; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الحلقة 54)- موقف الحركة الوهابية في دولة الخلافة في عهد الأمير سعود | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الحلقة 54)- موقف الحركة الوهابية في دولة الخلافة في عهد الأمير سعود

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1981

مشاهدات 75

نشر في العدد 518

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 03-مارس-1981

التحرك جهة العراق والشام

• كان توقيت التحرك جهة العراق والشام محرجًا وصعبًا لدولة الخلافة.

• كما كان تحرك الأمير سعود خاطئًا... فقد جاء تحرك دولة الخلافة متأخرًا... وخاطئًا... ولم يكسب من هذه الحرب إلا أعداء الإسلام.

تتبعنا في الحلقة السابقة الأعمال والتغييرات التي واكبت دخول الأمير سعود مكة المكرمة، وقيمنا كل عمل على حدة، وتحسسنا ما يمكن أن يكون له من تأثير على دولة الخلافة التي لم تحرك ساكنًا حتى تلك اللحظة، فكان موقفها موقف الراصد الحذر. واليوم نتعرض لتحرك الأمير سعود جهتي العراق والشام هذا التحرك الذي رجحت بعده دولة الخلافة التحرك المعاكس الفوري الحاد، فرمت الحركة الوهابية بمحمد علي... فلننظر لهذه النقطة بعين التقييم الذي ينشد الاستفادة من تاريخ الأمس لحركة اليوم.

• الحروب جهة العراق والشام:

لقد جاءت الحروب التي قادها الأمير سعود بنفسه جهتي العراق والشام مؤشرًا لا يحتمل التأويل لدى دولة الخلافة ويصعب عليها تجاوزه، بل إن هذا التحرك والتوسع حجب عين وسمع دولة الخلافة عن رؤية بعض الأعمال أو سماع بعض الأقوال التي يظهر فيها حسن نية الأمير سعود تجاه دولة الخلافة صريحًا.

وقد كان توقيت هذا التوسع في وقت صعب بالنسبة لدولة الخلافة، وإذا كانت قد تأخرت في إرسال محمد علي لمواجهة الحركة الوهابية منذ أن بدأت غزوها للعراق ۱۲۲۰هـ فإنما ذلك لما كانت تعانيه من آلام جسام، ومنذ ذلك التاريخ أضافت إلى آلامها هذا الألم الجديد، وظلت تتحمله أكثر من خمس سنوات حين توجه الأمير سعود جهة الشام هذه المرة عام ١٢٢٥هـ، فلم تعد تطيق هذا الواقع فسيرت جيوشها مكرهة معتمدة على محمد علي الوالي الطموح الذي لم تكن دولة الخلافة تطمع في زيادة طموحه للقضاء على الحركة الوهابية.

ولا شك أن هذا التحرك جهتي العراق والشام، وهما من أكبر العواصم الإسلامية وأهمها، كان -حقيقة- من الأسباب التي كان لها دور في إجهاض الخلافة والمساهمة في ذلك دون نية أو قصد.

ولكي نجسم هذه الحقيقة يلزمنا الكشف عن حال دولة الخلافة في تلك الفترة، وهي فترة السلطان سليم الثالث إلى محمود الثاني، ولنترك شكيب أرسلان يصف تلك المرحلة الحرجة التي كانت تعاني منها دولة الخلافة.

فعندما جلس السلطان سليم الثالث على عرش الدولة عام ۱۷۸۷ كانت على أسوأ ما كانت السلطنة حالًا؛ فقبطان البحر العثماني حسن باشا انكسر في «فورشاني» في ٢١ يوليو ۱۷۸۹، وبعد ذلك بشهرين لحقت بالعثمانيين هزيمة أخرى. وكانت الفلاج ومولدافيا وبلاد السرب في أيدي الأعداء، والروس يحاصرون قلعة إسماعيل التي هي معقل العثمانيين الأعظم على الدانوب، وكانت الخزانة فارعة، فكانت من كل جهة علامات الشؤم مطبقة.

ثم إن الروس لبثوا ظافرين، وفتحوا قلعة إسماعيل عنوة بعد حصار شديد يفوق الوصف، فذبح الروس جميع المسلمين كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، واستمرت المذبحة ثلاثة أيام، ولما وصل الخبر إلى استانبول ثار الشعب وطلبوا الاقتصاص من رجل الدولة، فقتلوا لهم الوزير حسن باشا قبطان البحر.

ومن جهة ثانية كان يوسف باشا قد انهزم أيضًا في «ماتشين» فتدخلت إنجلترا وروسيا في الصلح، وانعقدت معاهدة «ياسي» في ۹ يناير ۱۷۹۲ وبموجبها استولت روسيا على القريم وعلى شبه جزيرة طامان، وقسم من قوبان، وقسم من بسارابيا، ومدينة أوقزاقوف وغير ذلك كانت هذه الفتن المصطلمة المستمرة في السلطنة العثمانية في داخلها.

