; خرّيج ميدان الحرية! | مجلة المجتمع

العنوان خرّيج ميدان الحرية!

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1942

نشر في الصفحة 36

السبت 05-مارس-2011

لي صديق دائم الاتصال بي، وكثير الشكوى من ابنه، كنت أشفق عليه من تصرفات ابنه التي كان يحكيها لي، والتي كادت تخرج الرجل عن شعوره وجادة صوابه. 

كان مما شكاه هذا الأب المكلوم المحزون، أن ابنه ظل متميزًا في دراسته إلى أن وصل إلى الصف الحادي عشر، وهنالك لاحظ عليه تغيرات سلوكية, فيما يلي بعض هذه السلوكيات.

تغيب الابن عن مدرسته:

يقول الأب: كثيرًا ما كان يتصل بي الاختصاصي الاجتماعي ليسألني عن ابني؛ لأنه لم يحضر المدرسة، فكنت أستأذن من عملي لأبحث عن فلذة كبدي، وأتصل به هاتفيا، فيكذب علي ويخبرني بأنه بالمدرسة ثم اكتشف أنه يهيم في الشوارع مع الفاشلين ورفاق السوء! 

لقد سبب لي ابني مشكلات في العمل وكادت فرصة العمل التي يرزقني ربي بسببها أن تضيع مني، لاضطرابي في الأداء، وكثرة تغيبي بحثًا عن ابني، وبسبب زياراتي له بالمدرسة، سواء بمبادرة مني أم بدعوة من إدارة المدرسة.

قصة الشعر:

ومن شكاوى الأب، أن ابنه يقص شعره قصة غريبة، لا تعكس القيم الإسلامية وتضع الوالد في حرج أمام رفاقه، وخاصة أنه أب ملتزم بالإسلام.

انخفاض معدل الدرجات:

يقول الأب: ظل ابني متفوقًا في دراسته إلى أن أنهى دراسته في الصف العاشر، وكان يحقق معدلا لا يقل عن ٩٨%، ومع بداية دراسته بالصف الحادي عشر تدهور مستواه وانخفض إلى ما تحت ٩٠%، على الرغم من أنني وفرت له كل الإمكانات، وأذلل له كل الصعاب، لكنه كان لا يقدر ذلك، ولا أرى ثمرة لتضحياتي وعطاءاتي!

كأني أكلم حجرًا !!

وتابع الأب شكواه قائلًا: مما يزيد من غيظي، أن ابني لديه مبالاة غير عادية، ولا يتحمل أي مسؤولية، ولم يجد معه نصح ولا إرشاد، ولا توجيه ولا تصويب، كأني أكلم حجرا !!

آفة التدخين:

لم يكن يخطر ببالي أبدًا أن يكون ابني من المدخنين، فقد شككت في ذلك عندما شممت رائحة السجائر تنبعث من ملابسه وفمه عندما كان يقترب مني، وكنت أرفض قبول الفكرة، وأحاول إقناع نفسي ببراءته من هذا البلاء، ولكن كانت المأساة عندما تأكدت من ذلك، ورأيت علبة السجائر معه، وشاهدته بعيني يدخن وسط أصحابه، فعنفته وهو متلبس بالتدخين وسط أصحابه؛ والعجيب أنه بدلا من أن يخجل من نفسه، كان رد فعله قاسيًا علي أمام أصحابه، فلا أدري, هل أنا أخطأت أم أنه هو المخطئ؟!

النوم بلا حدود

واصل الأب شكاواه فقال: عندما أستعيد شريط ذكريات حياتي أجد الفرق شاسعًا بين حياتنا وحياة أولادنا، فلقد كدت في كثير من الأوقات أن أخرج عن هدوئي وشعوري من كثرة تعليماتي وتوجيهاتي لابني بضرورة النوم باكرًا والاستيقاظ كذلك دون جدوى، لقد قلب ليله نهارًا ونهاره ليلًا، وكان ينام ساعات طويلة من النهار، ومن ثم كان غالبًا ما يتأخر عن دراسته ودروسه ومن كثرة نصحي له وعدم استجابته أحسست بفشلي وشعرت بأنه لم يعد للإصلاح طريق، وأصابني اليأس للأسف الشديد.

