العنوان «زلازل» سورية في عهد البعث
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 28-يناير-2006
مشاهدات 53
نشر في العدد 1686
نشر في الصفحة 26
السبت 28-يناير-2006
(*) كاتب سوري وعضو رابطة أدباء الشام
نأمل أن يكون كشف عبد الحليم خدام للنظام حافزا للآخرين الناقمين من أركانه... المساعدة شعبهم على الخلاص
تاريخ سورية في هذا العهد حافل بالزلازل السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية التي أدت لتصدع الجبهة الوطنية وسحق الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني
زلزال السيد عبد الحليم خدام أبو جمال نائب رئيس الجمهورية السورية السابق ليس الأول ولن يكون الأخير، بفضل الحزب الحاكم وقدرته الهائلة على تفريخ الفضائح وإحداث الزلازل التي تكسر عظام الوطن السوري على مدار الساعة، بدءا بظهور الجاسوس الإسرائيلي في ١٩٦٤/٥/١٨م، والمرسوم الجمهوري رقم ٣٨٥ في عهد الرئيس الأب القاضي بالعفو عن ٢٣ جاسوسًا إسرائيليا، ولم ينشر إلا في الجريدة الرسمية، بتاريخ ١٩٧٤/٢/٥م، وانتهاء بمصافحة الرئيس الابن لرئيس العدو كاتساف العام الماضي على الملأ.
لو كان حزب البعث السوري ككل الأحزاب -وقد كان قبل انقلاب الثامن من آذار- وفي ظل وضع ديمقراطي، لما أهلك نفسه وأهلك القطر معه باغتصابه السلطة. بل الدولة والمجتمع حين وضع دستورًا ينص في مادته الثامنة على أنه قائد الدولة والمجتمع، ومارس ذلك وبشكل أقسى من خلال القبضة القمعية، وبات مسؤولًا عن كل صغيرة وكبيرة في المجتمع والدولة، فسبق الستار الحديدي السوفييتي ولم يلحقه بالتغيير حتى الآن.
نقول لو كان أو لو ظل هذا الحزب مثل غيره من الأحزاب لما شعر أحد بوفاة ابن أمينه العام بحادث سير، ولا بانتحار أعضاء كبار فيه، أو اغتيال بعضهم لبعض. لكن انتحار رئيس الاستخبارات عبد الكريم الجندي في ١٩٦٩/٣/١ ورئيس وزراء كالزعبي ۱۹۹۹م، وانتحار وزير داخلية كغازي كنعان ۲۰۰٤، وتجريد رفعت أسد أحد نواب رئيس الجمهورية طردًا من مناصبه ومن الحزب في ۱۹۸۸/۱۲/۸م واغتيال محمد عمران رئيس اللجنة العسكرية في الحزب ووزير دفاع سابق في عام ۱۹۷۲م، وصلاح الدين البيطار أحد مؤسسي الحزب ورئيس وزراء سابق ١٩٨٠/٧/٢١م... كل ذلك كانت له منعكساته على الشارع والمجتمع السوري، وعلى الخط البياني القمعي الذي سار فيه المسلسل الانفرادي تسلسلًا هندسيًا متصاعدًا.
وهنا نستذكر ما يمكن أن يعد جوابًا عن سؤال المفكر الجزائري مالك بن نبي: لماذا تحولت اليابان بعد عشر سنوات من وقوعها تحت ظل الاستعمار الغربي من زبون على الحضارة إلى شريك ثم إلى منافس، ولم يبرح العالم الإسلامي والعربي يعيشان مجرد، زبون على مائدة الحضارة الغربية وقد وقعا تحت الاستعمار في التاريخ نفسه ؟! إنه التخلف، ولكن بثوبه القمعي الاستبدادي، وعبد الرحمن الكواكبي يكمل التفسير.
