; إرتيريا المسلمة والتجاهل الدولي. لماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان إرتيريا المسلمة والتجاهل الدولي. لماذا؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1987

مشاهدات 61

نشر في العدد 834

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 15-سبتمبر-1987

الشعب الإرتيري المسلم يتعرض لحرب إبادة، يواكبها تعتيم إعلامي شديد، وتجاهل منقطع النظير من كل الهيئات الخيرية والمنظمات الإنسانية العالمية كمنظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات والهيئات؛ ليبقى المجال مفتوحًا للمنظمات التبشيرية. 

ويعيش اللاجئون الإرتيريون في شرق السودان ظروفًا تعليمية ومعيشية وصحية واجتماعية قاسية للغاية، وبعد القيام بجولة استطلاعية في هذه المنطقة بالذات «شرق السودان» تنشر المجتمع هذا التقرير الذي يوضح حجم المعاناة التي يعيشها إخواننا والصعوبات والابتلاءات التي يتعرضون لها. 

بلغ عدد اللاجئين الذين أخرجوا من إرتيريا أكثر من نصف مليون لاجئ وان غالبية هؤلاء يعيشون ظروفا سيئة للغاية وخاصة الموجودون منهم في شرق السودان وان ٩٧% منهم مسلمون. يسكنون في خيام لا تقي الحر ولا البرد علمًا بأن المناطق التي يقطنها هؤلاء من المناطق التي تمتاز بالأمطار الغزيرة في فصل الصيف وأنهم قضوا فصل الأمطار في العام الماضي في أصعب الأحوال.

الأوضاع الصحية تزداد من سيء إلى أسوأ؛ حيث لا توجد الوقاية الصحية والسكن الملائم وكذلك لا توجد الأدوية والعلاج للمرضى.

 

 الحالة التعليمية لا توجد مدارس التعليم الأطفال في هذه المعسكرات «مثل معسكر الثغراب» الذي وجدنا فيه تفاؤلًا عجيًبا من اللاجئين أنفسهم؛ حيث وجدنا أكثر من (۲۰۰۰) طفل مجتمعين في خيام منصوبة يقرأون القرآن الكريم، عندما سألناهم عن القائمين بهذا العمل الجليل أجابنا الشيخ ياسين حريراي أحد القائمين بهذا العمل قائلًا: إننا عندما شاهدنا صرف الخيام المدرسة تبشيرية أخبرنا المسؤول السوداني بأننا نفكر في إقامة مدرسة عربية وفي أمس الحاجة للخيام، وفي ذلك الوقت لم نكن في الحقيقة نملك أي مقومات للمدرسة، فتحمس المسؤول السوداني، وقدم لنا ست خيام، ثم بعد ذلك جمعنا أولياء أمور الأطفال، وطلبنا منهم أن يحضروا أولادهم إلى هذه المدرسة، ولا يسمحون لهم بالذهاب إلى المدرسة التبشيرية. هذا وبفضل الله وجدنا ۱۲ مدرسًا تبرعوا بأنفسهم لتدريس هؤلاء الأطفال القرآن الكريم ومبادئ العلوم الأخرى، ولكن ما يؤسفنا أننا لا نملك ما نعين به هؤلاء المتبرعين الذين حبسوا أنفسهم من أجل الحفاظ على أولادنا من خطر المبشرين. 

وفي طريق عودتنا قضينا الليلة في ضيافة الشيخ علي شيخ داود مدير معهد النهضة الإسلامي في منطقة القرية، وتدارسنا معه أحوال الطلبة، وفي الصباح تجولنا في الفصول الدراسية؛ حيث كانت الدراسة مستمرة، والمدرسون الذين يدرسون في هذا المعهد جميعهم من المدرسين الإرتيريين الذين تخرجوا من الدول العربية.