تجربة عمل:

ألح ابني علي بعد أن التحق بالجامعة, هكذا قال الأب الموجع كي يعمل مع بعض أصدقائه مندوب مبيعات في شركة عطور، فلم أوافق في بداية الأمر خشية أن يشغله ذلك عن دراسته، وعلى الرغم من ذلك، نفذ رغبته على غير إرادتي، وعمل مع أصحابه نظير مقابل زهيد، حتى كان يرجع إلى البيت في وقت متأخر، وكلما نبهته إلى خطورة ذلك على دراسته، بل وعلى حياته برمتها؛ كان يعارضني بشدة، بل كان أحيانا يتكلم معي بأسلوب غير لائق، وأشهد أن فعله ذلك كان رد فعل لشدتي معه.

عمل ابني شهورًا ولم يتقاضى إلا راتب شهر واحد، وانتهت هذه التجربة بأضرار جسيمة انعكست على دراسته وأخلاقياته، وساءت العلاقة بيني وبينه أيما إساءة! ثم عاد ابني وألح علي في أن أدبر له فرصة عمل أخرى لدى بعض معارفي، وتحت إلحاحه وضغطه وافقت؛ مؤملا في أن ذلك قد يعوده الانضباط وتحمل المسؤولية وتقدير قيمة الحياة، وبالفعل دبرت له فرصة عمل لدى أحد أصدقائي، ولكنه سرعان ما عاد بعد ذلك الأسبوع لعادات النوم والتأخر عن العمل واللامبالاة، حتى كانوا  في الشركة التي يعمل بها يتصلون به كل يوم لاستدعائه إلى العمل بعد أن أفشل أنا ووالدته في إيقاظه من النوم؛ بسبب سهره الشديد مع أصحابه في الشارع والمقهى !! مما سبب لي حرجًا شديدًا مع صديقي مدير عمله !!

وابل من المشكلات الأخرى:

قال لي صديقي الأب ذات مرة: لو أنني أردت أن أحصي ما سببه لي ابني من مشكلات وإزعاج لما كفتني المجلدات، ومن أسوأ هذه المشكلات دخول ابني على بعض المواقع الإباحية ومهاتفته لإحدى البنات عن طريق الهاتف النقال، وبكل أسف اكتشفت أن أم هذه البنت تيسر له ولابنتها لقاءات تحت عينها وفي غيابها، ولقد عثرت على مراسلات كثيرة بين ابني وبين هذه البنت على هاتفه، بل كان يجلس معنا دقائق معدودات وذهنه في البنت ولا تكاد أنامله تفارق هاتفه يرسل الرسائل ويستقبلها، فإذا ما دخل الليل وأتى متأخرًا إلى البيت ظل يحادث البنت عبر الإنترنت أو الهاتف دون حساب وبلا حدود، والعجيب أنني كلما كنت أقسو عليه یزداد عنادًا وإصرارًا !!

ابني في المخفر

ذات ليلة تأخر ابني حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وإذا بصديقه يهاتفنا ابنكم الآن في المخفر وبرغم ما أوجده ذلك من توتر في علاقتي به؛ اتصلت بمعارفي وتحركت، وفي الوقت ذاته أتمزق حزنا وحسرة على حال ابني وكانت ليلة مؤلمة ومكث ابني في المخفر ثلاثة أيام بلياليها !!

تعليق عام للأب الحزين:

يقول الرجل يا سيدي، هذا غيض من فيض، لقد قصصت عليك قليلًا مما عانيته من ابني وما أخفيه أضعاف أضعاف ما أحكيه ولا أنكر أنني في كل مرة كنت أقسو ولكن من باب شفقتي وحبي لذلك كنت أبكي كثيرًا بعد ذلك حزنا عليه ورأفة به.

ثمرة الصبر

عزيزي القارئ ما قصصته هنا من تصرفات الابن مع أبيه الحزين لم يرد في يوم واحد، وإنما هو عبارة عن سلسلة من الحلقات بثها لي صديقي الأب على مدار شهور كثيرة وكنت دائمًا أنصحه بالصبر وأبشره بالأمل وكان يستخف بكلامي، ولا يصدق أبدا أن يوما سيأتي على ابنه وقد الصلح حاله، لذا فقد اتصل على ليبشرني بالصلاح حال ابنه ترى, ما لحظة إيابه وعودته وإفاقته؟

لحظة الإفاقة وثمرة الثورة

يقول الأب: ما كاد ابني يسمع بثورة الشباب إلا وبادرني يستأذنني قائلا أبي ائذن لي أن أشارك رفاقي وأذهب إلى «ميدان التحرير» !!

