; «رهبان الليل» | مجلة المجتمع

العنوان «رهبان الليل»

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1986

مشاهدات 97

نشر في العدد 775

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 15-يوليو-1986

هكذا كانت صفة الرعيل الأول «فرسان في النهار رهبان بالليل» فهم الذين زكوا أنفسهم حتى سهل قيادها، فأصبحوا هم السادة لأنفسهم، ولم يقبلوا بأن يكونوا عبيدًا لها توجههم حيث شاءت، فأصبحوا هم الاستثناء من الأصل في النفوس الأمارة بالسوء، ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (يوسف: ٥٣)  وأخذوا أنفسهم بالعزائم، حتى صارت أشق العبادات أحبها إلى نفوسهم، حتى أنه يروى لأكثر من واحد منهم بأنه لا يتحسر على شيء من الدنيا سوى «مكابدة الليل وظمأ الهواجر» وهما قيام الليل وصيام النهار، ولأن قيام الليل من أشد العبادات، كان هو الشغل الشاغل لهم، والذي لا يجدون لذة المناجاة إلا في غماره، حتى جعلت تلميذًا من تلاميذهم وهو عطاء بن رباح يصفه بأنه «محياة للبدن، ونور في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البصر والأعضاء كلها، وأن الرجل إذا قام بالليل أصبح فرحًا مسرورًا، وإذا نام عن حزبه أصبح حزيناً مكسور القلب، كأنه قد فقد شيئا، وقد فقد أعظم الأمور نفعًا» ([1])، فلا يستغرب بعد ذلك أن تكون هذه العبادة الشاقة على النفس هي التي ربى فيها الرب سبحانه وتعالى نبيه r قبل أن يبعثه وكانت واجبة عليه وعلى أتباعه في البداية، ذلك لأن جيل التأسيس لا يستطيع القيام بمهام الدعوة العظيمة ما لم يكن صلب القاعدة، ومتين الأساس. هذا ما دعا الإمام محمد بن سيرين أن يجعلها من مكونات القدوات، فقال لا بد من قيام الليل، ولو بقدر حلب الشاة([2]).

•عشاق الليل...

ووصل حبهم لقيام الليل أنهم كانوا يحزنون حين إدباره وإقدام النهار، وها هو التابعي الجليل سفيان الثوري يقول: «إذا جاء الليل فرحت وإذا جاء النهار حزنت» ([3]) ويخبر عنه أبو يزيد المعنى بأنه كان «إذا أصبح مد رجليه إلى الحائط، ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل» ([4])، كيف لا يعشقون الليل وفيه ينزل الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا فيزداد الشعور بالقرب، وتزداد لذة المناجاة، وكيف لا يعشقونه وهو أحد الطرق الموصلة للجنة بسلام، وذلك لقوله r: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» ([5])، وكيف لا يعشقونه وقد كان قدوتهم r  «يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه» ([6]) وهم الحريصون على الاقتداء به ليحشروا معه.

•تعاهد الأجيال...

ولحرصهم لهذه العبادة، كانوا يتعاهدونها جيلًا بعد جيل، وكان الآباء يغرسونها في نفوس الأبناء، فعن معاوية بن قرة أن أباه كان يقول لبنيه إذا صلوا العشاء: «يا بني ناموا لعل الله أن يرزقكم من الليل خيرًا»([7])k وكان لأبي هريرة t تقسيمة أخرى لليل، فكان «يقوم ثلث الليل وتقوم امرأته ثلث الليل، ويقوم ابنه ثلث الليل إذا نام هذا قام هذا»([8]).

وكأنه يمتثل حديث النبي r الذي يقول فيه: «رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء» ([9]).

•قيود الخطايا...

وكان الحسن البصري يعد تارك القيام محرومًا لأنه حرم من خير كبير، فيه مناجاة الحبيب، وفيه الانتصار على النفس، وفيه الترفع على جواذب الطين، فهو يصرح بأنه «إذا لم تقدر على قيام الليل، ولا صيام النهار، فاعلم أنك محروم، قد كبلتك الخطايا والذنوب» ([10])، وكان يعتبر الخطايا قيودًا تمنع التوفيق لفعل هذا الخير، ولا بد من توبة نصوح، واستغفار نقي، كي ينشرح الصدر لهذه العبادة، فقد جاءه رجل يسأله «يا أبا سعيد أعياني قيام الليل فما أطيقه! فقال: يا ابن أخي استغفر الله، وتب إليه، فإنها علامة سوء» ([11])، وكان يقول: «إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل»([12])، فمن أراد أن ينتمي إلى زمرة رهبان الليل ليس أمامه إلا الابتعاد عن الذنوب والانتصار على النفس.
مراجع

([1])  البداية والنهاية ٢٩٤/٩.

([2])  الزهد لأحمد ٣٠٦.

([3])  الجرح والتعديل ٨٥/١.

([4])  الجرح والتعديل ٩٥/١.

 ([5])الترمذي (٢٤٨٧) صححه الأرناؤوط- الرياض ١١٦٦/٧.

 ([6])البخاري ٤٤٩/٨، ومسلم ۲۸۲۰.

([7])  الزهد لأحمد ۱۸۷.

([8])  الزهد لأحمد ۱۷۷.

([9])  أبو داود ۱۳۰۸.

([10])  الحسن البصري- لابن الجوزي ص ١٤.

([11]) الحسن البصري- لابن الجوزي ص ١٤.

([12])  الحسن البصري- لابن الجوزي ص ١٤.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

174

الثلاثاء 12-يناير-1971

مواقف

نشر في العدد 222

91

الثلاثاء 15-أكتوبر-1974

منهج القرآن في التربية

نشر في العدد 451

129

الثلاثاء 26-يونيو-1979

حوار حول الصلاة