; -  فرصة لتحديث الأهداف ووضع خطط مستقبلية جديدة قابلة للتطبيق.. إسلاميو الجزائر.. هل يخوضون انتخابات الرئاسة المقبلة؟! | مجلة المجتمع

العنوان -  فرصة لتحديث الأهداف ووضع خطط مستقبلية جديدة قابلة للتطبيق.. إسلاميو الجزائر.. هل يخوضون انتخابات الرئاسة المقبلة؟!

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2009

مشاهدات 79

نشر في العدد 1840

نشر في الصفحة 24

السبت 21-فبراير-2009

- مسؤولية تمثيل الأمة تقتضي المحافظة على جذوة الأمل فيها.. لاسيما وهي مقبلة على تحولات مهمة

من أهم ما جاءت به التجربة التعددية الجزائرية مشاركة الإسلاميين في التنافس على سدة الحكم، أي انتخابات رئاسة الجمهورية، وهي تجربة تحتاج إلى دراسة وتقويم يستهدف المحافظة على المكتسبات الديمقراطية، وعدم التفريط في هذا المخرج الجديد، رغم سلسلة الإخفاقات التي لحقت بالحركات الإسلامية التي شاركت في هذا الاستحقاق.

هذه التجربة وصلت إلى حد استدعاء مراقبين دوليين وتأسيس اللجنة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات، وتدحرجت التجربة -للأسف الشديد- بعد مرات الإخفاق والتردد التي حدثت في «الجزائر» عبر أربعة استحقاقات رئاسية بين عامي١٩٩٥م، و ٢٠٠٤م.

ويعيش التيار الديمقراطي أو العلماني في الجزائر المشهد البائس نفسه في المشاركة السياسية؛ إذ اختفت فعاليته في الميدان وانقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها انخرط في مشروع السلطة وهو الوضع الطبيعي لهذا التيار، والثاني انقلب على السلطة وفضّل المناورة والضغط عبر وسائل الإعلام التي يمتلكها، أما القسم الثالث فقد اعتزل الحياة السياسية بسبب استنفاد الغرض أو بسبب الكهولة!

خصوصية جزائرية

أما التيار الإسلامي في الجزائر فله خصوصية في هذا الصدد؛ إذ فتحت أمامه آفاق المشاركة في الحياة السياسية، ونافس في انتخابات رئاسة الجمهورية بجميع استحقاقاتها، خاصة في عام ١٩٩٥م؛ بمشاركة الشيخ «محفوظ نحناح» (يرحمه الله)، الذي حقق نتيجة لافتة أقلقت السلطة آنذاك، مما دعاها إلى إقصائه في انتخابات عام ۱۹۹۹م عبر آلية تعديل الدستور، واستهدفت الشيخ بتخصيص مادة متعلقة بإثبات المشاركة في الثورة لمن وُلد قبل عام ١٩٤٢م، وهو العام الذي ولد فيه الشيخ «نحناح»!

وقد تعاطي الإسلاميون بعد ذلك بأساليب مختلفة مع المشهد السياسي فمنهم من ترشح للانتخابات الرئاسية ولم يحصل على نتيجة مرضية سوى أنه زين المشهد السياسي بوجود وطنيين وإسلاميين وديمقراطيين في المشهد، ومنهم من اختار «التحالف الرئاسي»؛ مرتين بالنسبة لحركة مجتمع السلم (حمس)، ومرة بالنسبة لحركة النهضة .. ونستشرف خلال هذه الأيام شكلاً جديدا من مشاركة الإسلاميين في انتخابات الرئاسة.

وأهمية التجربة الجزائرية أن الإسلاميين في كل العالم العربي لم تفتح أمامهم أبواب المشاركة والتنافس على منصب رئاسة الجمهورية إلا في «اليمن»، فشاركوا مرةً بالتحالف، ومرات أخرى بالتنافس ولكن ليس بمرشح عنهم.. وهو الأمر الجديد الذي لم يستسغه بعض الإسلاميين عندما ترشح الشيخ «نحناح» في الانتخابات الرئاسية عام ١٩٩٥م، وكانت المرة الأولى التي يشارك إسلامي بحجم الشيخ «نحناح» -يرحمه الله- للتنافس على منصب الرئاسة.

ومن خلال تتبع مسار المشاركة في هذا الاستحقاق في الجزائر، يبدو أننا

اليوم على مشارف مواجهة الإسلاميين جملة من القضايا ينبغي أن تؤخذ في الحسبان، وهم يصوغون مواقفهم السياسية من هذا الحدث المهم.

حتمية المشاركة

فرغم ما يقال عن الانتخابات الرئاسية في الجزائر من أنها أصبحت بدون رهان حقيقي على أساس أن النتيجة أصبحت معروفة سلفًا، وأن الرئيس الحالي «عبد العزيز بوتفليقة» هو الرئيس المقبل للجزائر في الحالات الاعتيادية.. إلا أن على التيار الإسلامي أن يدرك أنه مهما كان موقفه الداعم أو المرشح أو الممتنع، فإنه معني بهذا الاستحقاق لأسباب عدة:

أولها: الاعتبار السياسي للتجربة وحتمية الإبقاء على الحضور الإسلامي في ساحة التنافس على منصب الرئاسة.