تاريخ ملئ بالزلازل
إن تاريخ سورية خلال العقود الأربعة الماضية -وهي كلها في عهد الحزب الحاكم- حافلة بأنواع من الزلازل السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية التي كان من ثمارها تصدع الجبهة الوطنية. وسحق الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وتخريب المدن بالمجازر الجماعية، وانهيار الاقتصاد الوطني بالتأميم التعسفي والفساد المالي والنهب المنظم للثروات ولقوت الناس، وظهور المافيات المالية والأمنية، وقوافل الشباب العاطلين عن العمل والهجرات الجماعية لذوي الطاقات أو التهجير القسري لآلاف المعارضين.
وبالمناسبة نسمح لأنفسنا أن نستشهد تاريخ مليء بالزلازل بالشهادات الحضارية التي تبادلها وتداولها مؤخرًا أعضاء مرموقون ممثلون للشعب في مجلس الشعب بمناسبة انشقاق السيد خدام تشيب لهولها الولدان إن بقي من لم يشب بعد من بعضها السكوت على دفن «النفايات النووية»، فمتى يتحدثون عن دفن الآلاف في المقابر الجماعية؟ إنها وثائق تاريخية نطق بها ممثلو أحزاب الجبهة الحاكمة بحق نظام يرضعهم ويحتضنهم، ولا شهادة أقوى من اعتراف الجاني نفسه في العرف القضائي.
من المجازر الجماعية التي اقترفت بحق الشعب المعترض على نظام الحزب القائد للدولة والمجتمع سحق انتفاضة مدينة حماة وجامع السلطان عام ١٩٦٤م والبطش بما يسمى كتائب محمد بالدبابات في جامع بني أمية بدمشق عام ١٩٦٥م ومجزرة جسر الشغور ١٩٨٠/٣/١ ذهب ضحيتها مائة شهيد ومجزرة سرمدا ۱۹۸۰/۷/۲٥ استشهد فيها ثلاثون، ومجزرة حي المشارقة بحلب ۱۹۸۰/۸/۱۱ استشهد فيها مائة ومجزرة الحجاب في دمشق ۱۹۸۰/۹/۲۹م استشهد فيها عدد من المدافعين عن حجاب زوجاتهم وأخواتهم، ومجزرة تدمر استشهد فيها ألف مواطن خلال نصف ساعة، أما مجزرة حماة الكبرى عام ۱۹۸۲م فقد استشهد فيها أربعون ألف إنسان طوال شهر شباط / فبراير من ذلك العام، فضلًا عن تهديم المساجد والكنائس والمعالم الأثرية التاريخية النادرة التي لم يهدمها الاستعمار الفرنسي. فهل تفعل الزلازل الطبيعية بالشعب مثل هذا الفعل ؟!
من المجازر الحضارية جدًا موجات التسريح للكادحين الشرفاء من رجال التعليم ففي عام ١٩٧٩م تم نقل ٥٠٠ مدرس ومعلم من التعليم إلى إدارات الدولة تعسفيًا «مثل مكتب دفن الموتى» وفي ١٩٨٠/٢/٢ تم تسريح ١٩٠ مدرسًا ومعلمًا أيضًا.
أما مؤسسات المجتمع المدني فقد عانت هي الأخرى من مجازر خاصة بها مثل حل نقابات المهندسين والأطباء والمحامين دفعة واحدة، وإغلاق فروعها في كل المحافظات في ١٩٨٠/٤/٩م واعتقال أعضاء مجالسها، ثم افتعال نظم داخلية لهذه النقابات، وتعيين مجالس ومؤسسات قسرية لها حتى يومنا هذا ! ومن الظلم والسخرية المرة أن الحزبيين الكبار الذين تم فصلهم مؤخرًا «من قيادات الحزب الحاكم» أو ماتوا، صرفت لهم «نقابة المحامين» رواتب تعويضية أو تقاعدية، وهم لم يمارسوا المحاماة يومًا واحدًا، فما هذه العدالة؟ ومن أي الزلازل يعد هذا؟
أما عن الجيش والتصفيات الفردية والجماعية، أو إفساده بالموبقات وبالطائفية والمحسوبية والتصفيات الفردية والجماعية، فحدث ولا حرج، ونكتفي بالإشارة إلى تسريح ١٥٠ ضابطًا بتاريخ ١٩٦٤/٦/٧م تعسفيًا، وإلى طرد ١٦ مهندسًا عسكريًا من الدورة ١٢٤ بتاريخ ۱۹۸۰/۸/۱۸م، وإلى نموذج من مسلسل الإعدامات وهو تنفيذ حكم الإعدام بثلة من خيرة أبناء سورية العسكريين والمدنيين عددهم ۱۱ مواطنًا بمن فيهم عالم الفيزياء النووية الدكتور حسين محمد حسين في عرطوز- دمشق بتاريخ ١٩٨٠/٧/٥م. ويسألونك لماذا لم تحرروا الجولان حتى الآن؟ أو لماذا سقط الجولان أصلًا؟! ولماذا لم تجر محاكمة للمسؤولين عن سقوطه حتى الآن؟!
فهل تحدث السيد عبد الحليم خدام وأعضاء مجلس الشعب عن كل هذه الأمور. أم سوف يتحدثون في الماراتون القائم، أو في الفرص القادمة، وقد فتحوا الباب وقالوا الكثير الكثير مما كانت تقوله المعارضة وما من سميع؟
يروي السيد خدام روايات تلمس الجرح الغائر مثل غضب الرئيس الابن على المرحوم الحريري لأنه يجمع طائفته من حوله، والحقيقة أن الحريري حاز على رضا الأطراف اللبنانية جميعًا، وأفاد طائفته كغيرهم على الطريقة اللبنانية وزيادة فقال له أبو جمال كل السياسيين اللبنانيين يجمعون طوائفهم من حولهم مثل جنبلاط مع الدروز، وفضل الله مع الشيعة، والجميل مع المارونيين، فلماذا الاستنكار على الحريري وطائفته؟ أليست هي الكلمة التي أودت بالشيخ الدكتور صبحي الصالح التي قالها للرئيس الأب قبل اغتياله بأيام، ولكن حمزة لا بواكي له !! والشهيد الشيخ المرحوم حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية، ما جريمته غير دفاعه عن طائفته التي هي ركن أساسي في بنيان الوطن المقاوم للشرذمة والصهاينة والاستبداد على حد سواء؟
قبل المقابلة التي أذيعت للسيد خدام كان هناك سجال حول حقيقة الدور الذي يلعبه الرئيس الابن في النظام الذي هو على رأسه، بمعنى هل يملك القرار، أم يتقاسمه مع بارونات الأجهزة الأمنية وقادة الفرق العسكرية، أم لا دور له يذكر؟ أما بعد المقابلة -وقد شهد شاهد من أهله- فقد ترجح انفراد الرئيس بالصلاحيات أو بالقرار بنص الدستور وبواقع الحال، وسوف يغير كثير من المعنيين سياساتهم ومواقفهم بناء على هذه المعلومة، وهذا بعض من معطيات الزلزال الجديد. أما البعض الآخر، فهو ما لم يقله السيد خدام، ولعله يسطره في مذكراته التي خرج من أجل تدوينها، وهي خطوة أخرى لو خطاها على هذا المنوال لفتحت له قلوب أبناء شعبه المسحوق ولدخل التاريخ من أبوابه العريضة. كما نأمل أن يكون انحياز السيد خدام عن النظام حافزًا للآخرين من بقية المتململين والناقمين من أركانه أو الساكتين على مضض أن يقتدوا بأبي جمال، وأن يعينوا أنفسهم وشعبهم على الخلاص السلس من هذا الوضع الكارثي للدولة والمجتمع على حد سواء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل