العنوان حكومة العالم الخفية الجديدة ومشروع الصياغة الصهيونية للوطن العربي.. «دافوس». وانتهاز الفرص الضائعة!
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005
مشاهدات 60
نشر في العدد 1653
نشر في الصفحة 30
السبت 28-مايو-2005
· نقيب المهندسين الأردنيين: دافوس ليس أكثر من فرصة لالتقاء الاقتصاديين الصهاينة بأباطرة الاقتصاد وعقد الصفقات الرابحة
· ذكرى اغتصاب فلسطين وفضيحة سجن «أبو غريب» ألقتا بظلالهما على دافوس
• المنتدى أصبح يلعب دورًا مركزيًا في عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني
· انعقاده على شواطئ البحر الميت لإبعاده عن مظاهرات الاحتجاج
· المواطن الأردني يجد صعوبة كبيرة في إقناع نفسه بأهمية تلك المنتديات
للعام الثالث على التوالي وعلى ضفاف البحر الميت -أكثر نقاط الدنيا انخفاضًا- انتقل المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس من سويسرا إلى قلب الشرق الأوسط. المنتدى الذي يختار أعضاءه من بين رؤساء مجالس ألف شركة كبرى في العالم. لا يملك صلاحيات ملزمة، ويقتصر دوره على إصدار التوصيات، إلا أنه بات في نظر كثيرين الأداة الأكثر فاعلية في فرض العولمة بأشكالها المختلفة، وهذا ما دفع بعض الوزراء للقول بأن دافوس ۲۰۰۰ في سويسرا صنع جدول الأعمال للقرار العالمي بعيدًا عن الاحتجاجات!
وعلى الرغم من تأثيره الكبير في الاقتصاد العالمي ظل منتدى دافوس بعيدًا عن دائرة الاهتمام الإعلامي الدولي، ولعل ما لفت الانتباه إليه وسلّط عليه الأضواء المظاهرات الصاخبة التي نظمها معارضو العولمة عام ۲۰۰۱ احتجاجًا على انعقاد المنتدى والتي دفعت منظمي المنتدى إلى نقله للمرة الأولى خارج منتجع دافوس في سويسرا: حيث انعقد عام ۲۰٠٢ في نيويورك. وكان التفسير الذي طرحه المنظمون آنذاك رغبتهم في التضامن مع المدينة بعد الهجمات التي تعرضت لها في ١١ سبتمبر ۲۰۰۱. لكن معارضي العولمة قالوا إن السبب الحقيقي وراء نقل المنتدى هو الإجراءات الأمنية المشددة التي خضعت لها نيويورك بعد أحداث 11 سبتمبر والتي من شأنها تبرير منع احتجاجات مماثلة لما جرى في دافوس ۲۰۰۱.
هذا المبرر ذاته طرحه معارضو العولمة لتفسير نقل المنتدى لثلاث سنوات متتالية إلى شواطئ البحر الميت في الأردن، مؤكدين أن الهدف هو إبعاد المنتدى عن مظاهر الاحتجاج التي تظهره كواحدة من أهم مؤسسات العولمة والهيمنة الاقتصادية للأغنياء على اقتصادات العالم!.
ولعل هذا ما يفسر حرص الحكومة الأردنية على انعقاد المنتدى دون أي صخب أو ضجيج إعلامي معارض وبعد أن وافقت وزارة الداخلية الأردنية رسميًا على طلب الأحزاب المعارضة والنقابات المهنية الأردنية بعقد ملتقى وطني معارض في أحد فنادق عمان بالتوازي مع اجتماعات منتدى دافوس على شواطئ البحر الميت عادت الوزارة وألغت كتاب الموافقة السابق وطلبت من منظمي الملتقى تأجيل انعقاده إلى ما بعد انتهاء أعمال منتدى دافوس وبرر وزير الداخلية الأردني عوني برفاس هذا القرار برغبة الحكومة عدم حصول أي تشويش على المنتدى يلفت اهتمام وسائل الإعلام عنه.
لكن هذا التبرير أثار حفيظة منظمي الملتقى المعارض الذين قرروا نقل مكان انعقاده إلى مقر حزب جبهة العمل الإسلامي، حيث لا يشترط قانون الاجتماعات العامة الحصول على ترخيص للنشاطات التي تعقد داخل مقار الأحزاب.
السبب الثاني لاختيار الأردن موقعًا لعقد المؤتمر، يتعلق بموقعه الجغرافي والسياسي بين فلسطين غربًا والعراق شرقًا، كما أن الأردن و«إسرائيل» يقتسمان شواطئ البحر الميت، ومن شأن طرح مشروعات تعاون إقليمية أن تشجع عملية التسوية والتطبيع في المنطقة، أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن حمزة منصور قال: إن الحرص على عقد المنتدى في هذا الجزء من العالم نابع من الرغبة في دمج الكيان الصهيوني في المنطقة وإخراجه من عزلته السياسية والاقتصادية.
لماذا البحر الميت؟
أما نقيب المهندسين الأردنيين وائل السقا فتساءل: لماذا البحر الميت؟ هل هو الثقل الاقتصادي الأردني العالمي أم هي أهداف أخرى؟ هل هو للعبور المنتظر للشركات العالمية إلى المنطقة العربية عبر الشريك الصهيوني؟ وأجاب السقا: «دافوس ليس أكثر من فرصة لالتقاء الاقتصاديين الصهاينة بأباطرة الاقتصاد العالمي والعربي وعقد الصفقات التي تحصل فيها الشركات الصهيونية على أعلى الأرباح».
وقد أشار موقع منتدى دافوس على الإنترنت صراحة إلى أن عقد المنتدى في الأردن مرده أن الأردن يتمتع بعلاقات ودية مع كل جيرانه، في الوقت الذي يجوز فيه على معاهدة سلام مع الكيان الصهيوني، لذلك فإنه يشكل مكانًا ممتازًا لبدء حوار يهدف لإعادة تعريف القيم التي نتقاسمها ولكي تخلق معًا استراتيجية لجعل العالم أكثر أمانًا.
من دافوس 1 إلى دافوس 3..
لقد عقد منتدى دافوس للمرة الأولى على شواطئ البحر الميت في ٢١/٦/٢٠٠٣ تحت شعار «قمة المصالحة العالمية». وقد قال منظموه إنهم يرغبون في استحضار روح دافوس إلى الشرق الأوسط خلال فترة يشوبها التوتر الدولي من أجل إحلال التعاون مكان المواجهة، ودعا المنتدى إلى إقامة علاقات طبيعية بين الصهاينة ودول الجوار، وإلى تنفيذ مشاريع إقليمية مشتركة. وأضاف منظمو المنتدى: إن انعقاده في الأردن جاء لإعطاء الزخم للقاءات شرم الشيخ والعقبة، مؤكدين أن المنتدى أصبح يلعب دورًا مركزيًا في تقدم عملية السلام. ومن أهم المشاريع الإقليمية المشتركة التي تم إقرارها في هذا المنتدى مشروع قناة البحرين بين البحر الأحمر والبحر الميت والذي اتفقت كل من الأردن والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية قبل أيام على مباشرة إعداد دراسة جدوى له.
وفي ١٥/٥/٢٠٠٤ انعقد منتدى دافوس للمرة الثانية على شواطئ البحر الميت أيضًا تحت شعار «رؤى لمستقبل مشترك»، وقال منظموه إنه ينعقد من أجل مواجهة التحديات الحقيقية والمشاركة من أجل التغيير والسلام والتنمية. وقد ألقى تزامن المنتدى مع ذكرى اغتصاب فلسطين وفضائح سجن «أبو غريب» ظلالًا سلبية على اجتماعاته.
وتحت شعار انتهاز الفرصة انعقد منتدى دافوس الثالث والأخير في ٢٠/٥/ ٢٠٠٥ بحضور نحو ۱۲۰۰ شخصية من كافة أنحاء العالم. وإضافة إلى المشاريع الاقتصادية ناقش العديد من القضايا السياسية والاجتماعية كالتعليم وتعزيز مشاركة المرأة، وحظيت قضية الإصلاح السياسي والاقتصادي باهتمام خاص من قبل المشاركين في أعماله، وتحدث منظمو المنتدى عن أن رياح التغيير تهب على المنطقة.
ومن العناوين المثيرة لمحاضرات دافوس الأخير في البحر الميت «الطبيعة أم الله؟» و«الاستنساخ» و«الإسلام السياسي» و«الحكومة الخفية».
ورغم ما تروجه الأوساط الرسمية الأردنية من انعكاسات إيجابية مهمة لانعقاد منتديات دافوس في الأردن وتأكيدها أنه يعمل على جذب المستثمرين والمشاريع الاقتصادية فإن المواطن الأردني يجد صعوبة كبيرة في إقناع نفسه بأهمية تلك المنتديات. وفي هذا الصدد قال أمين عام حزب الجبهة حمزة منصور في الملتقى الذي انعقد بموازاة منتدى دافوس الأخير إن النتائج التي تحققت على الصعيد الوطني من خلال عقد المؤتمر مرتين قبل هذه الدورة لم يلمس منها المواطن شيئًا يذكر. فالمديونية ما زالت تراوح مكانها على الرغم من التوسع في الخصخصة وبيع المؤسسات الوطنية والزيادة المستمرة في فرض الضرائب والفقر والبطالة ما زالا يشكلان نسبة عالية حتى وفقًا للأرقام الرسمية.
محور الارتكاز
وكان الكيان الصهيوني محور الارتكاز في كافة المشاريع الإقليمية، ووفوده كانت من أكبر الوفود المشاركة في المنتدى وضمت عددًا كبيرًا من المسؤولين الحكوميين والأكاديميين ورجال الأعمال. أبرز الصهاينة المشاركين في دافوس ٢٠٠٥ رئيس الوزراء الأسبق وداعية السوق الشرق أوسطية الجديدة شمعون بيريز الذي لخص في منتدى دافوس ٢٠٠٠ في سويسرا بلغة تحمل كثيرًا من الاستعلاء والصلف نظرة الصهاينة للمنطقة وقال: الإسرائيليون لا يريدون أن يكونوا جزيرة ثرية ونظيفة وسط بحر من التلوث والفقر.
وفي المقابل تساءل نقيب المهندسين الأردنيين وائل السقا هل منتدى دافوس ضمير اجتماعي للاقتصاد العالمي أم هو ناد للمتخمين المتلذذين على دماء وعرق الكادحين واللاجئين وضحايا الأمراض والأوبئة والحروب والنزاعات؟ وأضاف: دافوس سواء اعتلى قمم جبال الألب أو استقر في قعر البحر الميت هو بمثابة حكومة العالم الخفية الجديدة التي بدأت منذ سنوات مشروع الصياغة الصهيونية للوطن العربي.