; (دروس من أحُدٍ) | مجلة المجتمع

العنوان (دروس من أحُدٍ)

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1975

مشاهدات 72

نشر في العدد 243

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 01-أبريل-1975

أحد جبل يحبنـــــــــا ونحبه. هكذا خلد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذا الجبل الأشم، أو قل هذا الصديق الأنيس.

        ومن أجل هذا نتعاطف معه

واليوم يتعاطف معنا.

كما نحس بالحنين نحوه يوم تزلزل وكان عليه الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان.

فناداه الحبيب اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهیدان. بجانب الشهداء السبعين هناك وعلى رأسهم سید الشهداء حمزة بن عبد المطلب، هؤلاء الشهداء الذين كانوا ثمرة مرة للمخالفة ورمزًا رفيعًا للصمود على مدى التاريخ.

البطل الرابع: قزمان حليف بني ظفر. فعن عاصم بن قتادة قال:

لما كان يوم أحد قاتل قزمان قتالًا شديدًا ويقال: إنه أول من رمى من جانب المسلمين بسهم في المعركة.

وكان يرمي النبال كأنها الرمال، ثم فعل بالسيف الأفاعيل وذكر أنه كان يكت كت الفحل وقد لقي المشركون منه الأهوال. وقد صرع ثلاثة من حملة لواء المشركين هم شريح بن قارظ، وأبو زيد عمرو بن عبد مناف البدري، وولد شرحبيل بن هاشم البدري. وعلى يده تمت إبادة حملة اللواء وقد قتل وحده قرابة عشرة من المشركين.

۲۲- بطل إلى النار: ولم تنته المعركة حتى آب كل واحد من الأربعة بظفر.

أما علي فهو أخو رسول الله وتقول بعض الروايات أن أحدًا ما انتهت إلا وقد سمع الناس هاتفًا يهتف ولا يرى يقول:

لا سيف إلا ذو الغفار 

ولا فتى إلا علي

وأما حمزة فقد فاز بلقب سید الشهداء، وأما أبو دجانة فقد كان صاحب سيف رسول الله.

وأما قزمان حليف بني ظفر فقد فاز بالنار. نعم بالنار. لأنه لم يكن صادق الإيمان ولأنه قاتل حفاظًا على العزة القومية ودفاعًا عن أرض الوطن.

يقول ابن الأثير في كتاب الكامل: إن قزمان هذا قد جرح جراحات كثيرة في المعركة يوم أحد فحمل إلى داره بالمدينة، وكان المسلمون يفدون عليه ويقولون: أبشر قزمان فيقول لهم: بم أبشر. إن قاتلت إلا عن أحساب قومي. وفي رواية أن قتادة رضي الله عنه قال لقزمان: هنيئا لك الشهادة يا أبا الفيداق. قال: إني والله يا أبا عمر ما قاتلت على دین. ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير إلينا قريش حتى تطأ أرضنا قالوا: ولما اشتدت على قزمان الجراحة مات منتحرًا. حيث أخذ سهمًا من کنانته فقطع به رواهشه فنزف منه الدم حتى مات. وهذا توكيد حاسم من الرسول القائد- صلوات الله عليه- لا يقبل الجدل إن الذي لا يقاتل في سبيل الله وحده ولو كان تحت راية محمد فهو من أهل النار. فقد سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله. فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. إن النص النبوي يؤكد أنه لا يكفي أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ليكون شهيدًا. بل لا بد أن يكون هدفه من الحرب إعلاء كلمة الله، وتطبيق شريعة الإسلام.

ومن حقنا أن نسأل بعد ذلك إذا كانت الحرب مع اليهود لتطبـيق شريعة الإسلام كما يدعي بعض الناس فلماذا لا يطبق الإسلام في الدول التي تحارب إسرائيل؟. بل ويحارب دعاته فيها؟

وإن كانت لاسترداد الأرض والحفاظ على أحساب القوم. فهم جنود قزمان لا جنود محمد بن عبد الله- صلوات الله عليه-.

۲۳- النصر المبين: واستطاع سبعمائة مقاتل أن يحققوا نصرًا ساحقًا على ثلاثة آلاف من المشركين ندع للأستاذ باشميل الحديث عنه: لقد كانت هزيمة قريش هزيمة منكرة إلى درجة أن الصنم الذي احتملته القيادة للتبرك به سقط من الجمل الذي كان يحمله، وتحطم تحت أقدام عابديه دون أن يفكر فيه أحد. لأن الهزيمة أنستهم كل شيء. وبلغت الهزيمة بالمشركين إلى أن جلوا عن معسكرهم تمامًا فاحتله المسلمون وأحاطوا بمن فيه من نساء المشركين. 