وثانيها: الاعتبار الشرعي؛ إذ لا يُعقل لتيار إسلامي موجود في الساحة ألا يكون له حضور أو أن يفضل الامتناع عن التصويت لأن الامتناع يعني «السلبية» أو الدخول في المنطقة الرمادية التي من شأنها أن تساهم في غياب التيار أو تغييبه باختياره على أساس أن الحياة السياسية لن تتوقف عند هذا الموقف بل ستستمر.

وثالثها: أن مسؤولية تمثيل الأمة تقتضي المحافظة على جذوة النور والأمل فيها، لاسيما وهي مقبلة على تحولات مهمة.

مرحلة حسّاسة

ولم يعد خافياً على أحد من الإسلاميين في الجزائر أن التيار الإسلامي يمر بمرحلة جد حساسة لا تحتاج إلى مواقف «عنترية» أو مواقف «ظرفية» بقدر ما تتطلب إعادة تحديث أهداف المرحلة الراهنة، وتجديدها بما يحقق أهداف المشروع الإسلامي المتفق على غاياته.. والانتخابات الرئاسية فرصة سانحة لإعادة تحديد الاحتياجات وتحديد الأهداف، أي ينبغي على الحركات الإسلامية في الجزائر اليوم أن تطرح سؤالًا جوهريًا، وهو ماذا تريد في هذه المرحلة بالذات؟ 

فبالنسبة للحركات التي استقرت على خيار المشاركة، ينبغي أن تطرح أسئلة عدة:

هل تحققت الأهداف السابقة للمشاركة السياسية في الحكومة الانتخابات.. ماذا تحقق؟ وماذا تخلف؟ وكيف يمكن تطوير الأهداف بما يخدم المشروع الذي أسست الحركة من أجله؟

ما جدوى الانتقال من الائتلاف إلى التحالف إلى الشراكة السياسية؟ وما مفردات هذا التحول وآفاقه؟ وما البرامج والمشاريع التي تحقق هذا الخيار؟ وماذا إذا لم ينتقل التحالف إلى شراكة؟

ما معنى الشراكة السياسية؟ أيقتصر الأمر فقط على الحقائب الوزارية والدبلوماسية والمحلية، أم أنه يتجاوز هذا إلى تأهيل المجتمع المدني والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية وتوسيع المشروع؟

هل هنالك رؤية واضحة في هذا المضمار يستطيع المناضل استيعابها وهو يباشر العملية السياسية على مختلف المستويات؟

والأمر نفسه بالنسبة للحركات الإسلامية التي اختارت طريق المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة، فعليها أن تسأل نفسها:

أما زال هذا الخيار صالحًا؟ وكيف يمكن تحديثه وتصويبه وتوسيعه؟

ما التقويم الذي يحدد مواقف المستقبل؟ أيكون الانحباس بين أضلاع هذا الخيار السياسي وعدم الاستعداد لتقويمه  هو الموقف المفضل لدى هؤلاء أم أن كلا الفريقين يحتاج إلى ثورة شبابية من أبناء التيار تقود عملية الإصلاح والتغيير لتحقيق أهداف واستراتيجيات المشروع الإسلامي في الجزائر؟ 

الحل الأمثل

ويبدو لي من خلال متابعتي للشأن الإسلامي في الجزائر أنه مهما كان الخيار الذي سيتخذه الإسلاميون، وعلى رأسهم حركة مجتمع السلم (حمس) فإن الاستراتيجية المفضلة لاتخاذ هذا القرار لا تعتمد فقط على من يتم ترشيحه للانتخابات الرئاسية، بقدر ما تعتمد على الأهداف الجديدة للمشاركة السياسية والمشاريع الكبرى التي ينبغي أن تبرز موقف الحركة من هذا الاستحقاق. 

وأعتقد أن الرهان اليوم على الترشح لانتخابات الرئاسة ينبغي أن يبتعد عن أي «نرجسية» قيادية، أو تضخيم للذات الحزبية أو حتى بالونات اختبار هنا وهناك .. بل يجب أن يكون رسمًا لسياسات، وتحديدًا لأهداف جديدة من شأنها أن تؤهل الحركة للقيام بأدوار اجتماعية وسياسية ودبلوماسية، وتأهيلًا داخليًا لأطر من شأنها إعداد الحركة لتلبية نداءات الأمة في التنمية والاستقرار في المستقبل القريب بإذن الله.. لأن قراءة الوضع السياسي الحالي للجزائر تظهر للأسف أنه غير مؤهل ولا يوفر فرص المنافسة الحقيقية. 

ومن جهة أخرى، فإن التيار الإسلامي في الجزائر استأنس استخدام «أدوات التعليل» لتفسير أسباب الانحباس والترهّل، كما أنه يوظف حروف العطف لتبرير الإخفاق ويستعملها عادةً في سياسات لا تحقق له الأهداف التي قد تغيب أو تستهلك في الطريق بدون أن تشعر به الحركة الإسلامية.

إن الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تكون فرصة لتحديث أهداف الحركة الإسلامية، ورسم خطط مستقبلية، بإزالة كل الأوهام والمخاوف التي تسيطر على الأذهان حين اتخاذ القرارات.. ولأن وضع الحركة اليوم يكاد يكون منشطرًا ومتفرقًا، فإن الحل الأمثل يكون بتأسيس استراتيجية جديدة قابلة للتطبيق؛ بدلًا من الاستسلام لواقع يكرّس الفكر التأمري والانحباس في أفكار قديمة، والاستجابة لفتاوى عصور خلت والانخراط في مضمار غير مضمون العواقب!.

الرابط المختصر :