والمعهد يتكون من المرحلة الابتدائية والمتوسطة، وفيه فصل خاص بالبنات، والمعهد يعاني من مشاكل كثيرة، كتوفير السكن والغذاء للطلاب والمنهج والدفاتر التي يكتب عليها الطلاب والملابس التي يلبسونها ومرتبات بعض المدرسين؛ لأن بعض المدرسين معينون من المملكة العربية السعودية، وليس للمعهد وقف يعتمد عليه، وليس له جهة يعتمد عليها غير بعض المساعدات المقطوعة من بعض، علمًا بأن الطلاب الذين يدرسون في المعهد جاءوا من أماكن بعيدة في إرتيريا بعد أن فقدوا في بلادهم الأمن والاستقرار.

والمعهد يعتبر مكانًا للدراسة، وكذلك سكنًا للطلاب، وذلك بأن يخرجوا الكراس والأدراج؛ لتحل مكانها العناقريب «الأسرة المصنوعة من الحبال» وإذا أصبح أي طالب مريضًا لا يجد المكان الذي يرتاح فيه، كما لا توجد أدوية لعلاج الطلاب الذين يعانون من الأمراض؛ نتيجة سوء التغذية وانتشار الأمراض.

بعد زيارة المعهد توجهنا إلى خلوة تحفيظ القرآن الكريم التي يشرف عليها الشيخ محمد عمر والتابعة للمعهد، والمشاكل نفسها تواجه الخلوة، رغم هذه الصعوبات وجدنا أكثر من ثلاثين (۳۰) طالبًا يحفظون القرآن الكريم على ظهر القلب، وقد فازوا في المسابقات التي أقيمت لحفظ القرآن على مستوى السودان، هذا وقد أنشأوا داخلية من الخشب والبوص تتسع لـ 150 طالبً،ا وتضاعف العدد إلى أكثر من خمسمائة طالب (٥٠٠)، وشاهدنا لحظة تواجدنا خمسة طلاب جدد جاءوا ليدرسوا القرآن الكريم، وأخبرنا الشيخ محمد عمر أنه يواجه يوميًّا مثل هذه الحالات، وأنه محرج جدًّا أمام هؤلاء الطلاب؛ لأنه لا يملك المأوى والطعام الذي يضمن استمراريتهم وبقاءهم.

نخلص من ذلك أن هذه الحالات التي عرضناها هي أفضل الحالات فكثير من المعاهد والخلاوي التي أقامتها أنصار السنة المحمدية وجهاز التعليم الإرتيري تعاني من حالات أسوأ، ويعتبر الكرسي الذي يجلس فيه الطالب والأسرة المصنوعة من الحبال رفاهية يحلم بها الطلاب؛ حيث يفترشون الحصير طوال النهار، وينامون عليها بالليل، والمدارس التي أقامتها الحكومة السودانية في المناطق القديمة هي عبارة عن مرحلة ابتدائية فقط، وحتى هذه ليس لها الكفاية من المدرسين، ولا تملك المستلزمات الدراسية، ويواجه الطلاب المستقبل المجهول عقب انتهائهم من المرحلة الابتدائية؛ حيث لا توجد مدارس متوسطة ولا ثانوية، ولا يستطيعون مواصلة دراستهم؛ لذا يضطرون إلى ترك الدراسة والعمل في الأعمال الدنيئة والشاقة في الأسواق، وهم في نعومة أظافرهم وفي سن التعليم، والآن حتى هذه المدارس التي بنيت في المناطق قد هدمت ولم تجد البناء والترميم؛ لأن إمكانية البناء غير متوفرة بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها القطر السوداني الشقيق.

الوضع السياسي: تمر المنطقة بظروف بالغة الخطورة والشعب الإرتيري يتعرض إلى أبشع أساليب التنكيل والإبادة من قبل الاستعمار، لا لذنب ارتكبوه سوى إيمانهم العميق بالله، وتمسكهم المستميت بأرضهم، وكان ولا يزال الاستعمار الأثيوبي يستخدم سياسة الأرض المحروقة، وبدأ بحملات وحشية فأحرق قرى بأكملها، وأزال مدنًا من الخارطة الإرتيرية مستخدمًا الطائرات الحربية والأسلحة المحرمة دوليًّا في إبادة الحرث والنسل، وبدأ اللجوء منذ عام ١٩٦٧ ولا يزال مستمرًّا، وانعدم الأمن تمامًا في إرتيريا، وفقدت كل مقومات الحياة في ربوع إرتيريا، بسبب الحروب الدائرة هناك، وتحويل المدن الإرتيرية إلى ثكنات عسكرية للقوات الأثيوبية.

كل هذا يجري في إرتيريا منذ ٢٦ عامًا على مرأى ومسمع من العالم، وبموافقة من الدول الكبرى والتجاهل والتعتيم الإعلامي الواضح من الدول العربية والإسلامية؛ تسبب في عدم إيصال القضية الإريترية إلى الرأي العام العالمي. هذا ونحن في استعراضنا لهذه الأوضاع لم نتعرض لكل صغيرة وكبيرة، وإنما سردنا لكم الأوضاع مجملًا، ولو تتبعنا ظروفهم المختلفة لما كفتها هذه الصفحات، إلا أنها بحق أوضاع تستحق السعي والإنقاذ قبل فوات الأوان.

بهذا العرض البسيط للغاية عن أحوال اللاجئين الإرتيريين نتقدم للهيئات الخيرية والجمعيات الإسلامية والإنسانية بهذه المقترحات.

  1.  توجيه نداء عاجل إلى الدول العربية والإسلامية للقيام بدورهم المطلوب في تعليم أبناء إرتيريا؛ للحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية.
  2.  تبني التعليم في مناطق اللاجئين الإرتيريين بشرق السودان.
  3. تبصير الشعوب العربية والإسلامية بالقضية الإريترية والشعب الإرتيري المسلم؛ لتزداد مساهمتهم في إنقاذ الطفل الإرتيري المسلم وتعليمه. 
  4. حث الشخصيات الإسلامية القادرة على بناء المدارس في مناطق اللاجئين.
  5. تعيين الخريجين الإرتيريين في هذه المناطق بمبالغ رمزية تكفيهم مذلة السؤال، وتمكنهم من تبليغ الدعوة، علمًا بأن كثيرًا من الأخوة الذين تخرجوا من الكليات الإسلامية في المملكة العربية السعودية وغيرها بدأوا يتوافدون إلى هذه المناطق، للقيام بدورهم في التدريس وتبليغ الدعوة الإسلامية بصورتها الصحيحة في أوساط أهلهم.
  6.  التعاون مع الجامعات العربية والإسلامية، ولا سيما جامعة الخرطوم؛ لتدريب المعلمين الإرتيريين، وتهيئتهم للقيام بدورهم خير قيام.
  7. تدريب الطلاب الإرتيريين المتخرجين من المرحلة الثانوية، ولم يجدوا فرصة المواصلة دراستهم الجامعية؛ ليكونوا معلمين بالمرحلة الابتدائية.
  8. بناء المستشفيات وتعيين أطباء مسلمين بها، وذلك لعدم وجود هذه المستشفيات، وأن الخدمات التي تقيمها الهيئات التبشيرية أصبحت خاصة للنساء والأطفال في بعض المناطق، وعدم تقديم هذه الخدمة لغيرهم، ولو احتضر؛ وذلك لسهولة تقبل هذه الفئة لخرافاتهم وسمومهم الفكرية. أما النساء اللائي لا يحضرن لدروسهم التنصيرية، فيتعرضن للمساءلة عند اضطرارهن للعلاج.

يواجه الدعاة الذين يقفون ضد خطر التبشير حرجًا شديدًا عند مرض أولادهم أو زوجاتهم عند اتجاههم إلى هذه المستوصفات للعلاج؛ حيث يسمعون الكلام المحرج والرد في كثير من الأوقات.

ونحن إذ نضع بين أيديكم هذا التقرير المتواضع البسيط، الذي لا يعبر عن كل مشاكل شعبنا، نطلب منكم التوجه إلى هذه المناطق؛ لتروا بعينكم حال إخوانكم في الله، ووفقكم الله لما فيه مصلحة المسلمين.

الرابط المختصر :