قال ابن سحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر. وكانت الهزيمة لا شك فيها. قال في السيرة الحلبية. ثم لما قتل أصحاب لواء المشركين واحدًا بعد واحد ولم يقدر أحد أن يدنو منه انهزم المشركون وولوا الأدبار بعد فرحهم وضربهم بالدفوف، وألقين الدفوف وقصدن الجبل كاشفات سيقانهن يرفعن ثيابهن. وتبع المسلمون المشركين يضعون فيهم السلاح وينهبون الغنائم.

٢٤- معصية وهزيمة: الرسول- صلى الله عليه وسلم- يوصي الرماة قائلًا: احموا لنا ظهورنا لا يأتونا من خلفنا وارشقوهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل. إنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. وفي خطابه الموجه لقائد الرماة قال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا. 

كما توضح بعض النصوص الأمر الصارم بهذه القضية فتقول على لسان الرسول القائد: إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم. وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتتل فلا تغيثونا ولا تدفعوا عنا. 

أمر صريح لا يقبل النقاش، ولا يقبل التأويل، ومغادرة الجبل معصية ظاهرة لا لبس فيها ولا شبهة ومع انتهاء المعركة بالنصر، لاحت الدنيا بلبوس الغنيمة، وتحلبت أشداق فريق من المؤمنين للدنيا، واستأذنوا قائدهم عبد الله بن جبير في ترك المواقع. فرفض السماح لهم بذلك، وذكرهم بأوامر الرسول في هذا الشأن أو الأذن ليس له طالما أن هناك أمرًا صادرًا من القائد الأعلى- عليـه الصلاة والسلام- بعدم المغادرة. وبين دافع الدنيا وشهوة الغنيمة، وبين الأمر الصريح بالثبات على الجبل. تغلبت عليهم الدنيا فتخلوا عن الجبل فألغوا الأمر الأعلى من النبي والأمر الأدنى من قائدهم ابن جبير.

ولم يدر هؤلاء الرماة الأربعون أن العقوبة ستنزل بالجيش كله نتيجة معصيتهم هم فقط. نفر قليل يعصي فيعاقب الجيش كله ويتعرض الرسول القائد للموت.

فإذا كانت الهزيمة ناشئة عن معصية أربعين فردًا أو أقل في خير مجتمعات الأرض. فكيف نطلب النصر اليوم ومجتمعاتنا غارقة بالإثم والغة بالمعاصي إلى الحضيض.

٢٥- المحنة القاسية. انقسم المؤمنون بعد الهجوم الصاعق من خلفهم إلى ثلاث فرق

الأولى: قررت متابعة القتال حتى الموت، ومثل هؤلاء أنس بن النضر الذي وجد به سبعون طعنة ولـم تعرفه إلا أخته ببنانه بعد أن شوه الطعن والدم كل معالمه وهو يهتف: إني لأرى الجنة دون أحد. 

الثانية: راحت تناقش التصرف المناسب في الجيش عقب إذاعة نبأ وفاة رسول الله وتتشاور في التصرف الواجب اتباعه لحماية الجيش وعلى رأس هؤلاء أبو بكر وعمر- رضوان الله عليهما-.

الثالثة: فرقة زعزعتها الصدمة وفرت إلى المدينة من هول المفاجأة.

 وأما معسكر المنافقين الذي برز عقب هذه الطامة فقد انقسم إلى فرقتين كذلك.

وقال بعضهم: لو كان نبيًا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول.

وقالت: ليت لنا رسولًا إلــــــى عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانًا من أبی سفیان. یا قوم إن محمدًا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم ويقتلوكم.

