; إطلاق سراح المعتقلين فيما يعرف بـ«خلية بلعيرج» ... الخلفية والدلالة | مجلة المجتمع

العنوان إطلاق سراح المعتقلين فيما يعرف بـ«خلية بلعيرج» ... الخلفية والدلالة

الكاتب إبراهيم الخشباني

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011

مشاهدات 68

نشر في العدد 1949

نشر في الصفحة 40

السبت 23-أبريل-2011

إرادة سياسية لتدشين عهد جديد في المغرب

  • آمال بأن يكون لهذا القرار التاريخي مفعوله في تبديد الشك والتوجس في إرادة الإصلاح المعلنة.
  • نضال حقوقي متواصل منذ اعتقالهم.. وقيادات سياسية عديدة ظلت تناصرهم وتطالب بإطلاق سراحهم.
  • خروقات مفضوحة أكدت أن الاعتقال « سياسي ».. والمعتقلون حظوا بتضامن شعبي واسع ضد رواية الداخلية.

 في صباح يوم الخميس ١٤ أبريل ٢٠١١م، تم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين فيما يُعرف بخلية «بلعيرج»، وهم: «مصطفى المعتصم» الأمين العام لحزب «البديل الحضاري» المنحل، ونائبه «محمد الأمين الركالة»، و«محمد المرواني» الأمين العام «لحزب الأمة» غير المرخص له، و«العبادلة ماء العينين» عضو المجلس الوطني «لحزب العدالة والتنمية» و«عبد الحفيظ السريتي» مراسل قناة «المنار» اللبنانية, وذلك في إطار العفو الملكي الذي طال ۱۹۰ من السجناء.. كما تم إطلاق سراح الشيخين «عبد الكريم الشاذلي» و«محمد الفيزازي» المحكوم عليهما بثلاثين سنة سجنًا فيما يتعلق بملف «السلفية الجهادية»، في حين تم استثناء باقي الشيوخ «الحدوشي»، و«حسن الكتاني» و«أبو حفص».

وقد ظلت قيادات سياسية عديدة تناصرهم وتطالب بإطلاق سراحهم، كان آخرها ما قاله الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» قبل أسبوع من إطلاق سراحهم – في بث مباشر لبرنامج «حوار» بالتلفزيون المغربي: «الواجب إطلاق سراحهم فورًا فهم أبرياء لا يحق أن يظلوا في السجن يومًا واحدًا».

 واعتبر «محمد الصبار» الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، في كلمة له أثناء خروج المعتقلين السياسيين من باب السجن المحلي بمدينة «سلا» أن الرابع عشر من أبريل يُعد يوماً تاريخياً لكل أنصار -الديمقراطية، وأن هذا العفو يدخل في إطار – إجراءات تعزيز الثقة للإصلاح الشامل للبلاد، وهو دليل على الإرادة القوية للدولة. 

وقال «محمد المرواني» لحظة استقبالهم أمام مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان: «لابد في هذه اللحظة التاريخية أن ننظر إلى هؤلاء المظلومين نظرة صادقة (في إشارة إلى من لا يزالون قيد الاعتقال؛ ليتم إطلاق – سراحهم حتى يتمكنوا من استعادة حرياتهم – والالتحاق بذويهم، فبلادنا تحتاج إلى الجميع لكي نستطيع بناء المغرب الذي يتطلع إليه كل – المغاربة»، مضيفًا : إن «هذه الفرحة الصادقة لن تكتمل، لأننا تركنا مجموعة من الناس وراء القضبان، أتمنى أن يستفيدوا هم أيضا من حريتهم». 

في حين اختار «العبادلة ماء العينين» الذي ظهرت عليه علامات الإجهاد الممزوجة بالفرحة والبكاء الذي لم يستطع مقاومته خلال لحظة استقبال عائلته له أن يعبر بكلمات قليلة لكنها عاطفية أثرت فعليًا في كل مستقبليه، قائلا: «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن الحمد لله وكفى».

خروقات واضحة

وقد عرفت محاكمة المعتقلين السياسيين الستة عدة خروقات أدانتها هيئة الدفاع والمعتقلون السياسيون، ويمكن حصر تلك الخروقات فيما يلي: 

- بينما كان الملف بيد الضابطة القضائية صرح وزير الداخلية في ندوة صحفية كشف فيها عن مجريات البحث التمهيدي، وأكد الأفعال المنسوبة إلى المعتقلين، وهي محاولة اعتبرت هيئة الدفاع أن غرضها التأثير المكشوف على القضاء، كما أوهم الرأي العام الوطني أن كل المعتقلين وجدت بحوزتهم أسلحة عرضتها وسائل الإعلام الرسمية... وهو بذلك أفشى سر البحث التمهيدي مع العلم بأنه لا حق له في الاطلاع على مجريات البحث، محذرًا من التشكيك في الرواية الرسمية، بل قام بلقاءات مع فاعلين يحثهم على الدفاع عن روايته.

  • بعد وزير الداخلية، طلع وزير الاتصال على الإعلام الرسمي، وتورط بدوره في توزيع الإدانات، وتحدث عن اعترافات وهمية وخون المشككين في الرواية الرسمية التي سبق أن أعلن عنها وزير الداخلية، وأضاف إليها؛ فارتكب بدوره خطيئة الاطلاع على أسرار البحث التمهيدي وإفشائها، وأوهم الرأي العام الوطني بما اعتبره حقائق، في محاولة منه للتأثير على القضاء.
  • إقدام الوزير الأول «عباس الفاسي» على حل حزب «البديل الحضاري» بمرسوم في إطار الفصل (٥٧) من قانون الأحزاب السياسية، وهو قرار صدر أثناء البحث التمهيدي، وقبل إحالة المعتقلين على النيابة العامة .. وهو مرسوم تضمن بدوره إفشاء مجريات البحث التمهيدي التي لا يحق له الاطلاع عليها، عندما برر مرسومه بـ«ثبوت العلاقة بين الشبكة، وتأسيس حزب البديل الحضاري، وتوافر قرائن تفيد تورط قادة الحزب الرئيسيين في الشبكة». والأخطر من ذلك أن الشروط التي ينص عليها الفصل (٥٧) من قانون الأحزاب وأبرزها قيام أي حزب بمظاهرات مسلحة غير متوافرة، ولم تصدر أحكام قضائية نهائية حتى يمكنه اتخاذ قرار بحل الحزب وأدان المعتقلين والحزب قبل المتابعة.
  •  الاستغلال الغريب والمخيف لوسائل الإعلام الرسمية من قبل وزارة الداخلية ومن يسير في ركبها؛ من أجل الترويج لروايتها المزعومة، وللنيل من المعتقلين السياسيين والمس بكرامتهم والتشهير بهم، ومحاولة التأثير على المواطنين وعلى القضاء. 
  • بعد إحالة الملف على قاضي التحقيق, رفض في بداية المحاكمة تمكين هيئة الدفاع من صورة من محاضر الملف ووثائقه، وبذلك تم حرمان المعتقلين من الدفاع عن أنفسهم انطلاقًا من معرفة كاملة بما يحتويه الملف من تصريحات وأبحاث ووثائق، رغم أن النيابة العامة كانت تتوافر على الملف، مما يُعد مسًا صريحًا مع سبق الإصرار بحقوق هيئة الدفاع.. والأخطر أن الملف الذي تم منعه عن هيئة الدفاع تم توزيعه على بعض المسؤولين وعلى أجهزة مخابرات أجنبية ومنه بعض التفاصيل التي نشرتها وسائل إعلام مغربية.
  •  في يونيو ۲۰۰۸م، طلبت هيئة دفاع المعتقلين استدعاء «أحمد حرزني» الذي كان رئيسًا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان للاستماع إليه كشاهد، وذلك بعد أن أدلى بتصريحات في برنامج «حوار» على القناة الأولى، أكد فيها أن «مصطفى المعتصم» اتصل به عام ۲۰۰۵م ليبلغه بخبر إدخال أسلحة إلى المغرب من طرف شخص ينتمي إلى «الشبيبة الإسلامية».. وأوضح «حرزني» أنه أبلغ الخبر إلى الجهات المعنية، وقام بما يمليه عليه ضميره ، بل قال في البرنامج نفسه: «إذا استدعانى القضاء فإنني مستعد للإدلاء بشهادتي هذه»، لكن قاضي التحقيق رفض الاستجابة لطلب هيئة الدفاع باستدعائه. 
  • قبل عرضهم على محكمة الاستئناف المختصة في قضايا ما يُطلق عليه «الإرهاب»، أصدر المعتقلون السياسيون الستة بيانًا شديد اللهجة، جاء فيه قولهم: «لا يمكننا السكوت على الفضائح القضائية التي يرتكبها ضدنا قاضي التحقيق لدى محكمة الاستئناف بالرباط «عبد القادر الشنتوف» المكلف بالتحقيق في قضية ما يُعرف بـ«خلية بلعيرج»، وهي فضائح تذكرنا بتاريخ الانتكاسات القضائية المخلة بمبادئ المحاكمة العادلة التي عرفها المغرب على مر الحقب».

عهد جديد

إن إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين جاء تتويجا لنضال حقوقي استمر منذ اعتقالهم, وفي سياق ما يبدو أنه إرادة سياسية قوية من الدولة بالمضي قدما في اتجاه الانفتاح السياسي الكامل، واستئناف مسار الدمقرطة» الذي توقف بفعل فاعل عقب أحداث السادس عشر من مايو ٢٠٠٣م. كما يبعث هذا القرار برسائل متعددة، قد تختلف قراءاتها ولكنها تلتقي في تأكيد وجود إرادة سياسية قوية لتدشين عهد مغربي جديد، رغم ما يقف في وجهه من مقاومات لا تزال تحن للماضي، وتعمل بكل الصيغ على استمرار تأثيرها في القرار السياسي.. لكنها تلقت رسالة واضحة مفادها أن بناء مغرب ديمقراطي خيار لا رجعة عنه، وأن الأفضل لها الاستسلام لإرادة الشعب المغربي في الحرية والديمقراطية والعدل. 

إنه انتصار لصوت العقل والحكمة في المغرب، وتعبير عن الوعي بحاجة ورش الإصلاح الدستوري إلى إجراءات ثقة لدعم المؤسسات الوطنية الجديدة، وعلى رأسها «المجلس الوطني لحقوق الإنسان»، وعدم الاقتصار على مجرد مراجعات قانونية ومؤسساتية دون تأثير على الواقع السياسي والاجتماعي.

والمرجو أن يكون لهذا القرار التاريخي مفعوله القوي في تبديد قسم معتبر من الشك والتوجس في إرادة الإصلاح الديمقراطي المعلنة..

الرابط المختصر :