وهذه الحروب المضطرمة المستمرة عليها من خارجها، قد أطمعت فيها دول أوربا، وصيرتها تفكر في دنو أجل هذه السلطنة، وصارت كل دولة تتحفز للاستئثار بشقص من هذه التركة، وطالما تذاكرت الدولة الأوربية جمعاء في هذا الأمر، أو تفاوض القسم الأكبر منها في إتمامه، وكان يحول دون ذلك الاختلاف فيما بينهن، مع صعوبة إتمام العمل بنفسه لأنه ليس سهلًا... وكان الناس في أوربا يعتقدون أن أجل السلطنة أصبح قريبًا جدًّا، ولذلك قررت الحكومة الفرنساوية غزو الديار المصرية، وحاولت إقناع تركيا بأن هذه الغزاة لا تنوي بها فرنسا العداوة لتركيا، وإنما تريد بها سبيلًا إلى الهند... وكانت الفتوق متوالية من كل جهة؛ فالانكشارية عضوا في بلغراد واستولوا على القلعة، وكانت عصائب من الأشقياء تعبث في بلاد البلغار ومكدونية، وكان السربيون بقيادة «قرهجورج» قد رفعوا لواء الثورة، وكان «علي باشا نبلي» املتغلب على يانيا قد أعلن استقلاله عن الدولة، وهنا يضيف شكيب فيقول: وكان الوهابيون قد غزوا الحجاز واستولوا على الحرمين الشريفين. ويتابع فيقول: وكانت في نفس العاصمة -أي الأستانة- ثورة أحدثها الانكشارية بالاتفاق مع العلماء بسبب التشكيلات العسكرية التي قام بها السلطان سليم مقتديًا فيها بالجيوش الأوربية، وقد أطلق عليها اسم «النظام الجديد»، فوقع القتال بين الانكشارية والنظام الجديد، وانتهى الأمر بغلبة الانكشارية.

وفي ذلك الوقت رجع التقارب بين تركيا وفرنسا وأرسل بونابرت الجنرال «سباستياني» لأجل حمل الباب العالي على محاربة الروسيا، وكان الباب العالي عزل أميري الفلاح ومولدافيا ضيعتي الروسيا، فأرسل إسكندر الأول قيصر الروسيا عسكرًا احتل الإمارتين، وأعلنت الحرب.. وهكذا دخلت دولة الخلافة في فتح جبهتي استنزاف مع روسيا.

ثم لم تكف الثورات الداخلية والفتن والحرب مع روسيا، حتى جاء الإنجليز يطلبون من الدولة أن تعتمد تحالفًا مع روسيا وإنجلترا، وأن تعلن الحرب على فرنسا، وأن تتخلى عن الفلاح ومولدافيا للروسيا، وقد طلبوا أن يتسلموا الدردنيل والأسطول العثماني، فأبى الباب العالي قبول هذه الشروط، ودخل الأسطول الإنجليزي من الدردنيل الذي كانت حصونه ضعيفة جدًّا بسبب إهمال الأتراك لها...

ويذكر شكيب في عهد محمود الثاني الذي تولى السلطة عام ۱۸۰۸ أن الدولة من الداخل كانت ممزقة تمزيقًا، فكان آل شعبان أوغلو حاكمين في شمال الأناضولي، وكان آل قرة عثمان أوغلو متغلبين على البلاد المجاورة لأزمير، وكان في سرس من مقدونية وفي قلبه من تراقبه أمراء أصحاب جيوش وقوة ومنعة لا يخضعون تمام الخضوع للحكومة، وكانت بلاد العرب في أيدي الوهابيين، وكانت مصر في ید محمد علي، وكانت بلاد السرب ثائرة، وكان علي باشا والي يانيا مستأثرًا ببلاد تساليا ولبيروس، وكان «مولا أغا» غالبًا على «ودين»، وكان هذا الواقع المرير ينوء حمله على من يريد علاج دولة الخلافة وترميمها، وهذا الذي ذكره شكيب بعض غيض من فيض ظل يضطرم ويتصعد يومًا تلو الآخر، وتحاصر دولة الخلافة المحن من داخلها وخارجها حتى إذا بلغ السيل مداه، وأعلن السلطان محمود الجهاد المقدس.. ولم تكن عناصر الجهاد متواجدة ولا المسلمون متهيئون لرفع الراية.. وحدث ما كان ينبغي أن يحدث...

ومن المؤسف أنه قد صاحب هذا الضعف العام في دولة الخلافة تقطع أوصالها المتباعدة، وانشغلت بالتالي تلك الأقطار بمشاكلها، فلم تعد تحس بالآم الجسد ودوار الرأس الذي تعانيه الدولة الأم الحبلى بالمشاكل... وبات المسلمون أشلاء، كل مشغول بشلوه.

ومن هنا فان نظرة الأمير سعود فيما أقدم اليه كانت نظرة صحيحة في مجالها ومحققة لمصالح لا شك فيها باعتبارها نظرة لجزء كاد يكون مبتورًا عن بقية الأجزاء.

ولكن هذه النظرة الصحيحة لا تبقى كذلك إذا لم تكن في الإطار العام الذي يربط مصالح الأقطار والأشلاء بمصالح الدولة الأم ويخفف من دوارها وآلامها.

هذا الربط الدقيق لا يمكن أن يقوم به إلا من عايش آلام دولة الخلافة، كما ذكرها شكيب أرسلان، وتحسس مشاكلها، وأحاط بالأخطار التي تنتابها، وانكشف له دور الدول الأوربية الخسيس، ثم حلل ذلك ليخرج بنتائج الخسارة وفداحتها عند سقوط الدولة، وبعد هذا كله يستطير أخيرًا أن يتوصل إلى الحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن تكون، وهي أن تحركه ينبغي أن يكون في دائرة مصلحة الدولة الأم وتحت اسمها ولمصلحتها، ودون ذلك تنهدر المصلحتان في آن واحد: مصلحة دولة الخلافة، والمصلحة المتوهمة في القطر، وهذا ما حدث فعلًا.

وإذا كان هذا هو موقف الأمير سعود أو الحركة الوهابية من دولة الخلافة، فإننا بعد هذا نعرج على موقف دولة الخلافة من الأمير سعود، أو من الحركة الوهابية، ونقول على الفور: إن موقف دولة الخلافة لم يكن في مكانه الصحيح، بل كان خاطئًا، حينما نأخذ بالاعتبار حال دولة الخلافة الداخلي والخارجي وحال الأقطار الإسلامية المتناثرة. لقد كان واقع دولة الخلافة يستلزم منها أن تسالم وتهادن وتحاور وتستوعب، لا أن تصادم وتقاتل وتستنفر.

لقد كان باستطاعة دولة الخلافة أن تستوعب الحركة الوهابية منذ أن أحست أنها تحمل عناصر النماء والتصاعد، لما كانت تنمو على عين الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

وإذا كان قد فاتها ذلك ابتداء، فما كان ينبغي أن تفوتها فرص أخرى حتى بعد دخول الأمير سعود مكة المكرمة، وهي الفرصة الأخيرة لها، وكان باستطاعتها استيعابها... وليكن هذا الاستيعاب في صورة إعطاء الأمير سعود حرية التصرف باسمها في مكة والجزيرة ودواخلها، وعقد الاتفاق بين الطرفين بعد الحوار الذي سيكون له دور في توضيح الصورة الحقيقية لدولة الخلافة، وبالتالي يستطيع الأمير سعود أن يتعامل حسبما يقتضيه الواقع. وهذا التصرف ما كان ليكلفها تسيير الجيوش، بل وأقوى جيش لديها جيش محمد علي في مصر، مع أنها جربت هذا الأسلوب الصدامي من قبل حين أوعزت إلى والي بغداد أن يقوم بعملية تأديب وتفتيت للحركة الوهابية، ففشل في ذلك... فكان عليها أن تتصرف بأسلوب الأضواء، وما كان هذا التصرف من ناحية أخرى ليضرها في شتى، بل كان سيحقق لها وللمسلمين عمومًا مصالح بعيدة المدى.

والذي يجعل إمكانية هذا الموقف ناجحًا أن الأمير سعود كان قد مد خيوطًا كثيرة صادقة بعد دخوله مكة المكرمة، كان بإمكان دولة الخلافة أن تتشبث بها وتقومها، وتجعل منها جسرًا تعبر منه إلى قلب الحركة الوهابية، وبالتالي تستوعبها لأنها لن تجد فيها إلا ما هو في صالح الإسلام والمسلمين، فتجعل الحركة الوهابية في عداد العلاجات الناجعة لأدواء دولتها، بدل أن تصنفها في عداد الأدواء والأنداد، بل الأعداء.

لقد أرسل الأمير سعود رسالته إلى السلطان ولقبه بـ«السلطان سليم»، وكشف ما قام به بعد دخوله مكة، وكأنه يقوم بواجب كلف به.. وثبت القاضي الذي عين السلطان... وعين الشريف عبد المعين، وهو معروف بصلاحه للجميع، وأقال الشريف غالبًا، وهو معروف بتقلبه، حتى دولة الخلافة ذاتها كانت ترتاب منه، وكان هو أيضًا يرتاب منها وينتظر بين الفترة والأخرى أن يستبدل بغيره... وغادر الأمير سعود مكة بعد حوالي عشرين يومًا، ولم يظهر نية الاستقرار أو اتخاذ مكة عاصمة له... ثم ترك في مكة حامية صغيرة لا تتناسب ونية الاستقرار أيضًا... وعقد الأمير سعود أكثر من صلح مع الشريف غالب، كان باستطاعة الدولة أن تدخل طرفًا... كل هذه خيوط كان بإمكان دولة الخلافة أن تركب واحدًا منها، أو تستفيد منها مجتمعة، وهي ظواهر كان حسن النية فيها صادقًا، وإن لم يكن فإنه بإمكانها أن تحملها على حسن النية وتتصرف على ضوئها.

ولما لم يحدث من ذلك شيء، فقد كانت النتيجة أن آزرت دولة الخلافة خطأ الأمير سعود بخطئها، فكان ما كان من خسران الطرفين.

وفي الحلقة القادمة نتابع العلاقة التي أعقبت الحرب التي أخذت طريقًا فيه من الاستغارة بهذين الخطأين الشيء الكثير.

الرابط المختصر :