العنوان «زلزال» خدام.. هل ينهي مسلسل التوريث السوري في المنطقة العربية؟!
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 28-يناير-2006
مشاهدات 65
نشر في العدد 1686
نشر في الصفحة 28
السبت 28-يناير-2006
كلام خدام يجعلنا نتساءل عن المليارات المتطايرة من أين جاءت؟ وكيف اكتسبها المسؤولون؟ وكيف تتم المحاسبة
هل هي صحوة ضمير لخدام .. أم أنه يبحث عن دور أم إنقاذاً لتقرير ميليس؟
جاء خروج النائب السابق لرئيس الجمهورية السورية عبد الحليم خدام إلى باريس وحديثه الصريح جدا إلى قناة العربية «وليس الجزيرة» والاتهامات المتطايرة في ثنايا الحديث حول عدم الجدية في الإصلاح وسيطرة الفريق الأمني على القرار السوري والخطايا التي ارتكبت في لبنان، والدعم المباشر لتقرير ميليس في وقت حرج للسوريين واتهامات الفساد وسرقة مليارات الدولارات والاتهام الصريح للرئيس السوري الشاب الوريث الذي لم يمض مدته الأولى في الرئاسة، بعدم الكفاءة والاستعلاء وصولا إلى الديكتاتورية، في وقت يسود في المنطقة كلها منطق التوريث برضا أمريكي وقبول غربي رغبة في تحقيق المصالح الأمريكية في ضمان أمن الكيان الصهيوني، وتأمين تدفق النفط والسيطرة على جماعات المقاومة في فلسطين والعراق، ومنع التهديدات العنيفة التي تنطلق من المنطقة لتهديد أمريكا وأوروبا في عمليات تدمير واسعة طالت نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن حتى الآن ثم صاحبتها أعمال عنف شعبي في شوارع باريس وسيدني، ولا يدري أحد إلى أين تمضي الأمور ؟!
هذا الزلزال الذي فجره الحديث الصريح لخدام يثير ضمن ما يثيره من قضايا مسألة التوريث للسلطة في العالم العربي وهل هي قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار فضلًا عن الإصلاح الدستوري والسياسي أو التقدم والرفاهية عن طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
لقد غاب هذا البعد الخطير في ثنايا الأبعاد الضخمة التي أثارها الحديث القنبلة، فقد كان رد فعل مجلس الشعب السوري هو اتهام صريح للرجل الذي كان ثانيًا طوال عقود عديدة بالخيانة العظمى وطلب محاكمته على اتهامات أخرى بالفساد، ودفن نفايات نووية لتضيف إلى قائمة المحاكمات المنصوبة عالميًا للقادة والزعماء محاكم جديدة تشغل الشعوب في ملهاة ميلودرامية عن قضاياها الحقيقية والتغيير الذي يجب أن تقوم به بأيديها.
في البعد النفسي يكشف الخروج المثير عن مأساة الرجل الثاني الذي يعيش دومًا ثانيًا، فيظل في خلفية الصورة يهمس أحيانًا في أذن الرجل الأول أو يسير خطوة إلى الخلف ليبقى في الإطار فإذا غاب يتصور أن غيابه سيكون مؤثرًا فإذا تم نسيانه عاش في أزمة نفسية يتصور عندها أن من حقه الآن أن يعود إلى الصورة ويطرح نفسه مكان الرجل الأول، وعندما يحقق القدر للرجل الثاني فرصة عمره ليكون أولًا فقد تأتي على يديه المفاجآت أو الكوارث مثلما حدث في مصر مع أنور السادات الذي انقلب على نهج عبد الناصر تمامًا، وكذلك ما حدث مع عبد الحكيم عامر الذي انتهى نهاية دراماتيكية منتحرًا أو مقتولًا، مأساة إنسانية ليست قاصرة على بلادنا، ولكنها موجودة في كل بلاد العالم وهي تحدث الآن مع «براون» وزير المالية البريطاني.
غاب عن المتابعين التدقيق والتحقيق في أرقام المليارات المتطايرة والمتناثرة التي يسمع عنها المواطن العربي في سورية وخارجها، وهو فاغر في الدهشة في بلاد الحزب الواحد والطهارة الثورية.. من أين وكيف اكتسبها المنفذون والمسؤولون وكيف تتم المحاسبة؟ وإذا تحاسبنا فهل سنصل إلى نتيجة أم ندمر كل شيء بأيدينا؟ أم نقول كما يقول البعض: كفاية عليهم ما حصلوه وليتركوا لنا البلاد ويرحلوا في أمان؟ أسئلة كثيرة بلا إجابات؟
نأتي إلى التفتيش في النوايا وهي مهمة قومية لا تتخلف النخب العربية عن القيام بها، فلا حيلة لنا أمام غياب المعلومات وغياب المؤسسات وانعدام الرقابة السياسية والجنائية عن التخمين للوصول إلى أجوبة للأسئلة الحائرة.
والسؤال الكبير هو: لماذا خرج؟ ولماذا تحدث؟ ولماذا للعربية بالذات؟ ولماذا في فرنسا خصيصًا؟
البسطاء من أمثالي يقولون بحسن نية إنها صحوة ضمير وإن كانت متأخرة إلا أنها محمودة، فنحن بحاجة إلى معرفة خبايا مقرات الحكم وكيف يتخذ القرار، فهذا رجل عاش في قلب الحدث أكثر من ثلاثين عامًا، فلماذا لا نستمع إليه بإنصات واهتمام خاصة وأنه يقول إنه جاء إلى باريس ليبحث عن الهدوء ليكتب خلاصة تجربته فأهلًا وسهلًا بهذه التجربة الثرية لنستفيد منها وننشغل بها عن الهموم اليومية التي تحاول خلالها الإصلاح والتغيير.
الخبثاء من أصدقائي يقولون لي: لا وألف لا.. كيف تصدق صحوة الضمير من رجل يتهمه كل من عرفه في لبنان وسورية بمثل هذه الاتهامات الخطيرة؟ إنه يبحث عن دور بعد أن غاب عن الأضواء، بل يتنامى الحديث إلى البحث عن مؤامرة خطيرة لإنقاذ تقرير ميليس في مسلسل الضغط على النظام السوري الذي وقع في مأزق خطير بعد اغتيال الحريري ثم سلسلة الاغتيالات وأحاطت به حبال المشانق ثم نجح -في حركة التفاف بديعة- في إجهاض هذا التقرير عبر علاقات عامة نجحت في تدمير مصداقية ميليس مما اضطره إلى الانسحاب من المشهد ومن التحقيق.
تتصاعد نغمة المؤامرة إلى أن تصل إلى ما قالته الصحف الصهيونية في إعادة إنتاج أسطورة الجاسوس الصهيوني إيلي كوهين الذي تسلل إلى حزب البعث السوري وتسمى باسم أمين ثابت حتى أعدمه السوريون في نهاية الستينيات.
أصدقائي من الأطباء النفسيين يبحثون عن تفسير في نظريات الطب النفسي حول دافع الانتقام أو مأساة الرجل الثاني والدور الثاني.
المهم أننا أمام حدث خطف الأضواء بعيدًا عن مشكلاتنا اليومية ومع نهاية العام المنصرم ليكون حدث السنتين ٢٠٠٥ و٢٠٠٦م.
أعجبني موقف الإخوان السوريين الذي يرفض الانصراف عن جوهر القضية وهي استعادة سلطة الشعب السوري عبر وفاق وطني وتوافق عام من أجل الإصلاح الجاد والتغيير الحقيقي وهو ما ينسجم مع استراتيجية الإخوان الثابتة التي تقضي بالعمل وفق خطتنا نحن وأجندتنا الخاصة الوطنية وعدم الانجرار لمخططات الآخرين أو الوقوع في ردود أفعال متعجلة.
أعود مرة أخرى إلى مسألة التوريث وهي أهم وأخطر ما يواجه المنطقة العربية الآن، فقد تولى الحكم أربعة من الشبان وراثة عن آبائهم، ثلاثة منهم ملوك في ملكيات تريد أن تتحول إلى ملكيات دستورية وتعيش بلادهم في استقرار إلى حد ما، بينما واجه الرابع في سورية العقبات والمشكلات والمطبات ولا يزال.
شاب واعد حالم كان بعيدًا عن السياسة ودهاليزها ومؤامراتها، يدرس الطب، ويحلّق بعيدًا عن حياة القصور فإذا بالوفاة المفاجئة لشقيقه الوريث الذي بعد تقذف به في قلب الأحداث بلا خيار في تراجيديا يونانية أو شكسبيرية.
أثبت الرئيس الشاب كفاءته في إدارة مرحلة الانتقال، ولكنه واجه العواصف الإقليمية في العراق وفلسطين ولبنان وهو لم يصلب عوده بعد وكان قدره أن جاء في العصر الصهيوني الأمريكي، غيره استسلم تمامًا وجاري السياسات المفروضة واستمع إلى المستشارين بينما كان هو أسير تراث قومي وحرس منقسم على نفسه بين نظريات متضاربة وآراء منقسمة.
أدار الرئيس الشاب المعركة مع التدخل الأجنبي بمحاولة تليين المواقف الأمريكية عبر حلفائها في المنطقة في زيارات متكررة إلى عاصمتين عربيتين معروفتين بصداقتهما للإدارة الأمريكية، ثم بمحاولة إنشاء حلف جديد ومحور يواجه الضغط الأمريكي مع طهران ولبنان، تمسك بالثوابت في قضية فلسطين باحتضان المنظمات الفلسطينية في دمشق وعدم طردها إلى الخارج، لأنها في الغالب ستذهب إلى طهران لا تريدها الآن وهي في النهايةـ بعد التطورات الجديدة في فلسطين سيكون دورها محددًا لأن الصرح السياسي انتقل إلى الداخل حاول استثمار الملف العراقي إلى أقصى مدى، ولكنه كان استثمارًا محدودًا وخطيرًا، لأن المقاومة العراقية نفسها إسلامية وأجندتها إسلامية وليست قومية.
المشكلة الكبرى هي أنه لم يحاول أثناء ذلك كله الالتفات إلى الداخل المحاولة الإصلاح والتغيير هل شغلته الملفات القومية الكبرى والدور التاريخي السورية ونظرية حزب البعث عن أهم الملفات وهو تمتين الجبهة الداخلية وإجراء المصالحة الوطنية والاعتماد على الإرادة الشعبية المواجهة الملف الصهيوني الأمريكي.
العواصف شديدة والوريث يواجه الأخطار بشجاعة، ولكن السؤال:
هل ينتهي عند ذلك الحد مسلسل التوريث من قبل النزعات الثورية في المنطقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل