العنوان إشكالية الطغاة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011
مشاهدات 72
نشر في العدد 1967
نشر في الصفحة 37
السبت 27-أغسطس-2011
إشكالية الطغاة ليست وليدة اللحظة، كما قد يتخيل البعض من خلال تجربة تونس ومصر وليبيا والبلاد العربية التي تنتظر، ولكن جذورها موغلة في القدم، ولعل المثال البارز في هذا الباب «فرعون» الذي اتبع نظامًا ثيوقراطيًا ؛ أي: إنه حاكم يستمد نظامه السياسي من قدرات لاهوتية باعتباره إلها، أو ابن الآلهة، أو «مبعوث العناية الإلهية»، كما استمر الأمر كذلك في أوروبا الغربية إبان النظام الفيودالي، بل وحتى العصر الذي يسمونه عصر الأنوار مع «فولتير» و «جون جاك روسو»، الذي سن ما يسمى بـ «العقد الاجتماعي»، الذي يفسر أن العلاقة بين السلطة والشعب هي علاقة تعاقدية تتم بموجب واجبات وحقوق لكلا الطرفين، بناء على عقد يلتزمه الجانبان، ومعايير سياسية واجتماعية تتفق مع رغبة الشعب، لكن – للأسف – هذه المعايير تعتمد قواعد علمانية وديمقراطية بمفهومها الغربي؛ إذ إن الديمقراطية – على حد تعبير «جورج كوك» «لا تفضي إلى ظهور إنسان متميز، بل إنسان مخاتل ومخادع، وإلى استبداد من نوع خاص ».
لكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم سن عقدًا إيمانيًا ربانيًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مبني على القاعدة التالية: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهو المبدأ الذي سار على دربه الخلفاء الراشدون، والتزم به السلف الصالح، لكن ما أن حاد حكامها وسلاطينها، عن هذا النهج حتى شطت وتعسفت وطغت، ويحسن بنا أن نعرف بالكلمة.
معنى الطاغية والطغيان
يحمل هذا المصطلح معاني متعددة – حسب سياقات تاريخية معينة، وبيئة معينة – من قبيل الاستبداد، والديكتاتورية والتوليتارية والفاشية، والنازية، والظلم.
لكن الطغيان عمومًا هو وضع الشيء في غير محله، باتفاق أئمة اللغة.
ولقد سجل التاريخ نماذج من الطغاة سعت إلى فرض هيمنتها وجبروتها على رعيتها بشت أنواع التنكيل والتقتيل والتجويع، فكان عاقبتها الخسران المبين يقول تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾ (العنكبوت)
ثم لا يمر عصر من العصور المتوالية إلا ويتحدث التاريخ بخراب الطغاة وظلمهم، في نهايتهم مخزية ومهينة للعبرة والعظة، ولكن هيهات هيهات! فأين المتعظون من طغاة هذا العصر ؟!
في عهد الإغريق كان الطغيان – حسب تعريف أرسطو قديما – هو صورة للحكم الفردي في ممارسة السلطة دون رقيب ولا حسيب.
لكن الطغيان الذي كان الأكثر فتكا بالعالم الغربي هو ما مارسته الكنيسة الكاثوليكية في شخص الأكليروس (رجال الدين النصارى) من استعباد واستغلال بأفرادها؛ من خلال ترويج الخزعبلات، مستغلين سذاجة وجهل أهلها بأمور دينهم؛
وفي المقابل، وبإطلالة سريعة على التاريخ الإسلامي في أزهى مراحله – وهي المرحلة التي بدأت فيها أوروبا تغرق في ظلام حالك على المستوى الديني والمعرفي – يعطينا مثلاً أبو بكر الصديق رضي الله عنه أروع النماذج في العدل، ونفي صفة القداسة عن نفسه، بل يعتبر نفسه بشرًا عرضة للخطأ، فلم ينصب نفسه رضي الله عنه ملكًا ولاًا مرسلًا، ولم يلصق بنفسه صفة العصمة؛ إذ يقول: «لقد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».
