; «سلام» السودان | مجلة المجتمع

العنوان «سلام» السودان

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2005

مشاهدات 113

نشر في العدد 1657

نشر في الصفحة 15

السبت 25-يونيو-2005

بتوقيع الحكومة السودانية والتجمع المعارض اتفاق السلام في القاهرة «الأحد 19\6\2005 م» يكون السودان قد قطع شوطًا كبيرًا في رحلة الخروج من مستنقع الحروب الأهلية الأسن.

وأيًا ما كانت ملابسات الاتفاقات المبرمة مع المتمردين في الجنوب «جارانج» والمتمردين في الشمال «التجمع» أو الاتفاق المزمع توقيعه مع حركات المعارضة في دارفور «في الغرب» إلا أنها الاتفاقات تفضي في التحليل الأخير إلى التقاط هذا البلد «الشعب والحكومة بل والأرض» لأنفاسه من حروب مهلكة امتدت لما يقرب من نصف القرن.

فقد انقدحت شرارة الحرب في الجنوب عام 1955 م وتباينت درجات عنفها بين الكمون والاشتعال وأهلكت ما يزيد على مليوني قتيل.. وأسفرت عن ضعف هذا العدد من القتلى والجرحى والمعاقين، كما شردت أربعة ملايين آخرين.. هاموا على وجوههم بحثًا عن مناطق آمنة داخل البلاد، وعلى المرء أن يتصور كيف تكون حال دولة نامية تنزع الحرب من خزانتها سنويًا ما يقرب من ثلاثة أرباع المليار دولار «720 مليون بمعدل مليوني دولار يوميًا حسب الإحصاءات السودانية».

هذا فقط عن الجنوب.. وفي منتصف عقد التسعينيات وضع السودان في أتون حرب.. خاضتها ضده الولايات المتحدة عبر أطراف سودانية داخلية ودول الحدود، فمن الشرق احتضن نظام أسياس أفورقي «إريتريا» التجمع المعارض «الأحزاب الشمالية»، ومن الجنوب شدد جارانج من حربه وتزايدت الحشود ضد السودان على الحدود مع أوغندا وفي الغرب تم تحريك بعض القبائل وكان المطلوب الإجهاز على النظام القائم ووضع السودان في مفرمة لا يستطيع الفكاك منها.

السودان استطاع التغلب على الكماشة المفروضة والفكاك منها، ولكنه بمجرد التوصل إلى اتفاق مع متمردي الجنوب وتوقف الحرب تم تحريك مشكلة دارفور التي تشهد وقائعها اليوم.

وعليك أن تتصور بلدًا ناميًا مثل السودان يعيش في حروب داخلية منذ استقلاله حتى اليوم.. كيف يكون حاله وكيف يكون حجم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها.. دخل الفرد بلغ 400 دولار سنويًا، ونسبة البطالة 18,7 ٪ «إحصاء عام 2002 م» والدخل القومي لا يتجاوز 52 مليار دولار «إحصاء 2001 م».

وفوق كل تلك المشكلات المزمنة ابتلي السودان بما يقرب من نصف مليون لاجئ نزحوا إليه هربًا من الدول المجاورة وكان عليه أن يوفر لهم الدعم الإنساني، لقد كانت الحروب الداخلية في السودان أشد فداحة على الشعب السوداني من الحروب الكبرى التي انتبه إليها العالم في المنطقة، لكن الفارق بين الحربين أن الحرب في السودان كانت حربًا استنزافية فتحت جرحًا غائرًا في الوطن ظل ينزف دون ضجيج الحروب المعروفة.

ومن هنا فإن على المرء وهو يتابع مشاهد التوقيع على اتفاقيات السلام بين فرقاء هذا البلد أن يستحضر مشاهد الخراب والقتل وسحائب دخان الحرب التي ظلت تلازم هذا البلد طوال نصف القرن ليدرك القفزة الكبيرة التي تم تحقيقها مؤخرًا.

وليس جديدًا أن نقول إن قوى الاستعمار رسمت للسودان منذ استقلاله طريقًا مهلكًا وظلت حتى اللحظة تعمل على «حشره» فيه.. طريق الحروب الداخلية، إضافة إلى ممارسة الضغوط السياسية والحصار الاقتصادي عليه من الخارج.. والهدف وضعه في حالة إنهاك دائم دون قدرة على النهوض.

وليس جديدًا القول إن هذا البلد من البلاد النادرة التي تمتلك أكبر مخزون متنوع من الثروات الطبيعية.. زراعية وحيوانية ومياه ونفط ويورانيوم ونحاس «أكبر منجم للنحاس في العالم موجود في دارفور» وغيرها، والتي لو قدر له استثمارها لأحدث انقلابا في المنطقة الأفريقية والعربية على السواء وهو ما يقلق المشاريع الغربية.

ومن هنا كان المطلوب أن يظل هذا البلد منهكًا.. جاثيًا على مخزون من الثروات، لكنه من فرط الإعياء «الحروب.. والحصار والضغوط» لا يستطيع أن يمد يده للاستفادة منها ويظل محتاجًا لمن يمد إليه يد العون!.

وبعد قيام ثورة الإنقاذ «30\6\1989 م» وتأكيد هويتها الإسلامية تزايدت الضغوط عليها عربيًا أحيانًا ودوليًا في كل الأحوال بغية تنحية هذا النظام، لكن السودان حتى الآن أفلت من كل ذلك، ويقوم بمحاولات جادة للنهوض بعد طول «ركود».

ولو أننا اكتفينا بهذا الحديث عن واقع السودان اليوم لظلت الصورة ناقصة، وحتى تكتمل فلا بد من التأكيد على أن الحكومات المتعاقبة على السودان تتحمل جانبًا مهما مما آل إليه الوضع فيه.. فقد تركت هذه الحكومات «عن عمد أو إهمال» ملفات مهمة عالقة دون علاج حتى تضخمت ووصلت إلى حالة مزمنة.. والمثال الأوضح في دارفور.. والمشكلات المتعلقة بعدالة توزيع الثروة والسلطة وهي ملفات لم يكن من المنطق تركها حتى يتم فرض الحوار فيها بقوة السلاح.

أما وأن السودان قد بدأ طريق الحوار والوئام فإنه في حاجة إلى المضي في ذلك الطريق حتى النهاية.. وإغلاق المنافذ أمام رياح الاستعمار الجديد العاتية.

الرابط المختصر :