٢٦ـ  ثمن النصر: وكان من الممكن للنفاق أي يسود وينتهي الإسلام- ويصبح كأمس الدابر. لولا أن برز الإيمان ثابتًا كالضوء، أشد رهبة من الموت، وأعظم صلابة من الهول وعلى رأس الإيمان محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. فلقد أحيط بجدار بشري ثبت أمام كل عنف المشركين ورغبتهم في قتل محمد. لقد تمكن الشرك من أن يشج وجه رسول الله على يد عتبة بن أبي وقاص. في الوقت الذي كان أخوه سعد بن أبی وقاص يرمل بألف سهم ذودًا عن رسول الله وترمقه عين رسول الله قائلة: إرم سعد فداك أبى وأمي. وتمكن الشرك على يد أبي عامر الفاسق أن يرمي رسول الله بالحفرة ولكن بعد أن سقط ابنه حنظلة بن عامر. لكـــــن لا على الأرض. بل شهيدًا على يدي الملائكة تحفه إلى الجنة ذودًا عن رسول الله- صلوات الله عليه-. وعندما قاد الشرك أشرس هجماته لاغتيال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ممثلًا بابن قمئة وأبي بن خلف. نهض الجدار البشري من اللحم والدم يترس دون رسول الله. من لبناته طلحة بن عبيد الله، الشهيد الحي الذي تلقى السهم بيده عوضًا عن وجه رسول الله. وأبو طلحة الأنصاري الذي وضع ظهره أمام وجه النبي تفور فيه السهام دون أن يتحرك. بينما كان أبو دجانة وأم عمارة يصدان الهجوم القريب بالسيف حتى لينظر رسول الله حواليه يمنة ويسرة فلا يرى إلا أم عمارة وأبا دجانة. وفي خط الدفاع الأول كان علي بن أبي طالب، ومخيريق خير يهود وأنس بن النضر وثابت بن الدحداح يقومون للكتائب كاملة دون أن تتقدم في زحفها الأعلى جثة بشرية.

        وكان حمزة بن عبد المطلب قد مضى إلى العالم الآخر بعد أن قتل، على ما يقال: حوالي ثلاثين من المشركين.

۲۷- صد الهجوم: أوقف الزحف واستطاع الجدار البشري من اللحم والدم أن يحطم الهجوم المعاكس.

الجدار الذي كانت الجثث لبناته والدم مؤونته. وتمكنت القيادة النبوية أن تستعيد القوى المبعثرة من جديد، وتدعو إلى صعود الجبل واحتلاله معلنة على لسان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: اللهم لا ينبغي لهم أن يعلونا. ومعلنة بنفس الوقت وهي تتجه نحو الجبل أن هذا الهجوم هو أشرس ما تستطيع القوى المعادية أن تفعله بعد هذا اليوم، وترسم في أفق المستقبل المضيء خطوط النصر الوهاجة: لن ينالوا منا مثلها حتى نستلم الركن.

٢٨- الجبل يحتله المسلمون من جديد: واحتل الجبل من جديد وأوقف وأوقفت كل الكتائب المعادية من المشركين، وزحزحت عن أهم أماكنها الاستراتيجية فى الجبل، وراح المشركون ينعمون بالمقتلة العظيمة من المسلمين حين عجزوا عن التقدم شبرًا واحدًا باتجاه أرض المسلمين، وسجل التاريخ أعظم صمود عرفه في وجه أشرس هجوم. حيث قام أفراد قلائل ببطولاتهم الفردية بصد جيش بأكمله وزحزحته عن مواقعه.

٢٩- الإيمان ينطق: وفزع رسول الله لقرة عينه من أصحابه الذين سقطوا شهداء بين يديه وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهو يقول: أنا شهيد على هؤلاء وما من جرح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي اللون لون دم، والريح ريح المسك ثم تلا ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ 

(آل عمران:١٦٩) واتصلت الأرض بالسماء وهم يصغون لرسول الأرض والسماء يناجي ربه بعد أن قال للمسلمين: اصطفوا حتى أثنى على ربي- عز وجل- فكان من ثنائه:

«اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لمن منعت ولا مانع لما أعطيت.. اللهم إني أسألك مـــن بركتك ورحمتك وفضلك وعافيتك اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول»

وراحت المدينة بعد ذلك تعالج جرحاها وفي القلـوب أسى، وفي النفوس عزمات. وبطولات النساء في الصبر. تفوق بطولات الشهداء في التضحيات، والنساء المسلمات أرامل وثكالى ومفجوعات يرددن بلسان حالهن: كل مصيبة دونك يا رسول الله جلل.

٣٠- الجيش الجريح يلاحق العدو: وتحرك الجيش الجريح بعد ثلاثة أيام قاصدًا المشركين، وأصر رسول الله أن لا يخرج بالجيش إلا من حضر أحدًا وعقد على جبينه تاج الفخار هناك. وبهذا الخروج الذي نقل نبأ، معبد الخزاعي لأبي سفيان حطم هجومًا قد بيت على المدينة لاستئصال شأفة المسلمين هناك. ورضى أبو سفيان والمشركون من الغنيمة بالإياب، وردد التاريخ مع رسول الله ذكريات الجبل العظيم بين يدي القائد العظيم: أحد جبل يحبنا ونحبه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

195

الثلاثاء 05-مايو-1970

عبر من موقعة أحد

نشر في العدد 13

113

الثلاثاء 09-يونيو-1970

عبر من موقعة أحد (2)