهم بأنواع الثقافات، وكيفية تهذيبهم أخلاقيًا وإكسابهم الصفات الإيمانية.

حقوق وواجبات الدعاة

والمفروض أن تتم توعية الدعاة في هذه السياسات الثلاث كلها لتحوز نموذج الداعية المؤمن، الفقيه المربي المتقن، المنسق، العادل، المحتاط، اليقظ لاستغلال الفرص، المستتر عن رمية الأعداء.

وتمثل هذه الجهود في التوعية جانبًا من أهم الجوانب التي تتصدى لها الدعوة، وكل نجاح تبذله في توعية الدعاة يفتح أمامها مزيدًا من أبواب الآمال.

وقد رصدت سلسلة «إحياء فقه الدعوة» نفسها للمشاركة في هذه النوعية، متعمدة أساليب التحليل، مستشهدة بالتجارب الوافرة، مقتفية آثار الإفتاء الفقهي، أصيله القديم، ومكمله الحديث.

سياسة العبادة

إن الطالب لفقه الدعوة سرعان ما يدرك أن التخطيط الإسلامي له سمت خاص يختلف عما عند الأحزاب العلمانية، يتمثل في الاقتران الكامل بين التربية الإيمانية الأخلاقية والتوغل السياسي.

إن الخطة في مفهوم الدعوة الإسلامية ليست هي خطة سياسية مجردة، ولا يكفي فيها العطاء التربوي الذي تتيحه للداعية مواقفه السياسية، بل يجب أن تسبق التدخل السياسي مرحلة تأسيسية مخصصة للتربية والبناء الإداري ثم تظل التربية من بعد وتستمر مواكبة للانفتاح العملي والصراع السياسي، ويكون عطاء المواقف ظهيرًا لها ومؤكدًا.

إن تاريخ الحركة يشير إلى أن الجهود التربوية تضمن سلامة العمل وبعده عن الانحراف، وتساعد على انتفاء الفتن ومعالجة الفتور فوق كونها من الإرشادات الشرعية وأنها هي السنة العملية التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم في تكوين أصحابه وتأسيس دولة الإسلام.

وإنما تعنيها بشمولها هذه التربية، فكما أن الممارسة الجماعية والتدريبات العملية وانتصاب القدوات تعتبر جوانب مهمة فيها، فإن العيش في المساجد وتلاوة القرآن الكريم ومجالس دراسة الحديث النبوي الشريف ومطالعة كتب التذكير وسماع الوعظ والتلقين تعتبر جوانب أخرى تماثلها في الأهمية أيضًا، أو تمد لها وتعين على دوام تأثيرها.

هكذا هو الخط الوسط والمقدار الصحيح، وإنما يغفل عنه اثنان:

جافل من سذاجة دعاة يعرفون عن التدخل السياسي ويبالغون في التربية القاعدة الجامدة، فيخرج إلى تطرف ينكر معه أصل التربية كله، ويقذف لسانه في غمرة الحماسة ألفاظًا غير موزونة.

وجافل من دعاة يستعجلون وضع أنفسهم في محيط السياسة، ويقربون من التهور، فيخرج إلى تطرف مقابل يتحول به إلى مجرد زاهد عابد.

والصواب ليس مع أحد من هذين، بل هو كامن في الشمول، والتدرج، والاقتران الدائم خلال كل المسار بين التربية والتدخل السياسي.

السمت الفذ

وسبب ذلك أن التخطيط للدعوة ليس کكل الخطط، وإن لعملنا طبيعة فذة يهبها الإيمان له تجعل مجهودنا يستمد قابلية تأثيره من ميزات ثلاث:

الميزة الأولى: قدرة الصلاح الحاسمة: فإن التخطيط يجب ألا يعتمد في انتظار النصر على حجم حشده وقوته فقط، بل أن تجعل مقدار الصلاح الذي نحوزه عاملًا أساسيًا، وكلما شاعت الأخلاق الإيمانية الفاضلة فينا وزادت نسبة صفاء القلب وكثر الاستغفار وتوالت التوبة: كان التخطيط أقرب إلى النصر في التصور الإسلامي وأجدر بالوصول إلى غايتها.

والمروي في هذا المعنى عن السلف شيء متواتر، والمأثور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يوصي جنده بالتوبة قبل النزال، وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: «أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم» وكان الفضيل بن عياض يقول للمجاهدين إذا أرادوا أن يخرجوا: «عليكم بالتوبة، فإنها ترد عنكم ما لا ترده السيوف» وإنما نصارع أحزاب الإلحاد اليوم وحكومات الكفر بأعمالنا قبل أن نقاتلهم بفنوننا وشهاداتنا واختصاصاتنا وسلاحنا.

الميزة الثانية: انعكاس الاختيار الذاتي: فإننا نستطيع توجيه غيرنا متى نجحنا في توجيه أنفسنا نحن معاشر الدعاة، ولإمام مصر عبدالله بن وهب رحمه الله التفاتة حسنة إلى هذه الظاهرة، وكان يكثر أن يقول: «إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه».

هكذا هما وجهان متقابلان: شرط وعطاء، فالداعية محروم من التأثير في غيره ما لم يكن هو متأثرًا منصبغًا بما يدعو إليه كما أن تمثيله لحقائق دعوته وترجمته لمعاني إيمانه تهبانه قدرة تلقائية على شد المقابل إلى مساره والإحسان في تربيته.

إن المدعو إلى الله سيبني أفكاره وشخصيته ويحدد أنماط سلوكه مقلدًا للدعاة ومحاكيًا، وسيسرع فهم الدعوة إذا فهمناها قبله.

الميزة الثالثة: حركة أصداء الورع: فإن الداعية إذا ألزم نفسه بالورع: كانت لورعه أصداء يحدث تكررها وترددها تحريكًا للناس ويوضح ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيى بن معاذ من أنك «على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق» وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا التجميعي منوط بإقبالنا عليه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله، ومن أقبل بقلبه على الله تعالى.. أقبل بقلوب العباد إليه.

إن الدعاة كثيرًا ما يشكون عزوف الناس عنهم والتهاءهم بشكليات عادية يجدونها عند الأحزاب الأخرى، وبالغث لا بالسمين وباللغو لا بالعلم، وما من شك في أن هذه الظاهرة هي من الجهالة التي قوبل بها الأنبياء عليهم السلام وبعض المصلحين، وإنها صفة متوقعة من البشر، وإنها من علامات اقتراب الساعة ولكن يبدو أن صدود الناس هذه الأيام قد فاق كل صدود سابق، وأن جهالة الناس بلغت حضيضًا واطئًا، وأصبح أمر الإصلاح عسيرًا فلا بد أن يتصدى المكثر الراكض، الفائز ذو الحرارة.

إن للتقوى آثار تشغيل، وبمقدار جديتنا يكون الناس جديين، ولنا شاهد دائم في أنفسنا، فإننا نتفاوت بين يوم ويوم، وإيماننا يزيد وينقص فإذا كنا حينًا في إيمان جيد، رأينا إقبال الناس علينا، وإذا كان فينا جزر إيماني وقسوة قلب في حين آخر، رأينا قلة جدوى نشاطنا، مع كثرة عدونا ورواحنا، وكل منا قد تعاقبت عليه مثل هذه الأحوال ولمس بنفسه اختلاف مواقف الناس منه، وضوابط إنتاج الحركة تعتمد في كثير من جوانبها على ضوابط إنتاج الفرد.

صمت المليء

إن هذه الميزات الثلاث تقترن بطابع مهم يطبع التخطيط الإسلامي يمكن أن يسمى: كفاية تعبير الحقيقة، ويكشف عنه قول لأحد السلف كان يلاحظ أنه «ما ادعى أحد قط إلا لخلوه عن الحقائق، ولو تحقق في شيء لنطقت عنه الحقيقة، وأغنته عن الدعوى».

فكما أن الفرد إذا امتلأ: سكت، ونطق عنه حاله، ولم تكن به حاجة إلى دعاية لنفسه، فكذلك جماعة المؤمنين، إذا اتصفت بما تدعو إليه وأثبتت وأحكمت صفوفها، ووفرت أسباب القوة أغنتها هذه الحقائق عن الدعوى والمقال، وكان فعلها مغنيًا لها عن الوصف أو التهديد ولست ترى جماعة كثيرة الكلام إلا كان كلامها دليلًا على ضعف رصيدها العملي.

إنها حقائق معبرة تتمثل في كل جزء من مفردات الأخلاق تحوزه، وفي كل لبنة من البناء الإداري، وفي كل فن من فنون التخصص والخبرة العملية وتعبيرها يكفي ويغني، وإنما يطيل اللسان ويذكر الأمنيات من لا يملك الشيء، وأما من يملك فإن ملكه يفصح عنه، والناس تشعر بالقوة الحقيقية تلقائيًا ويأسرها النظر وتتبع الأثر.

رجال يترجمون المقال

ولو أن الدعاة كان منهم انكباب على فقه الدعوة، يتدارسونه ويكتشفونه من مظانه العلمية والتجريبية لكان خيرًا لهم من الادعاء والضوضاء، والذي هو أكثر خيرًا وأوجب أن يوجد في كل حاضرة من حواضر الإسلام دعاة أهل نزوع إلى الجد، يترجمون بصمت ما في ثنايا فقه الدعوة من اقتراحات إلى ارتباطات وعلاقات وخطط واقعية.

ولابد أن نعلم أن هناك احتمالًا دائمًا ينذر بخطر تحول هذه المعاني إلى مادة تسلية لبعض من يلفهم الفراغ من المنتسبين للدعوة، فيحدوهم الترف إلى حوار متكرر حولها أشبه بالجدل الذي لا يقترن بتطبيق، فيكثر الكلام ويقل العمل، في عزلة عن حركة المجتمع، أو يميلون إلى التبجح والإعلان، إذ السباق الخفي ماض.

كما أن همم البعض قد تقصر، فيرى بعض الذي ذهبنا إليه أحلامًا، وإنها لكذلك عند من لم يصعد عزمه إلى مستوى الأحداث، ولكننا ندري من أنفسنا إننا لم نجنح لخيال أو هذر، ولم نوجب ما هو فوق طاقة البشر، وأن الذي أتينا به ليس هو غير استجابة لنداء الواقع.

إنها أفكار واقتراحات موضوعة للعزائم العالية دون الهابطة، وللقلوب الحرة لا القلوب الواجفة، ولطلاب الآخرة لا للمخلطين، في إشارات منع رصد العدو عنها الصراحة ولكن يفهمها من لذعت مآسي المسلمين قلبه.

يكفي اللبيب إشارة مكتومة

وسواه يدعى بالنداء العالي

وماذا يفيد تكديس كراريس تروي تجارب الدعوة إن لمن يتلقها عزم وتحتفل بها همة تستدرك وتعوض؟

إذا المرء لم تبدهك بالحزم كله

قريحته: لم تغن عنك تجاربه

وإذا الداعية لم تكن فيه مبادرة ولم يكن منه بذل: لم ينفعه أن نقص عليه القصص، أو نقتبس له الخطط.

على أن من الضرورة بمكان أن ينتبه كل داعية إلى أن هذه السلسلة تحاول أن ترسم الصورة النموذجية لعمل الدعوة وتقلبها في المراحل.

الرابط المختصر :