يقول الأب: لا أخفي أن لحظتها خالطني شعور بالخوف عليه وشعور آخر بالفرحة به لأنه الآن لأول مرة ألاحظ أنه حدد هدفا في حياته، فقلت له: لقد سبقتني بذلك، ولسوف أشاركك هذا الشرف وذهبت مع ابني.

والآن, أؤكد أن ابني خرج من ميدان الحرية شخصًا جديدًا، لقد تغيرت شخصيته, رأى رفاقه يوزعون الطعام فشاركهم، كما شاركهم في مساعدة المحتاج وتنظيف الميدان, حقًا لقد كان ميدان الحرية مدرسة تربوية، أذكت في نفس ابني ونفوسنا جميعًا قيمًا عظيمة، من أبرزها حب الوطن والانتماء وحب الناس، والتعاون والتضحية والعطاء والوفاء واحترام الذات والحرية وحب الشهادة والتجرد والثبات والعمل والشرف والإيجابية والشجاعة ومواجهة الباطل، وانتصار على الخذلان والفشل, وأشهد أن ابني قد تغير تغيرًا جذريًا وكليًا في كل حياته وعباداته وعلاقاته بربه ونفسه والآخرين.

قال لي صديقي: أهم ما تعلمته من نصحك كلمة لا أزال أتذكرها ولن أنساها أبدًا وهى: «لا تخش الفشل».

فقلت لصديقي: إن الذي يخشى الفشل ويبالغ في ذلك تكون فرصته كبيرة في الفشل والإحباط، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى على لسان يعقوب عليه السلام لأبنائه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ  (يوسف: 87).

ومن أقوال «جاردينر» في ذلك: «إننا ندفع ثمنًا غاليًا من جراء خوفنا من الفشل إنه عائق كبير للتطور، يعمل على تضييق أفق الشخصية ويحد من الاستكشاف والتجريب فلا توجد معرفة تخلو من صعوبة، ولا توجد تجربة تخلو من الخطأ والصواب، وإذا أردت الاستمرار في المعرفة فعليك أن تكون مستعدًا طوال حياتك لمواجهة خطورة الفشل».

والى هذا الأب وكل الآباء أقول:

أولادنا بعض منا وبضع منا وحبنا لهم إنما هو حب من نوع خاص، هم أكبادنا التي تمشي على الأرض، نفرح لفرحهم ونتألم لألمهم، فها هو نبي الله يعقوب عليه السلام يبكي حزنا على فراق ولده يوسف، حتى وصف  الكريم حالته بقوله تعالى:﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ (يوسف: 84).

تلك رسالة للآباء، إنها رسالة تؤكد أن الأب قد يُبتلى في ولده، سواء أكان صالحا أم طالحا وهنالك لا حل إلا أن نصبر ونأخذ بأسباب الإصلاح في رفق ولين مع استمرارنا في الدعاء.

إن كثيرا من الآباء يحرصون على أن يحرز أبناؤهم نجاحات في الدنيا، ولكنهم لا يدركون الطريق إلى ذلك، ولا يبذلون شيئا لإفلاح أولادهم في الآخرة !! وحسب هؤلاء أن يرجعوا لنصح لقمان وهو يعظ ابنه, فحرى بالآباء والأبناء معًا أن يترسموا منهج لقمان الذي وضحت معالمه في القرآن الكريم بقوله تعالى على لسان لقمان: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان: 13-14) إلى أن قال: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: 17-19).

ولله در الشاعر إذ يقول:

لولا بنيات كزغب القطا                    خططن من بعض إلى بعض

لكان لي مضطرب واسع                  في الأرض ذات الطول والعرض

وإنما أولادنا بيننا                             أكبادنا تمشي على الأرض

إن هبت الريح على بعضهم              لم تشبع العين من الغمض

 


 

 

الرابط المختصر :