ونفس الشيء ينطبق على باقي الخلفاء الراشدين – رضوان الله عليهم – ومن سار على در بهم من السلف الصالح.
لكن مع انتشار، طغاة من أمثال المعز لدين الله الفاطمي، الذي اختزل مفهوم الحكم بصراحة غير معهودة لما قال: «هذا حسبي» – مشيرا إلى المال – «وهذا نسبي»، مشيرا إلى سيفه.
وفي العصر الحالي ابتلي العالم الإسلامي بخدام العلمانية الغربية المتوحشة من أمثال الطاغية «زين العابدين بن علي»، و«مبارك» و «القذافي».. وغيرهم، الذين قضوا على كل ما يمت للإسلام بصلة بدعوى محاربة الإرهاب خدمة للكيان الصهيو – أمريكي، وللأجندة الغربية.
وعودًا إلى التاريخ وبتصفحنا للكتابات التاريخية الغربية، نجد ثلة من القادة الطغاة الذين أبادوا ودمروا ، وعاثوا في الأرض فسادًا ولعل من أبرزهم.
«أدولف هتلر» (١٨٨٩ – ١٩٤٥م).
«جوزيف ستالين» الطاغية الفولاذي (١٩٥٣ – ١٨٧٩م).
«بنيتو موسوليني» رمز الفاشية، ويُسمى أيضا بـ «الدوتشي»، حكم إيطاليا من ۱۹۲۲ إلى ١٩٤٣م.
فرانسيسكو فرانكو (۱۸۹۲ – ١٩٧٥): رئيس الدولة الإسبانية.
عاقبة الطغاة الظلمة
ولنا في كتاب الله العبرة والعظة؛ فهو الموجه والمخبر عن مال الظالم والطاغية في الأرض قال تعالى: ﴿ وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا (٥٩) ﴾ (الكهف)، وقال الله عز وجل: ﴿ولا تَحْسَبَنَ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُ إِلَيْهِمْ طَرْفَهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء(٤٣) ﴾ (إبراهيم) وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) ﴾ (القيامة)، وقال تعالى: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُم مَنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأَمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) ﴾ (القلم)، وقال: ﴿أَلَاۤ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ فِی عَذَابࣲ مُّقِیمࣲ (٤٥) ﴾ (الشورى)، والظلم من المعاصي التي تعجل عقوبتها في الدنيا للظلمة، وكيف تقوم للظالم قائمة إذا ارتفعت أكف الضراعة من المظلوم فقال الله عز وجل: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» ؟
فن صناعة الحكام الطغاة، هم عامة الشعب من الذين لديهم القدرة بأن يوصلوا أصواتهم إلى آذان الحاكم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبشتى الوسائل المتاحة من خلال المديح والتطبيل والتزمير له بالقصائد الرنانة وكلمات المديح، وابتكار أجمل الأسماء والألقاب والأناشيد والأغاني التي يطرب لها ولاة الأمور أو من خلال المسيرات المنظمة التي تنظم لتنطلق منها الهتافات والأهازيج وكلمات الحماس، وغالبا ما تملأ تلك المسيرات بآلاف الصور الصغيرة والكبيرة التي ترغم الحاكم بأن يتخيل نفسه أنه الشخص الأوحد في هذا الكون، والكثير منهم يصابون ب« داء العظمة» أو حب الذات، وتنتهي بصناعة جلاديهم وتمدهم وتغذيهم بكل مقومات الجبروت والطغيان، عندها يتفرغ لهم ويتحول من إنسان أو حاكم اعتيادي إلى رجل جبار يمتلك روحا شريرة وعدوانية، وليس في تفكيره شيء سوى الدمار والخراب، وزج من يرغب بالتخلص منهم بالسجون، أو تكون مساكنهم القبور، فهل تقلع الأمة اليوم عن ذلك ؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل